ساهمت الحرب التي يشنها الجنرال خليفة حفتر على الليبيين في تفاقم تمزق النسيج الاجتماعي في ليبيا، ومضاعفة تحديات الأسر التي أصبحت تعيش تفرقة إنسانية بسبب تهجير وفرار المدنيين من مدنهم الأصلية إلى مدن أخرى.
تمزق النسيج الاجتماعي في ليبيا خلق أيضاً انقساماً في المواقف السياسية بين المواطنين بسبب تحركات الجنرال حفتر، فتطور الأمر إلى مواجهات داخل الأسر وبين الجيران تحولت في أغلب الأوقات إلى فواجع إنسانية.
تمزق النسيج الاجتماعي في ليبيا
الحرب التي يُقيمها الجنرال حفتر في ليبيا أثرت على العلاقات بين الأفراد في الأسر، فتحول نمط المشاكل بين الأزواج من المشاكل العادية إلى مشاكل سياسية، إذ تباينت المواقف تجاه قضايا البلاد، وانقسم الأفراد من مؤيد لحفتر وميليشياته ومعارض لحرب يقودها الجنرال المتقاعد ضد استقرار ليبيا.
حمزة (اسم مستعار) وهو شاب ليبي ثلاثيني، متزوج وأب لطفلين تحدث لـ”عربي بوست” عن مأساته مع سياسة حفتر في بنغازي، بعدما اضطر إلى تطليق زوجته وفقدان أبنائه بسبب تباين الموقف من عملية الكرامة التي شنها حفتر في مدينة بنغازي.
يقول حمزة في حديثه مع الموقع إن مشاكله الأسرية بدأت بعدما أعلنت قوات الكرامة عبر شاشة إحدى الفضائيات المحلية الليبية الموالية لحفتر قائمة المعارضين المطلوبين، فكان اسمي بينهم، الأمر الذي دفع أصهاري إلى مطالبتي بتسليم نفسي، بالرغم من أنني لم أشارك في أية عمليات عسكرية، كل ما في الأمر أنني أنشط عبر صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
يقول حمزة منذ “إعلان رفضي تسليم نفسي لقوات الكرامة، قامت مجموعة مسلحة تابعة لقوات حفتر باقتحام منزلي بعد خروجي منه باتجاه مدينة مصراتة، ومنذ ذلك اليوم بدأت الخلافات بيني وبين زوجتي، خصوصاً عند مقتل شقيقها بإحدى المعارك ببنغازي في أكتوبر 2014”.
وأضاف المتحدث أنه “منذ مقتل شقيق زوجتي صارت الأمور في مكان إقامتي ليست على ما يرام، فتفاقمت المشاكل وسط البيت على أتفه الأسباب، فصارت زوجتي مُتتبعة وفية للأخبار المضللة التي تنشرها قنوات الكرامة، كما أنها جاهرت بدعمها للحرب التي يشنها حفتر في بنغازي، ما سبب لي الكثير من المشاكل مع بعض العائلات المتضررة من حفتر وميليشياته”.
وتابع المتحدث أن الأمر ازداد سوءاً لدرجة نعتته فيها زوجته مرة بالإرهابي، قائلاً: “اتهمتني زوجتي بأنني أمنعها من صلة رحمها، لأنها لم تحضر مراسم دفن أخيها، بعدها تحولت حياتي إلى جحيم معها، فقررت في فبراير/شباط 2015 إرسالها لبنغازي لزيارة عائلتها لمدة شهر، لأفاجأ باتصال من أحد أقاربها، الذي طلب مني تطليقها بالمعروف بدل رفع قضية خلع”.
وأشار المتحدث إلى أنه حاول التواصل مع زوجته خلال تلك الفترة لكن دون جدوى، فاضطر لرفع قضية طلاق، ومنذ ذلك الحين لم ير أبناءه الذين زادت أعمارهم 5 سنوات منذ تركوه.
فواجع إنسانية
في مدن ليبيا كما في القرى، ما زالت العلاقات بين الجيران تتميز بالقوة وتُعبر عنها كثرة الزيارات والمناسبات، وخاصة إذا طالت مدة الجيرة فإنها تتحول إلى علاقات شبه أسرية، لكن الانقسام السياسي والحرب غيرا كل شيء، فتحولت المحبة إلى عداوة يجاهر بها الجميع.
منى صويد محامية ليبية واحدة من ضحايا الحرب الاجتماعية التي يقودها الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في مدينة بنغازي، والتي عاشت تجربة سيئة رفقة أسرتها بعد خسارة العلاقة المترابطة مع الجيران الذين تسببوا لهم في فاجعة.
تقول منى صويد في حديثها مع “عربي بوست” “جيراننا الذين عاشرناهم لأكثر من خمسين عاماً بالمنطقة التي نسكنها كانوا سبباً في الهجوم على بيتنا وقتل إخوتي الثلاثة وأبي والتنكيل بجثثهم، كل هذا بسبب التفرقة السياسية التي خُلقت في المنطقة”.
وعن تفاصيل الفاجعة تقول المتحدثة إنه “في منتصف ليلة 15 أكتوبر/تشرين الأول 2014 استيقظت أنا وعائلتي على صوت ضجيج وإطلاق رصاص أمام منزلنا الكائن بمنطقة بوهديمة ببنغازي، بعدها حُوصر منزلنا، وبدأت عملية تبادل إطلاق النار بين إخوتي الذين حاولوا حمايتنا والمسلحين”.
تضيف المتحدثة أنه خلال هذا الهجوم حاولت الهروب من المنزل بالأطفال والنساء وجثة أخيها الذي تُوفي في اللحظات الأولى من المواجهة، فتمت الوشاية بها من طرف أحد جيرانها الذي طاردها طيلة الطريق، وتسببوا في وفاة أشقائها الثلاثة ووالدها.
يقول المحلل السياسي عمر التهامي إن “الحرب والانقسام السياسي في ليبيا استنزفا كثيراً من رأس المال الاجتماعي الليبي، وكانا سبباً في انتشار سلوك اجتماعي هجين لم يعهده المجتمع الليبي خلال العصور الماضية”.
وأضاف التهامي في حديثه مع “عربي بوست” أن “حل القضية الاجتماعية الليبية سيكون بمحاربة الخطاب الجهوي والشخصنة في المواضيع العامة، وخطاب اللون الواحد، والسماح بتعدد ألوان الخطاب، إضافة إلى الإعلام ودوره الأساسي في ضرب النسيج الاجتماعي”.