بعصا خشبية رأسها مدبب، انهال مستوطن محسوب على شبيبة التلال بالضرب على مواطنة فلسطينية في تجمع راس التين البدوي شرقي محافظة رام الله إلى الشرق من الضفة الغربية المحتلة، لتقع أرضاً قبل أن يحاول إلقاء صخرة كبيرة عليها، لولا تدخل أحد أبنائها الذين واجهوا في ذات اللحظة أكثر من 15 مستوطناً هاجموا خيمة العائلة في التجمع.
الأم التي حاولت الدفاع عن أبنائها الثلاثة أثناء هجوم المستوطنين اصيبت بكسر في الجمجمة أدى الى نزيف على الدماغ، إضافة الى كسور في يديها، لتنقل إلى المشفى بحالة حرجة، وتمكث في العناية المكثفة عدة أيام، في حين اعتقلت الشرطة الإسرائيلية اثنين من أبنائها وزوجها.
كان هذا الهجوم مجرد حلقة في سلسلة الهجمات الإرهابية التي يقودها تنظيم شبيبة التلال الإرهابي ضد التجمعات البدوية على طول الشريط الشرقي للضفة الغربية، بدعم علني من الجيش الإسرائيلي، الذي شاركت قواته في قمع العائلة أثناء محاولتها مقاومة المستوطنين.
وعلى أثر هذه الهجمات المستمرة، أجبرت تجمعات بدوية كاملة على الرحيل من مناطق سكنها التاريخية، كان آخرها تجمع راس التين، في مشاهد تعيد للأذهان النكبة التي عاشها الفلسطينيون عام 1948، عندما هُجروا من قراهم ومدنهم.العائلات البدوية هُجرت قسرا وتركت خلفها آثار البيوت بعدما كانت جزءاً من هوية المكان
شبيبة التلال
خلال العقدين الأخيرين نشطت في الضفة جماعة من المستوطنين المتطرفين أطلقت على نفسها اسم “شبيبة التلال”، واتخذت طريقة حياة تشبه إلى حد كبير نمط حياة السكان الأصليين من البدو الفلسطينيين، وإقامة بؤر استيطانية مكونة من خيم وغرف مبنية من الصفيح على معظم تلال وجبال الضفة.
الجماعة التي تتحرك بتعليمات توراتية ودينية من حاخامات متطرفين، ركزت هجماتها على امتداد طريق “الون” الاستيطاني، الذي يشق الحزام الشرقي للضفة من الشمال حتى الجنوب، وعلى الحواف الشرقية لمحافظة رام الله في منطقة طريق المعرجات، الذي يعتبر أحد المنافذ البرية الرئيسية للفلسطينيين تجاه المعبر الحدودي مع الأردن.
بؤرة لمستوطنين من جماعة “شبيبة التلال” أو “فتية التلال” تشكل نقطة انطلاق لشن هجمات على الفلسطينيين
وأدت الهجمات الإرهابية، التي أخذت أشكالاً عدة، ما بين اعتداءات دامية على المواطنين البدو وخيامهم، وسرقة مواشيهم ورعي مزروعاتهم بأبقار وأغنام يقتنيها هؤلاء المستوطنون، والسيطرة على آبار المياه، أدت إلى حالة ضيق وانعدام أمان في الحياة البدوية والزراعية الفلسطينية، وبالتالي رحيل تجمعات كاملة إلى مناطق آمنة.
كانت العائلات البدوية تزرع مساحات من آلاف الدونمات بالشعير والقمح منذ نحو 5 عقود، لكن تلك المساحات وقعت في نهاية المطاف تحت سيطرة المستوطنين خلال الأعوام القليلة الأخيرة.
ويقول منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة في حديث لـ”عربي بوست”، إن ما يجري هو عملية منسقة بين الاحتلال كمؤسسة عسكرية والمستوطنين عبر زرع بؤر رعوية يتم توفير آلاف الأبقار والأغنام لها في مناطق مهمة وحساسة ورعوية للفلسطينيين.
“قرابة 25 بؤرة استيطانية بُنيت خلال العام الأخير”
ودفعت هذه العملية الممنهجة إلى جانب عمليات الهدم التي تنفذها سلطات الاحتلال بتناقص مستمر في الثروة الحيوانية الفلسطينية بسبب استهداف التجمعات البدوية وتضييق المساحات الرعوية عليها.
عملية هدم ومصادرة ممتلكات عائلة بدوية بمنطقة المعرجات شرق الضفة الغربية – عربي بوست
ويقول جمعة إن الثروة الحيوانية لا يوجد مستقبل لها، “هذا قضاء على جزء مهم من الثقافة والتنوع في فلسطين، القضاء على هذه الهوية من الإرث الفلسطيني لا يمكن تشبيهه إلا بما حصل مع الشعوب الأصلية التي تعرضت للاضطهاد في أنحاء مختلفة من العالم”.
