عشاء محمد بن سلمان الذي يهدد السياسة التحريرية لواحدة من أعرق الصحف البريطانية

استضاف يفغيني ليبيديف، مالك صحيفتي Independent وEvening Standard البريطانيتين، الأمير السعودي محمد بن سلمان على مأدبة عشاء خاصة، مما أثار المزيد من التساؤلات حول العلاقة بين قُطب الإعلام الروسي والحاكم الفعلي للمملكة السعودية، وأثار مخاوف بشأن تزايد نفوذ السعودية في الإعلام البريطاني. 

وتخضع الصحيفتان الإخباريتان اللتان يمتلكهما ليبيديف للتحقيق حالياً بسبب مخاوف تتعلق بالمصلحة العامة بشأن استثمارٍ سعودي غامض يُجرى فيهما عبر شبكةٍ من الحسابات المصرفية الخارجية، في ظل تلميح الحكومة البريطانية إلى أنَّ الدولة السعودية شريكةٌ في ملكية صحيفتي Independent وEvening Standard. 

وهناك مهلةٌ أمام وزير الثقافة البريطاني نيكي مورغان حتى يوم الجمعة 6 أغسطس/آب 2019 ليقرر ما إذا كان سيستأنف ضد حُكمٍ قضائي قضى بأنَّ مهلة الحكومة البريطانية للتدخل في الصفقة قد انتهت، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية. 

ويثير الكشف عن وجود علاقةٍ شخصية بين ليبيديف والأمير محمد المزيد من التساؤلات حول الروابط بين الرجلين. 

إذ قالت عدة مصادر لصحيفة The Guardian البريطانية إنَّ الأمير السعودي الشاب استقطع وقتاً من زيارته الرسمية القصيرة التي أجراها إلى لندن في مارس/آذار من العام الماضي 2018 -حين استضافته تيريزا ماي رئيسة الوزراء آنذاك، والملكة إليزابيث- من أجل قضاء بعض الوقت مع الملياردير الروسي النافذ، الذي يُعتقَد أنَّه استضاف بن سلمان على مأدبة العشاء في منزله الواقع بالقرب من قصر هامبتون كورت الملكي.

ليس هناك علاقة لابن سلمان بعملية شراء بنك سعودي للصحيفة

وقد شهد العشاء حضور شخصياتٍ بارزة من قطاع الأعمال والإعلام، من بينهم ريتشارد برانسون المؤسس المشارك لمجموعة شركات Virgin، الذي أكَّد المتحدث الرسمي باسمه حضوره، قائلاً: “ذهب ريتشارد إلى العشاء بدعوةٍ من ليبيديف، الذي يعرفه جيداً. وفي ذلك الوقت، كانت مجموعة Virgin تناقش استثماراً مع صندوق الاستثمارات العامة السعودية في شركة Virgin Galactic، لكنَّ ريتشارد أوقف هذه النقاشات لاحقاً. كان العشاء شخصياً ولم يركز على الأعمال والصفقات التجارية”.

الأمير محمد مع رئيسة وزراء بريطانيا

ورفض المتحدث باسم ليبيديف التعليق على العشاء، لكنَّه أصر على أنَّ الأمير السعودي ليس له دورٌ شخصي في ترتيب الاستثمارات المتجادل حولها في الصحيفتين البريطانيتين اللتين يقع مقرهما في لندن. 

يُذكَر أنَّ الأمير محمد في هذا الوقت كان يحاول إظهار بلاده في مظهر الدولة العصرية، لكنَّ تأثير هذه الجهود تلاشى بدرجةٍ كبيرة في وقتٍ لاحق من ذلك العام حين تورَّط في اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

وما زالت هناك تساؤلاتٌ حول سبب قرار أحد البنوك السعودية شراء حصة قدرها 30% في صحيفتين إخباريتين بريطانيتين، وكيفية ترتيب هذه الصفقة. 

ولكن ما علاقة توني بلير بالصفقة؟

وقالت عدة مصادر لصحيفة The Guardian إنَّ جاستن بيام شو، رئيس مجلس إدارة صحيفة Independent، زعم سابقاً أنَّه ناقش الاستثمار السعودي الأوَّلي مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في عام 2017.

تجدر الإشارة إلى أنَّ منظمة توني بلير حصلت منذ ذلك الحين على ملايين الدولارات من المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق -وهي شركة إعلامية خاضعة لسيطرة الدولة وتدير حالياً النسخة العربية من صحيفة Independent- فيما قالت مصادر سعودية كذلك إنَّ بلير قابل الأمير محمد في وقتٍ لاحق من ذلك العام.

لكنَّ كلّاً من المتحدث باسم ليبيديف والمتحدث باسم بلير نفى اضطلاع بلير بدورٍ استشاري في هذه الصفقة. ومع ذلك، لم يعلق أي من الرجلين على الادعاء بأنَّ بيام شو التقى بلير في لقاء غير رسمي في عام 2017 وناقش معه الصفقة آنذاك.

