أين أطفالي؟ ترقُّب حزين في مشرحة عراقية بعد حادث العبارة المميت

وقف بعض الرجال صامتين خارج المشرحة السبت 23 مارس/آذار 2019، وقد بدت على وجوههم دلائل الإرهاق والألم فيما ينتظرون اقتراب سيارة الإسعاف بصوتها المميز لتعلن عن قدوم ضحية أخرى من ضحايا حادث العبارة في نهر دجلة المؤلم الذي وقع الأسبوع الماضي.

وقال أحدهم، محمد ذنون (23 عاماً)، وهو يمسك هاتفه وقد واجهت شاشته التي ظهرت عليها صور ابنيّ شقيقته أعين الناظرين: “إنني أبحث عن هذين الصبيين”.

وقال ذنون كما لو كان يقدمه لزائر: “هذا عمران ماجد”، ويظهر في الصورة صبي نحيف بعينين زرقاوين وشعر داكن. وقال وهو يعرض صورة لطفل جاد المظهر: “وهذا عبدالله ماجد”، وهما يبلغان من العمر 6 و11 عاماً.

بعد حادثة الغرق، كانوا ينتظرون كلمة عن أحبابهم

https://twitter.com/zaidbenjamin/status/1108819638526201856?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1108819638526201856&ref_url=https%3A%2F%2Farabicpost.net%2Fwp-admin%2Fpost.php%3Fpost%3D408768%26action%3Dedit

وكان ذنون والآخرون ينتظرون كلمة عن أحبائهم الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً بعد انقلاب عبارة تحمل أشخاصاً يتنقلون بين ضفة نهر الموصل وجزيرة صغيرة في وسط نهر دجلة يوم الخميس 21 مارس/آذار، وألقت ركابها في الماء ثم غاصت في النهر.

وعُثر على جثث 97 شخصاً بحلول يوم السبت، لكن مدير المشرحة، الدكتور حسن وفيق، قال إن 60 شخصاً أو أكثر ما زالوا على الأرجح في عداد المفقودين. وفي حين أن الأمل في العثور على أي منهم على قيد الحياة ضعيف جداً، فإن عائلاتهم تريد على الأقل تشييعهم في جنازات تليق بهم.

وكان للحادث وقع الصاعقة على عائلة ذنون. وعُثِرَ على جثماني عمران وشقيق عبدالله، ويُدعى مصطفى الذي يبلغ الرابعة من عمره، الجمعة، 22 مارس/آذار، في حين نُقِلَ جثمان شقيقة ذنون، البالغة من العمر 24 عاماً، إلى المشرحة، يوم الخميس، عقب حادثة الغرق.

ضحايا حادث العبارة في نهر دجلة… فأطفالهم كانوا منهم

[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/03/2019-03-22T065557Z_1110295370_RC113BA9BF90_RTRMADP_3_IRAQ-FERRY.jpg” caption=’رجال يغادرون المشرحة بعد أخذ جثة قريبهم، ضحية عبارة غرقت في نهر دجلة في الموصل ، العراق في 22 مارس 2019. (رويترز)’]

واحتشد الناس على ظهر العبارة الصغيرة -التي كانت عبارة عن قارب مُسيّج بأسلاك حديدية متهالكة ومظلة مهلهلة للاحتماء من الشمس- لإجراء الرحلة القصيرة من إحدى ضفتي نهر دجلة إلى الجزيرة، حيث توجد ساحة للنزهات وحديقة ترفيهية صغيرة. وفي ذلك اليوم، الخميس، كان الجَمْعُ المُبتَهِج يحتفل بيوم النيروز، وهو عيد رأس السنة الفارسية والكردية.  

ومع ارتفاع منسوب مياه النهر، والحمولة الكبيرة، غمرت المياه العبارة، التي تحركها أسلاك معدنية تربطها من ضفة النهر إلى الجزيرة. ومع وصولها لوسط النهر، انكسر أحد هذه الأسلاك، ومال القارب فبدأ الركاب بالانزلاق بهذا الاتجاه؛ مما أحدث ثقلاً على هذه الناحية من القارب ودفعه بالتالي إلى الانقلاب.