يبدو الصراع غير مألوف، عدا عن عملية التضييق ومحاولة تبديد الهوية البدوية في جبال الضفة وأراضيها الزراعية، يجري خلق نمط حياة مشابه تماماً للنمط البدوي، لكن للمستوطنين الرعاة بدلاً من السكان الأصليين من البدو الفلسطينيين.
ويهدف هذا النوع من الاستيطان إلى خلق مخزون احتياطي لعملية التوسع الاستيطاني في أراضي الضفة، وفقاً لخبراء.
يظهر في المشهد نوعان من الاستيطان، الاستيطان عبر بناء المستوطنات الحديثة والاستيطان الرعوي الذي يستنسخ شكل حياة البدو الفلسطينيين
يقول خبير الاستيطان عبد الهادي حنتش لـ”عربي بوست” إن منظمات إرهابية إسرائيلية مثل “شبيبة التلال”، أنشئت في عهد رئيس حكومة الاحتلال الأسبق أرئيل شارون وأطلق لها العنان لتحتل مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، خاصة قمم الجبال في محافظة الخليل والأغوار.
ويضيف أن الاحتلال يسعى لخلق احتياط استيطاني في المساحات بين البؤر والمستوطنات لتفتيت التواصل السكاني الفلسطيني.
ووفقاً لإحصائيات رسمية فلسطينية صادر الاحتلال خلال العامين الأخيرين نحو 32 ألف دونم وأعلنها محميات طبيعية في المناطق المسماة “ج”، وهي المناطق التاريخية للوجود البدوي الفلسطيني.
وتقول منظمة “بتسيلم” الحقوقية، وهي منظمة تضم يهوداً يرفعون شعار إنهاء الاحتلال، ويعملون على توثيق انتهاكاته اليومية ضد الفلسطينيين، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي نهبت بعد عام 1967 أكثر من مليوني دونم من أراضي الضفة، وبضمنها مراعٍ وأراضٍ زراعيّة، وسخّرتها لأغراض إقامة وتوسيع مستوطنات – إضافة إلى مساحات عمرانيّة وأراضٍ زراعيّة ومناطق صناعيّة.
بقايا خيمة سكنية بدوية هدمها الاحتلال في صيف 2020 بمنطقة المعرجات – عربي بوست
ومثلت مناطق الوجود البدوي الذي يتسم بالانتشار على مساحات واسعة من الأراضي الجبلية في المناطق الشفا غورية والأغوار وسرق القدس وجنوب الخليل، الهدف الأبرز لسياسة التوسع الاستيطاني والسيطرة على الأرض خلال العامين الأخيرين.
ويقول مدير البحث الميداني في منظمة بتسيلم كريم جبران، إن ظاهرة البؤر الاستيطانية الرعوية برزت وانتشرت بشكل كبير جداً خلال السنوات الأخيرة، في منطقة الأغوار وجنوب الخليل والهدف منها بشكل واضح، عدا عن السيطرة على الأرض هو حصر الوجود الفلسطيني، وتحديداً الوجود الرعوي من خلال تسييج الأراضي ومنع المواطنين من دخولها والتضييق على الرعاة وحصر تنقلهم وحركتهم في منطقة محدودة.
ويضيف لـ”عربي بوست”: هناك استهداف للثروة الحيوانية والرعاة الفلسطينيين في جميع المناطق، ويتم عرض مناطق بديلة على البدو، لا تلبي أدنى حاجاتهم بالحفاظ على نمط حياتهم وثروتهم الحيوانية.
طفل بدوي فلسطيني ينظر لحطام خيام عائلته بعد هدمها من قبل سلطات الاحتلال – عربي بوست
ويشير جبران إلى تقلص في الثروة الحيوانية الفلسطينية، مضيفاً أن من صمد في منطقته ولم يترك نمط الحياة البدوية، فإنه تخلى عن جزء كبير من مواشيه، “وثقنا حالات كان لديهم 400 رأس غنم لكن نتيجة تقلص المساحة الرعوية اليوم لا تتعدى ثروتهم عشرات الأغنام”.
مستوطنون من جماعة “فتية التلال” التي تقود الاستيطان الرعوي بعد سرقتهم بركسا لمواطن بدوي- زوايا
يقول جبران إن من تم تجميعهم من البدو في تجمعات في منطقة أبو ديس شرق القدس وقرب مستوطنة “معاليه ادوميم”، تم القضاء على نمط حياتهم وضرب نسيجهم الاجتماعي.. الآن هم عمال.
ويضيف: هذه الصورة تنوي سلطات الاحتلال تطبيقها في كل التجمعات البدوية، مقابل ذلك يتم تربية المواشي من قبل المستوطنين، وتزويد بؤرهم بكل ما يلزم للثبات وتنفيذ الاعتداءات على الفلسطينيين.