المتحدث باسم بلير ينفي علاقته بالصفقة رغم تغيير عضو بشركته في الصحيفة

وقال المتحدث باسم بلير: “كما قلنا من قبل حين سُئلنا عن ذلك، لم يضطلع السيد بلير بدورٍ استشاري في الاستثمار الإعلامي في شركة ESI (الشركة الأم لشركة Independent). أمَّا التبرع الذي تلقته منظمة بلير، فكان مخصصاً للأعمال التي تجريها في إفريقيا وبرامج التعايش. إذ تعمل المنظمة في الشرق الأوسط، وبالطبع يلتقي (بلير) بعض القيادات هناك من وقتٍ إلى آخر”. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّه بعد إتمام صفقة الاستثمار السعودي، عُيِّن ديفيد جون كولينز، العضو في مجلس إدارة منظمة توني بلير، في منصبٍ إداري في مؤسسة Independent. وقال ممثلو ليبيديف إنَّ التعيين جاء بناءً على اقتراحٍ شخصي من الملياردير الروسي وليس له أي علاقة ببلير.

والصفقة متورط بها مرشح محتمل لرئاسة صندوق النقد

ويُذكَر أنَّ حكومة ماي اتخذت خطوة غير متوقعة وأطلقت تحقيقاً رسمياً بشأن مدى ضرورة التحقيق في الاستثمار السعودي في الصحيفتين البريطانيتين لأسبابٍ تتعلق بالمصلحة العامة، فيما شهدت إحدى جلسات الاستماع في المحكمة ادِّعاءاتٍ بأنَّ الرجل الذي قُدِّم في الأصل على أنَّه المستثمر الرئيسي، وهو رجل أعمال غير معروف يدعى سلطان محمد أبو الجدايل، كان مجرد واجهةٍ للدولة السعودية.

احتجاجات على زيارة لبن سلمان لبريطاني/ارويترز

وعلى صعيدٍ آخر، يمكن أن يُسبِّب القرار بإجراء تحقيق، الذي اتُّخِذ في أواخر أيام حكومة ماي، صداعاً لرئيس الوزراء البريطاني الحالي بوريس جونسون، لأنَّه يرتبط بعلاقةٍ وثيقة مع ليبيديف وجورج أوزبورن، مُحرِّر صحيفة Evening Standard، الذي يروِّج له بوريس حالياً على أنَّه رئيس جديد محتمل لصندوق النقد الدولي.

وعند سؤاله عن الاستثمار السعودي في وقتٍ سابق من العام الجاري، أصر أوزبورن على أنَّ الصحيفتين ما زالتا تحتفظان بالاستقلالية التحريرية، وقال: “الأيام التي كانت فيها الصحف البريطانية مملوكة لبريطانيين يعيشون في بريطانيا قد ولَّت منذ 50 عاماً. وأصبح الواقع الآن أنَّ ملكية الصحف صارت متنوعة للغاية في هذا البلد”.

ومن جانبه، رفض جونسون الإجابة على أسئلة من صحيفة The Guardian حول ما إذا كان قد تخلَّى عن اصطحاب فريقه الأمني لحضور حفلاتٍ أقيمت في فيلا ليبيديف في إيطاليا في وقتٍ سابق من الصيف الجاري. 

وها هي السياسة التحريرية للنسخة العربية تتغير.. لا تنتقدوا السعودية

وبموجب الصفقة، أطلقت مؤسسة Independent سلسلةً من المواقع الإلكترونية بلغات غير الإنجليزية تستهدف جماهير الشرق الأوسط. وهذه المواقع التي تحمل علامة Independent التجارية يعمل فيها موظفون من المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، وتخضع لإدارتها، وهي المجموعة نفسها التي موَّلت منظمة بلير لاحقاً. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ بعض الصحفيين الذين يصنعون المحتوى في هذه المواقع يقيمون في العاصمة السعودية الرياض، التي تحتل واحداً من أدنى المراكز في تصنيف حرية الصحافة في العالم، حسب الصحيفة البريطانية.

ومع أنَّ المواقع التي تحمل علامة Independent التجارية وتصدر بلغاتٍ غير الإنجليزية تأخذ بعض المقالات من مواقع الصحيفة الرئيسية باللغة الإنجليزية، فإنَّ موظفي الصحيفة المقيمين في لندن لاحظوا أنَّ المقالات التي تنتقد المملكة العربية السعودية لا تُترجَم في أغلب الأحيان. 

ومن جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم ليبيديف إنَّهم على درايةٍ بمخاوف بعض موظفي الصحيفة في المملكة المتحدة، لكنَّه أكَّد أنَّ هذه المواقع الخارجية تعد “ملكياتٍ مُرخَّصة” ولا  تخضع مباشرةً لصلاحياتهم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top