نعَت البطريركية المارونية في لبنان البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، صباح الأحد 12 مايو/أيار 2019، بعد صراع مع المرض، ويعتبر من قاد المقاومة ضد الوجود السوري في لبنان.
ونعى البطريرك الحالي بشارة الراعي، في بيان نقلته الوكالة الوطنية، وفاة صفير، واصفاً اياه بـ “أيقونة الكرسي البطريركي وعميد الكنيسة المارونية وعماد الوطن”. وجاء بالبيان أن “الكنيسة المارونية في يُتم، ولبنان في حزن”.
ونعى الرئيس اللبناني ميشال عون، صفير، في بيان، وقال: “ستفتقده الساحة الوطنية رجلاً صلباً في دفاعه عن سيادة لبنان واستقلاله وكرامة شعبه”.
مقاومة الوجود العسكري السوري
وانتُخب صفير بطريركاً عام 1986، وقاد المسيحيين في أصعب الظروف، ويعتبر البطريرك الثاني للاستقلال، حيث قاوم الوجود السوري في لبنان، وقاد المعارضة بين عامي 1990 و2005.
وأطلق “صفير” نداء المطارنة الموارنة في سبتمبر/أيلول عام 2000، مطالباً الجيش السوري بالانسحاب من لبنان، بحسب وكالة الأناضول.
وظلّ الجيش السوري في لبنان 29 عاماً، وقد دخلها في عام 1976؛ إثر الحرب الأهلية اللبنانية وتحت ذريعة طرد الجيش الإسرائيلي من لبنان وتطبيع الوجود الفلسطيني فيه.
وانتهى الوجود الأمني والعسكري السوري عام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، رغم أن الحكومة السورية كانت تقول في العلن: “إن وجود الجيش والمخابرات السورية في لبنان هو لإنهاء الحرب اللبنانية التي دامت أربعة عشر عاماً، رغم وجوده وسيطرته على أغلب المآرب السياسية في لبنان”.
ورفض “صفير”، طوال فترة توليه منصبه، زيارة سوريا رغم وجود أبرشية مارونية تابعة لسُلطته الكنسيّة فيها، حتى إنه لم يرافق البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته لها عام 2001.
وبعد خروج الجيش السوري في عام 2005، إثر اغتيال الحريري، لم يتردد “صفير” في انتقاد حزب الله بشدة، لرفضه التخلي عن سلاحه، معتبراً أنه يشكّل “حالاً شاذة” في لبنان، ومؤكداً أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة.
ومنح “صفير” الغطاء المسيحي لإبرام اتفاق الطائف في السعودية عام 1989، والذي وضع حداً للحرب الأهلية (1975-1990) في لبنان، وكان آخر فصولها نزاع دامٍ بين المسيحيين، أدانه البطريرك بشدة، وأكد مراراً أنه أضعفَهم في لبنان، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.
أسس البطريرك صفير “لقاء قرنة شهوان” الذي أشعل انتفاضة الاستقلال عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005. وفي مطلع سنة 2011، تقدّم “صفير” باستقالته، طالباً إعفاءه من المهام البطريركيّة والانصراف إلى التأمّل والصلاة.
وانتُخب المطران بشارة الراعي بطريركاً، بتاريخ 15 مارس/آذار 2011، وهو البطريرك السابع والسبعون.

حياة صفير
– وُلد نصر الله صفير في ريفون-كسروان (محافظة جبل لبنان) بتاريخ 15 مايو/أيار 1920.
أتمّ دروسه الابتدائية والتكميلية في مدرسة مار عبدا-هرهريا في عرمون-كسروان، ثم الثانوية بالمدرسة الإكليريكيّة البطريركيّة المارونيّة في غزير-كسروان، وفي المعهد الإكليريكي الشرقيّ التابع للجامعة اليسوعيّة، حيث تابع دروسه الفلسفيّة واللاهوتيّة.
في 7 مايو/أيّار 1950، رُقِّي إلى درجة الكهنوت، وعُيّن خادماً لرعيّة ريفون وأمين سرّ أبرشيّة دمشق (صربا اليوم)، وأمين سرّ البطريركية المارونيّة. ورُقِّي إلى الدرجة الأسقفيّة وعُيِّن نائباً بطريركيّاً في 16 يوليو/تمّوز 1961
وعُيّن مدبراً بطريركياً، ورئيساً للجنة التنفيذيّة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان عام 1975 وممثلاً لرئيس مجلس البطاركة الكاثوليك في لبنان لدى كاريتاس لبنان 1977، ومستشاراً للجنة الخاصة بإعادة النظر في الحق القانوني الشرقي، ومرشداً روحياً لمنظمة فرسان مالطة ذات السيادة.
بطريرك وكاردينال
انتخبه مجلس المطارنة بطريركاً في 19 أبريل/نيسان 1986، وهو البطريرك السادس والسبعون في سلسلة البطاركة الموارنة، وشغل منصب رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان.
وشارك البطريك في 6 مجامع عامة لسينودوس الأساقفة، وفي جمعية سينودوس الأساقفة الخاصة بلبنان، وسينودس مسيحيّي الشرق الأوسط.
وهو عضو مؤسّس لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك: عُقد المجمع البطريركي الماروني سنة 2003 وهو الأول بعد المجمع اللبناني الذي انعقد سنة 1736.
وعُين كردينالاً في 26 تشرين الثاني 1994، ثم عضواً في المجلس الحبري لتفسير النصوص التشريعيّة وعضواً في المجلس الحبري لراعوية الخدمات الصحية.
مؤلفاته وترجماته
ألّف: من ينابيع الإنجيل، وغابت وجوه (جزآن)، عظة الأحد، رسائل الصوم، وكتابَي رتبة العماد والزواج.
له عّدة ترجمات: أهمها: يسوع حياة النفس، يسوع المسيح، بالإضافة إلى ترجمة عدد كبير من الرسائل البابوية والإرشادات الرسولية.
كتبت عنه عدة مؤلفات: “طريق العودة”، “السادس والسبعون” (جزآن)، “حارس الذاكرة”، “الجيل حقاً قام”، “رحلة إلى أستراليا”، “صوت الراعي”.
وقام الأب أنطوان ضو والإعلامي جورج عرب بجمع وتحقيق الأعمال الكاملة للبطريرك صفير.