نيويورك تايمز: الانسحاب الأميركي من سوريا خيانة للأكراد وهدية لـ«داعش».. لكن هناك حل

اعتبرت صحيفة The New York Times الانسحاب الأميركي من الشمال السوري خيانة للأكراد، وهدية لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في الوقت نفسه.

وقالت الصحيفة الأميركية إن اليوم الذي أمر فيه الرئيس ترامب بانسحاب القوات الأميركية من سوريا، زعم تنظيم “الدولة الإسلامية” أنَّه فجَّر قنبلة في الرقة، العاصمة السابقة للتنظيم؛ ما أدى إلى مقتل مقاتل كردي.

وكان ذلك هجوماً صغيراً وفردياً، لكنَّ تباهي تنظيم داعش به كان تاكيداً يدعو للحذر من المخاطر التي يمثِّلها الانسحاب الأميركي، وإشارةً إلى أنَّ التنظيم يتطلَّع قدماً إلى استغلال تغيُّر الواقع في سوريا.

وبحسب الصحيفة، ينظر محلِّلون إلى انسحاب الولايات المتحدة، المُعلَن عنه يوم الأربعاء 19 ديسمبر/كانون الأول 2018، باعتباره تخلياً منها عن حلفائها الرئيسين في سوريا، قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد، وهديةً تُقدَّم على طبقٍ من ذهب لتنظيم داعش، الذي لا يزال يسيطر على أرضٍ في جنوب شرقي سوريا، ويُعتَقد أنَّه لا يزال يملك آلاف المقاتلين هُناك واستمرَّ في شن هجماتٍ.

وترى الصحيفة أن هذا القرار يُتوقَّع أن يعطي الضوء الأخضر لتركيا لكي تمضي قدماً في تنفيذ تهديدها بغزو شمال شرقي سوريا، وهي خطوةٌ يُرجَّح أن تتسبب في سحب القوات الكردية من القتال ضد تنظيم داعش يجنوب شرقي سوريا.

“خيانة تاريخية للأكراد”

سواء كان بإمكان تنظيم داعش أن ينهض من جديد أو لا، بعد أن طُرِد من معظم الأراضي التي استولى عليها في العراق وسوريا، فإن الأقلية الكردية هي مَن تجد نفسها في الوقت الراهن عالقة بالمنتصف.

امتنع القادة الأكراد بين صفوف قوات سوريا الديمقراطية عن إبداء أي رد فعلٍ فوري على الانسحاب المُعلَن، في حين قال العديد منهم إنَّهم بانتظار معرفة التفاصيل.

لكن آلان حسن، صحافي كردي مقيمٌ بمدينة القامشلي السورية، قال إنَّ الأكراد كانوا ببساطةٍ مصعوقين.

وقال في رسالةٍ بريد إلكتروني: “نحن مصدومون، الجوُّ العام هنا سلبيٌّ للغاية”.

ومن جهتهم، كان المحلِّلون أقل تحفظاً في ردودهم.

إذ قالت أسلي أيدنتسباس، زميلة أقدم بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إنَّ الولايات المتحدة “على حافة خيانةٍ تاريخية أخرى في حق الأكراد”، من شأنها أن تؤدي إلى معركةٍ مطوَّلة داخل سوريا بين الأكراد والأتراك، الذين يعتبرون الأكراد تهديداً لحكومتهم.

وقال جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية، إنَّ القرار الأميركي قد يكون بمثابة “كارثة” بالنسبة للقوات الكردية. وأضاف أنَّه من دون الدعم الأميركي “قد يُترَك” الأكراد “للتأرجح في مهب الريح”.

عندما وصلت قوات العمليات الخاصة الأميركية، الذين يبلغ عددهم الآن نحو 2000، إلى سوريا، لقتال تنظيم داعش عام 2016، وحَّد الأميركيون قواتهم مع الميليشيات التي يقودها الأكراد، قوات سوريا الديمقراطية.

وبحسب الصحيفة الأميركية، أثبت الأكراد أنَّهم أكثر حلفاء أميركا فاعلية في المعركة بسوريا. وفي عامٍ واحد، وبالاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية بسوريا وعلى المقاتلين العراقيين الأكراد في العراق، تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من طرد داعش من أكثر من 99% من الأراضي التي خضعت لسيطرة التنظيم قبلاً في كلتا الدولتين.

