بالمقايضة والقرصنة.. كيف يحصل الموساد على المعدات الطبية لمواجهة كورونا

صعّد جهاز المخابرات الإسرائيلية “الموساد”-بصفته مسؤولاً عن المهامّ العابرة للحدود- من عملياته “السرية”، لجلب المعدات الطبية اللازمة لإسرائيل تحت عنوان “التمكين من مواجهة جائحة كورونا”.. لا سيما العملية الأخيرة لجلب دواء “Avigan” من اليابان، لاستخدامه في اختبارات لعلاج مرضى كورونا بإسرائيل.

اللافت أن “الموساد” حاول أن يُسوّق خبر “جلب الدواء” من اليابان في الإعلام العبري بطريقة دعائية؛ لإضفاء “شرعية” على مجمل ممارساته التي تتجاوز القوانين والأخلاقيات الدولية في خضم هذه الجائحة التي تلمّ بالعالم.

ولكن.. ما دامت العملية الشرائية لهذا العلاج “قانونية”، لماذا اتسمت بـ”السرية”؟

يجيب مصدر مطلع داخل أراضي 48، على سؤال “عربي بوست”، بالقول إنها عملية سرية، لأن “الموساد” لا يكشف عن طريقته وأساليبه في جلب الدواء سالف الذكر وكذلك المستلزمات الطبية الأخرى من أنحاء العالم، علاوة على ابقائها سرية؛ لضمان وصولها إلى مطار “بن غوريون” الإسرائيلي دون تعرُّضها لعمليات قرصنة من أجهزة مخابرات منافسة في العالم.

وفق المصدر، فإن “الموساد” تمكن من إحداث اختراق أمني للمعامل البيولوجية في اليابان كما دول عالمية أخرى؛ ومن ثم تتبع مسار نقل “حمولة” هذه المستلزمات الطبية من دول مُصدّرة إلى أخرى مستوردة، فيمتلك “المعلومة” عن كل ذلك؛ ومن ثم يبدأ أساليبه “القذرة والسوداء” التي تجمع بين القرصنة وتخريب الصفقات القانونية، ومروراً بالمُقايضة وتوظيف العلاقات الخارجية واستمالة جهات وشركات وشخصيات نافذة؛ من أجل الاستحواذ على الكميات المطلوبة لصالح إسرائيل. ويصف الباحث الإسرائيلي مردخاي كيدار، في حديث للإذاعة العبرية، التسابق الحاصل بين أجهزة المخابرات العالمية على المعدات الطبية المُلحّة من جراء كورونا، بـ”حرب قبيحة، لكنها ضرورية”.

ماذا تعني “القرصنة” وكيف تتم؟ 

وأفاد مختص مطَّلع بالشؤون العسكرية في إسرائيل لـ”عرب بوست”، بأن “الموساد” كثف جهوده لاعتراض وقرصنة كثير من شحنات الأدوية والمستلزمات الطبية وهي في طريقها من أوروبا الغربية والشرقية والصين واليابان، بحيث تكون في طريقها من الدولة المصدرة إلى نظيرتها المستوردة. 

ويقوم الموساد، بدوره بتقصي أثر ومسار الطائرة المحملة بالشحنة الطبية (أجهزة تنفس اصطناعي، وشرائح فحص كورونا، ومواد كيماوية لازمة للفحص، وأدوية، إضافة إلى مستلزمات وقائية مثل الكمامات والألبسة).

وعند لحظة هبوط الطائرة في مطار “مُحايد” لغرض الشحن قبل إكمال مسيرتها نحو الدولة المقصودة، يقوم عناصر “الموساد” باعتراضها عند مدرجات المطار، وعقد مقايضات مع الجهة المصدّرة؛ ومن ثم تحويل مسارها إلى تل أبيب.

الواقع، حتى وإن دفع الموساد مبالغ أكبر، لقاء هذه الشحنة، فإن هذه طريقة غير أخلاقية وتتجاوز الاتفاقيات الدولية، فالشحنة متفق عليها بين الدولة المصدرة وكذلك المستوردة.. إذن، لا يجوز نسف الاتفاقية والاستيلاء على الشحنة، مهما دفعت تل أبيب من سعر مادي أعلى. 

شعار الموساد “قم بالقتال بطرق الاحتيال”… ويبدو أن هذا الشعار بمثابة نهج لدى “الأجهزة الاستخباراتية”.

تفيد مصادر لـ”عربي بوست” بأن قيام السلطات التركية مؤخراً باعتراض طائرة قادمة من الصين بعدما هبطت في مطار إسطنبول الدولي للتزود بالوقود، يعود إلى أن الجهات الأمنية التركية كانت تريد التأكد من الوضعية القانونية لشحنة المستلزمات الطبية المتمثلة بـ162 جهاز تنفس اصطناعي، وأنه لم تتم قرصنتها من أي جهة كانت، لا سيما إسرائيل.. وعندما تأكدت أنقرة من سلامة الشحنة وقانونيتها تم السماح لها بإكمال سيرها نحو إسبانيا وهي الوجهة الأساسية.

