قال تقرير نشرته صحيفة The Guardian البريطانية، السبت 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، إن الكثيرين في تونس استقبلوا نبأ فوز حمدان دالي، البالغ من العمر 81 عاماً، بحملته التي استمرَّت طيلة عقدين من الزمن لمحو كلمة “عتيق” من اسمه، بما هو أكثر من الدهشة والذهول، لكن بالنسبة لدالي كانت كلمة “عتيق” بمثابة تذكيرٍ مؤلمٍ بتراث عائلته، الذين كانوا مُستعبَدين في العصور الماضية.
التقرير قال إنه ليس لدى حمدان دالي، الذي يعيش بجزيرة جربة التونسية، هاتف للتواصل معه، لكن محاميته حنان بن حسانة، من مدينة صفاقس، كانت واضحةً حين قالت: “عليك أن تفكِّر فيما يمكن أن يجعل رجلاً يبلغ زهاء الـ80 عاماً يُصِرُّ على متابعة قضيته رغم كلِّ المصاعب، بما في ذلك تفشي الفيروس”. وأضافت: “فكِّر فقط في ذلك، وسوف تدرك أيَّ تاريخٍ ذلك الذي يحمله على عاتقه طيلة جزءٍ كبيرٍ من حياته”.
إلغاء العبودية في تونس: كانت تونس أول دولة عربية تلغي العبودية وتحظرها عام 1846، أي قبل إلغائها في الولايات المتحدة بـ19 عاماً. ومع ذلك، رغم اعتماد المرسوم الأوَّلي سريعاً في الشمال الحضري من البلاد، مرَّ بعض الوقت قبل إلغاء العبودية بالكامل، مع إعلانٍ آخر صدر في العام 1890. ووفقاً لمسحٍ قامت به شبكة Afrobarometer، أفاد التونسيون السود بالكثير من أوجه التمييز ضدهم، وأهمها البطالة، التي يعاني منها 42% منهم، مقارنةً بـ25% على الصعيد الوطني.
أما الآن فيشكِّل السود من 10 إلى 15% من سكَّان تونس، وانحدر الكثير منهم من العبيد، وما ليس حوله الكثير من الجدل هو الافتقار النسبي للتونسيين السود في السياسة والإعلام.
في حين قُدِّرَ العدد الدقيق للعبيد في تونس، من أصل إفريقي أو أوروبي، في الستينيات من القرن الماضي على أنه كان منخفضاً إلى حدود الـ7 آلاف عبد في العام 1861، في حين أن الحسابات الأحدث جاءت أقرب إلى 167 ألفاً.
رغم إلغاء هذه الممارسة منذ أكثر من قرن فإنه لا يزال إرثها قائماً. ففي المدينة القديمة في تونس العاصمة لا يزال سوق العبيد قائماً، رغم أن المحال فيه تبيع الذهب والفضة وليس البشر.
مستوطنات العبيد السود: أما في الجنوب التونسي، فتقع قرية القصبة، منقسمةً على نهرٍ يفصل مستوطنات أحفاد العبيد السود عن جيرانهم البيض. وعلى صعيد اللغة يزدهر تراث العبودية بألقابٍ مثل عبد وشوشان، وتُعَدُّ ألقاباً شائعة.
كذلك ففي باردو، إحدى ضواحي تونس، تسترخي سعدية مصباح في المقر المؤقَّت لجمعية “منامتي” لمناهضة العنصرية. حيث تقول: “يتحدَّث الجميع عن مسارات نقل الرقيق عبر المحيط الأطلسي، لكن ما مِن أحدٍ يتحدَّث حقاً عن مسارات نقل الرقيق عبر الصحراء الكبرى، من مناطق مثل بوركينافاسو ومالي والنيجر وغامبيا”. وتضيف: “لماذا لا نتحدَّث عن هؤلاء؟ لأن العرب والمسلمين هم من استُعبِدوا بالأساس، ما يجعل الناس غير مُتحمِّسين للحديث عنهم”.
أما بالنسبة لمصباح، فيُعَدُّ الافتقار إلى التعليم المقترن بعدم الرغبة في معالجة التواطؤ في تجارة الرقيق من بين دوافع العنصرية. وتقول إن التونسيين لا يعرفون هذا حقاً، حيث لا تُدرَّس هذه الأمور في المدارس، فهي ليست في كتب التاريخ.
كذلك قالت: “إذا عرف المزيد من الناس عن الأمر فقد يحدُّ ذلك من العنصرية، ويقلِّل من الألم الذي يشعر به الناس. على سبيل المثال، بمجرد أن يعرف شخصٌ ما تاريخ السود والعبيد فسوف يفهم أنهم جُلِبوا إلى هنا ليكونوا جزءاً من القوة العاملة، إلى أن طردتهم الآلات في النهاية من هذه العملية”.
فيما قال التقرير إنه في العام 2018، مرَّرَت تونس قانوناً بارزاً، يجرِّم في الأساس التمييز العنصري، الذي كان محورياً في سعي حمدان للتخلُّص من لقبه غير المرغوب فيه، لكن الافتقار إلى التمويل -وهي قضيةٌ مُزمِنة في السياسة التونسية- حدَّ من أيِّ حملةٍ لرفع الوعي بالقانون، وتَرَكَ هذه المهمة لمجموعاتٍ مثل “منامتي”.