أسقط البرلمان التونسي، الثلاثاء 9 يونيو/ حزيران، مشروع لائحة (بيان سياسي باسم المجلس) تتعلّق بمطالبة الدولة الفرنسيّة بالاعتذار للشعب التونسي عن جرائمها في حقبة الاستعمار المباشر وبعدها، وذلك في وقت يشهد فيه برلمان البلاد انقساماً بين كتله، ومطالب من المعارضة بحله مع الحكومة.
جلسة برلمانية طويلة: جاءت النتيجة النهائية للمشروع المقترح خلال جلسة عامة انطلقت صباح الثلاثاء وتواصلت إلى ساعة مبكرة من فجر الأربعاء، وامتدت لأكثر من 16 ساعة من النقاشات حول اللائحة.
شهدت عملية التصويت، موافقة 77 نائبا على اللائحة، فيما تحفّظ 46 نائبا بأصواتهم، واعتراض 5 (128 نائبا شاركوا في عملية التصويت من أصل 217)، ويتطلّب تمرير اللائحة حصولها على الأغلبية المطلقة من الأصوات أي 109 صوتا بحسب المادة 141 من القانون الداخلي للبرلمان.
تقدّمت بهذه اللائحة كتلة ائتلاف الكرامة (19 مقعدا) التي صوتت لصالح اللائحة، كما صوت لها نواب من حركة النهضة (54 مقعدا)، وبعض نواب التيار الديمقراطي (22 مقعدا) وحركة الشعب (14 مقعدا) وقلب تونس (29 مقعدا) ومستقلين، فيما تحفّظت كتلة الحزب الدستوري الحر (16 مقعدا) وكتلة تحيا تونس (14 مقعدا).
مطالب بالتعويض للتونسيين: في تقديمه لمشروع اللائحة، قال رئيس كتلة ائتلاف الكرامة، سيف الدين مخلوف، إنها “تهدف إلى استصدار موقف من مجلس النواب بغاية مطالبة الدولة الفرنسيّة بالاعتذار الرسمي والعلني للشعب التونسي عن جرائمها في حقبة الاحتلال (1881- 1956) وبعدها”.
تتضمن اللائحة “مطالبة الدولة الفرنسية بإعلان اعتذارها الرسمي والعلني عن كل الجرائم التي ارتكبتها في حق الشعب التونسي زمن الاحتلال المباشر وبعده، من جرائم قتل واغتيال وتعذيب واغتصاب ونفي وتهجير قسري ونهب للثروات الطبيعية والأملاك الخاصة ودعم صريح للاستبداد وللدكتاتورية”.
كما تنص اللائحة على أن “يطالب البرلمان فرنسا بأن تبادر بتعويض تونس وكل المتضررين من الجرائم المذكورة وكل الذين انجر لهم الحق قانونا، تعويضا عادلا مجزيا طبق ما تقتضي القوانين والأعراف الدولية، بما من شأنه أن يساهم في مسح الآلام والأحزان والمآسي التي تسبب فيها الاحتلال البغيض”.
جاء في نصّ اللائحة أيضا “أن تضع فرنسا على ذمة الدولة التونسية والباحثين وعموم الناس كامل الأرشيف الرسمي المتعلق بتلك الحقبة السوداء، حتى تعي الأجيال الجديدة مساوئ الاستعمار وحتى لا تتكرر مآسيه”.
إضافة إلى ذلك، تؤكد اللائحة أن “هذا الاعتذار النبيل سيكون مناسبة لطي صفحة الماضي الاستعماري الأسود ويؤسس لعلاقات أكثر متانة ووثوقا بين الشعبين التونسي والفرنسي”.
وتمثل “فرنسا” وهي الطرف المعني بمضمون اللائحة، أول شريك اقتصادي لتونس من حيث عدد المنشآت الفرنسية المستقرة في البلاد والبالغ عددها 1300 منشأة وتؤمن ما يزيد عن 127 ألف وظيفة.
كانت تونس قد خضعت للاحتلال الفرنسي لمدّة 75 عاما بداية من 12 مايو/ أيار 1881، ونالت استقلالها في 20 مارس/ آذار 1956.
انقسام بالبرلمان: يأتي فشل تمرير اللائحة في وقت يشهد فيه برلمان تونس الذي يترأسه راشد الغنوشي انقساماً حاداً، وسطت حملات تدعو إلى حل البرلمان وإسقاط الحكومة، والتي وصفها الغنوشي في وقت سابق بـ”غير دستورية”.
جاءت تصريحات الغنوشي الثلاثاء 26 مايو/أيار 2020 خلال مقابلة مع “الجزيرة”، في وقت يقود فيه معارضون جهوداً لتغيير النظام السياسي في تونس، عبر إطلاق حملة “اعتصام الرحيل 2″، والتي تدعو للاعتصام عند مجلس النواب بهدف إبعاد الغنوشي عن منصبه.