“الموساد” هو الآخر تلقى ضربة بـ”القرصنة”!

ووفق ما كشفه مصدر يقيم في أراضي 48، لـ”عربي بوست“، فقد تمكنت أجهزة استخبارات إقليمية وعالمية من قرصنة شحنات طبية، بينها أجهزة تنفس اصطناعي، بعدما اشترتها إسرائيل من شركات دولية، حيث تم اعتراض الطائرة التي تقل الحمولة عند مدرجات مطارات أوروبية وحتى في الهند وسنغافورة وإفريقيا وأيضاً في منطقة الشرق الأوسط.. هذه الوقائع، زادت من الطابع السري لعمليات الموساد الشرائية؛ خشية رصد مسار الشحنة والاستيلاء عليها من قِبل أي دولة كانت.

بيدَ أن التساؤل المُلحّ هو: ما دام هناك كثير من المعدات الطبية تستطيع إسرائيل شراءها من أمريكا وألمانيا، فلماذا تلجأ إلى القرصنة؟

يضيف المصدر أن ثمة شركتين عملاقتين في أمريكا وألمانيا قد رفضتا تزويد إسرائيل بحاجتها من هذه المعدات حتى شهر من الآن، وذلك في ظل الطلب المتزايد عليها من قِبل مواطني الدولتين، اللتين تشهدان أعداداً كبيرة من الإصابات والوفيات من جراء كورونا، وهو ما اضطر الموساد إلى اللجوء لعمليات غير قانونية لجلب كميات كبيرة، لأنها لم تعد قادرة على شراء المستلزمات بطرق قانونية.

ما هي أساليب “الموساد”؟

لا تقتصر مهمات “الموساد” على الجانب الأمني العملياتي فحسب؛ بل يؤدي أدواراً في استمالة قيادات ودول، بالمشاركة أو بالطلب منها أن تشارك كوسطاء وكعوامل مساعدة في إنضاج صفقات تقود إلى شراء معدات ومستلزمات طبية بطرق غير قانونية لصالح إسرائيل.

عن طريق أقسام تتقصى معلومات دقيقة وتحليلها بطريقة تساعد على رصد الدول التي تمتلك كميات كبيرة من هذه المعدات ووجهتها؛ ومن ثم الاستيلاء عليها حينما تحين الفرصة، وتقايض جهات منتِجة أو مصدِّرة؛ على أمل الوصول إلى تسوية شرائية معينة تنتهي باستيلاء إسرائيل عليها.

تجاوز الخطوط الحمراء..

يقول جاسم محمد، وهو خبير استراتيجي، لـ”عربي بوست”، إن أجهزة الاستخبارات تقوم خلال الكوارث والأوبئة بتعديل عملها، فتدخل على خط “الدواء والعلاج”، ويتطرق محمد إلى أساليب الموساد في هذا الإطار، حيث يشير إلى أن الجهاز ينشط بحيث يكون قريباً من المصادر المصنِّعة للتجهيزات الطبية، في سبيل تحويل مسار الصفقات إلى تل أبيب.

ويتابع محمد أن “الموساد يتقصى تفاصيل النتائج بالمعامل البيولوجية.. ويستغل حالة الفوضى والتراخي على مستوى الإنترنت والأمن العالمي”، ويقوم بعقد صفقات من قلب المطارات وتحويل الشحنات الطبية إلى إسرائيل.

ويؤكد أن “القرصنة والسرقة” ليستا بالضرورة عدم دفع ثمن الشحنات، وإنما تغيير مسار الصفقة وبمعيار غير أخلاقي.

 الموساد يتولى المهمة.. كمنقذ سياسي لحكومة نتنياهو

تولِّي “الموساد” مهمة جلب المعدات الطبية إلى إسرائيل أثار ضجة وانتقاداً شديدين لحكومة بنيامين نتنياهو التي لم تستجب لكامل التحذيرات والتقارير منذ عشر سنوات، من أن القطاع الصحي في إسرائيل غير جاهز للتعامل مع أوبئة وكوارث، كما يؤكد محلل الشؤون الإسرائيلية محمد مصالحة لـ”عربي بوست“.

ويؤكد “مصالحة” أن تقرير لجنة كورونا بالكنيست والذي حظي بإجماع حول القصور الشديد في علاج كورونا بإسرائيل، قد أدى إلى بلبلة كرّست تولي الموساد مهمة تجنيد مشتريات طبية وقرصنتها من العالم لمعالجة كورونا.

لا شك في أن جائحة كورونا وما أنتجت من حرب دولية “قبيحة” للوصول أولاً إلى المعدات الطبية، قد خلقت سباقاً بيولوجياً وطبياً جديداً تدخل أجهزة الأمن والاستخبارات إلى عمقه باعتباره “صلب الأمن القومي”.. فربما سنسمع كثيراً في المستقبل عن تعبير “سباق التسلّح الصحي”، على غرار التسابق النووي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top