في خطابه اليوم الثلاثاء 4 يونيو/حزيران قال الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري، إن “القوى السياسية التي تحاور المجلس العسكري تتحمل ذات المسؤولية في إطالة أمد التفاوض بمحاولة إقصاء القوى السياسية والقوى العسكرية والانفراد بحكم السودان لاستنساخ نظام شمولي آخر يُفرض فيه رأي واحد يفتقر للتوافق والتفويض الشعبي والرضاء العام”.

وأضاف مدني أن العصيان المدني مستمر “بهدف إسقاط المجلس العسكري بعد أن تنصل عن كل التزاماته”، بحسب رويترز.
الدعم الإقليمي قلب الموقف
الموقف أصبح معقداً بعد أن عادت الأمور إلى نقطة الصفر، وليس من قبيل المصادفة أن فضّ الاعتصام بتلك الطريقة الدموية جاء بعد اجتماعات البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو “حميدتي” في ثلاث عواصم عربية بها أنظمة تكره الديمقراطية وتسعى بشكل فعّال لتشكيل مستقبل السودان على هواها.

وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، يرى المحللون أن حكام مصر والإمارات والسعودية يتحركون بشكل منسّق فيما بينهم لإجهاض طموحات الحراك الشعبي السوداني وآماله في الانتقال الحقيقي لحكم مدني ديمقراطي، وحاول الثلاثة إنقاذ نظام البشير ومنذ عزل البشير يتآمرون لعمل ثورة مضادة من خلال المجلس العسكري المؤقت، وقد حانت الآن تلك اللحظة القاتلة وكانت بدايتها مجزرة فض اعتصام القيادة.
صحيح أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أعلن احترامه “لإرادة الشعب السوداني”، إلا أنه يرغب في وجود نظام في السودان يساعده في محاربة الإسلاميين، وربما أيضاً يرغب في وجود جنرالات في سدة الحكم يسهل التفاهم معهم في قضايا مثل الحدود ونزاعات حصة مصر من مياه النيل في مقابل دعمه لهم.
وقد قدمت مصر دعماً هائلاً بالفعل للمجلس العسكري المؤقت باستخدام تأثيرها الإقليمي، وكذلك انطلاقاً من رئاستها للاتحاد الإفريقي استطاعت مصر جعل الاتحاد يتغاضى عن مهلة الأسبوعين لتسليم السلطة للمدنيين التي كان أقرّها عقب عزل البشير ووصلنا الآن لثلاثة أشهر دون أن يكون هناك حتى مؤشر على أن ذلك سيحدث دون أي موقف من الاتحاد الإفريقي.
لماذا ترفض القوى المدنية إجراء الانتخابات؟
ترغب القوى المدنية في تشكيل مجلس سيادي أغلبيته مدني يدير البلاد لمدة ثلاث سنوات على الأقل تكون مهمته الأساسية هي تطهير مؤسسات الدولة من الفساد وإعداد دستور مدني، ومن ثم إجراء الانتخابات في أجواء ديمقراطية مستقرة.
إجراء الانتخابات بالصورة والتوقيت التي يريدها المجلس العسكري، من وجهة نظر القوى المدنية، يعني أن المجلس العسكري هو من سيدير الفترة الانتقالية منفرداً، ما يلقي بالشكوك حول مسألة التحول الديمقراطي وتجربة الجارة مصر نصب أعينهم.
ما هو السيناريو الأقرب الآن؟
بعد أن عادت الأمور لنقطة الصفر أصبح المجلس العسكري الآن في نفس موقف البشير تقريباً أو ربما وزير دفاعه عوض بن عوف، وبالتالي لا تملك قوى الحرية والتغيير سوى ورقة الاستمرار في الاحتجاج السلمي والتصعيد من خلال العصيان المدني، وهي الأوراق التي لا يمكن الاستهانة بها في ظل الوعي الشعبي المتنامي.

هذه الحقائق مجتمعة تجعل الصورة على الأرض تدعو للتفاؤل الحذر، حيث إن لجوء المجلس العسكري لاستعمال القوة لفضّ الاعتصام وضعه في موقف صعب وهناك اجتماع اليوم في مجلس الأمن بطلب من ألمانيا وبريطانيا لمناقشة فض الاعتصام بالقوة، كما أن منظمة هيومن رايتس ووتش هي الأخرى تتابع الموقف وتطالب بمحاكمة قيادات المجلس.
السيناريو الأقرب هو احتجاجات شعبية أكبر حجماً وأكثر تصميماً مع احتمالات لقمع أكثر دموية من العسكريين الذين يحكمون الآن بالفعل، والسؤال الأهم هو: أي فصيل من القوات المسلحة ستكون له اليد الأعلى في المجلس العسكري المؤقت؟
بشكل أوضح هل تظل السيطرة لحميدتي وقوات الدعم السريع كما هو الوضع الآن؟ لو كانت الإجابة بنعم تتزايد احتمالات سفك الدماء بصورة مقلقة، بحسب تقرير لبي بي سي.
شوارع الخرطوم كلها مغلقة تقريباً ما يعني حدوث تحول كبير داخل النظام، ورغم أن “القوة الشعبية” قد تلقت ضربة مُوجعة بفضّ الاعتصام بتلك الطريقة الدموية فإن المحتجين ربما يكونون أكثر تصميماً على عدم التراجع حتى يجبروا المجلس العسكري على تسليم السلطة.