لكن منذ أن تولَّى دونالد ترامب الرئاسة عام 2017 ووعد بالانسحاب من سوريا، كان السؤال عمَّا سيحدث للأكراد، الذين قاتلوا وقُتِلوا في الحملة الأميركية، يحوم عبر الأثير.

“جيش الإرهاب”

وفي يناير/كانون الثاني 2018، تقدَّم المسؤولون الأميركيون باقتراح تشكيل قوةٍ حدودية قوامها 3 آلاف مقاتل تدعمها أميركا، وبقيادة الأكراد، في شمال شرقي سوريا تبقى في الأراضي السورية عامين على الأقل، تكون تكون معنية بحماية حلفاء الولايات المتحدة من الأكراد.

اعترض الأتراك جهراً وبشدة، على وجود ما وصفته بـ “جيش الإرهاب” على حدودها، وجرى العدول عن الخطة في هدوء. وقوات سوريا الديمقراطية فرعٌ من ميليشيا كردية تُعرَف باسم وحدات حماية الشعب، التي بدورها حليفة لجماعةٍ كردية تركية انفصالية، هي حزب العمال الكردستاني، وتعدُّهما تركيا واحداً.

وبعد أيامٍ من إجهاض الخطة، اجتاحت تركيا منطقةً كردية في شمال شرقي سوريا. ووضع القتال الناشِب حليفاً أميركياً في مواجهة آخر. وفي أغلب الوقت، وقفت الولايات المتحدة لا تحرِّك ساكناً وهي تشاهد المقاتلين الأكراد يتركون قِتال تنظيم داعش جنوباً، قاصدين الدفاع عن إخوتهم في الشمال.

والآن، يُنتظَر تكرار هذا السيناريو، لكن على نطاقٍ أوسع.

ويوم الجمعة 14 ديسمبر/كانون الأول 2018، هدَّد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بشنِّ غارةٍ أخرى على شمال شرقي سوريا، تستهدف القوات الكردية في منطقةٍ تدعمها فيها الولايات المتحدة. وأرسل أردوغان وحداتٍ من جنود الصاعقة إلى الحدود التركية – السورية، مثيراً احتمال نشوب مواجهةٍ بينهم وبين القوات الأميركية، كما تقول الصحيفة الأميركية.

وبينما قالت تركيا إنَّها لن تتوغل إلا إلى مسافة 10 أميال (16 كيلومتراً) في الأراضي السورية، فمعظم الأقلية الكردية الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية تعيش في قطاعٍ ضيق على مقربة من الحدود التركية، في مدن مثل القامشلي وكوباني.

الهدف التركي واضح

وفي ذلك اليوم، تحدث أردوغان هاتفياً مع الرئيس ترامب، وقال البيت الأبيض إنَّ الرئيسين “اتفقا على استمرار التنسيق، لتحقيق أهدافنا الأمنية المشتركة في سوريا”.

من جهته، فإنَّ هدف أردوغان في سوريا واضح.

وقال سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “هدفه الرئيس هو سحق وحدات حماية الشعب”.

وأضاف جاغابتاي أنَّ التحكُّم في جزءٍ من الأراضي السورية سيمنح أردوغان كذلك ورقة مفاوضة يستخدمها حين يجري التفاوض على تسوية نهائية لإنهاء الحرب بسوريا.

وقال: “تريد تركيا مقعداً على طاولة محادثات السلام. لا يمكنك مناقشة مستقبل سوريا دون أن يكون لك نفوذ على 3 إلى 4 ملايين سوري داخل سوريا”.

وبحسب الصحيفة الأميركية، بافتراض أنَّ الولايات المتحدة ستنسحب من سوريا بقرارٍ أحادي الجانب دون التفاوض على اتفاقٍ من نوعٍ ما، فإنَّها بذلك تكون قد تخلَّت عن أي نفوذ، ربما امتلكته، في عملية صُنع القرار بشأن تسوية السلام النهائية.

وبالنسبة للأكراد، فالحليف المحتمل الوحيد المتبقي هو دمشق. وقد كان الأكراد بالفعل يتفاوضون مع الحكومة السورية، إذ عرضوا دعم الحكومة في مقابل الحصول على شكلٍ من الحكم المستقل بمناطقهم.

يرى السوريون الأكرادَ بمثابة رادع محتمل في وجه القوَّة التركية على امتداد الحدود السورية. توجد كذلك حقول نفطٍ مهمة في المناطق التي طُرِدَ منها تنظيم داعش، وتسيطر عليها الآن قوات سوريا الديمقراطية.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top