استمر البحث يوماً كاملاً.. وهنا كانت الصدمة

واستمر عمال الإنقاذ في العثور على جثامين الضحايا حتى ليل الجمعة، التي وُجد بعضها على بعد نحو 40 كيلومتراً من مصب النهر، إلى حيث حملهم التيار السريع. وبالرغم من انتشال ما يقرب من 40 شخصاً أو أكثر، لا يزال الكثير في عداد المفقودين.

وأشعلت الحادثة المروعة احتجاجاً غاضباً في الموصل، يوم الجمعة، وخاصة بين الشباب من أهالي المدينة الذين لم يلقوا باللوم في الحادث على مالكي القارب فحسب، بل أدانوا الحكومة أيضاً لسماحها للقارب بالعمل، وتحديداً محافظ نينوى نوفل حمادي.

وبعد يوم من الحادث، واستمرار تزايد حصيلة الضحايا، طلب رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي من البرلمان أن يعفي حمادي من منصبه.

ففي خطاب للبرلمان، الذي يتمتع بصلاحية إقالة حمادي، اتهمه رئيس الوزراء بـ “الإهمال والقصور في تأدية مهامه ومسؤولياته”. من جانبه، لم يدلِ حمادي بأي تعليق علني.

ولا يبدو أنَّ هذا الحل أرضى إلا القليل من العراقيين

وقبالة النهر، حيث وقع الحادث، أغلقت المقاهي والمطاعم، التي عادةً تكتظ بالناس، أبوابها السبت، 23 مارس/آذار. وجاء الكثيرون من أهالي الموصل لنعي الضحايا، حتى من لم يفقد منهم أحد ذويه في الحادث.

وبالرغم من أنَّ سرادقات العزاء تُقام عادةً لعائلات وأصدقاء وجيران الفقيد لتقديم التعازي للثكلى، أقامت بعض المنظمات المحلية سرادقات لأهالي الموصل الذين تحملوا الكثير، بدايةً من احتلال تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” المدينة لمدة 4 سنوات وحتى هذه الحادثة المفجعة.

من جانبه، قال طارق محمد علي، وهو مُعلِّم اصطحب منذ شهرين طلابه إلى هذه الجزيرة في رحلة مدرسية، إنه كان يشعر بالقلق من النظام المُستخدَم لسحب القوارب عبر النهر، وعدد الأشخاص الذين يُسمح لهم بالصعود إلى متنها.

وأضاف أنَّ الأسلاك المعدنية التي تربط القوارب من النهر للجزيرة كانت “مهترئة وصدئة”، وكان القارب “يهتز”، مشيراً إلى أنَّ أكثر من 200 شخص اكتظوا على متن العبارة ذلك اليوم.

وتابع: “حسناً، وقعت الحادثة بالفعل، لكن المشكلة تكمن هنا في أنه لم تكن لديهم معدات لإنقاذ الناس. لم يكن لديهم سوى قاربين، ودون أي احتياطات أمنية، ولا حارس أمن، ولا سترات نجاة”.

فيما علَّق آخرون وأرجعوا سبب المشكلة إلى الفساد والإهمال

[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/03/2019-03-21T154622Z_767044864_RC1A2FF26600_RTRMADP_3_IRAQ-FERRY.jpg” caption=’منظر عام للمشهد حيث غرقت عبارة محمّلة بأعباء زائدة في نهر دجلة بالقرب من الموصل في العراق ، 21 آذار / مارس. REUTERS’]

فمن جانبه، قال عمار عبد الكريم، 28 عاماً: “علينا أن نقر أنها جريمة. والسبب هو الفساد: فهم لم يمنحوا تصريح تشغيل القارب للشخص المناسب. أهالي الموصل يُتَاجَر بهم من أجل المال. وإلا لماذا قد تسمح بصعود كل هذا العدد إلى القارب؟”.

وقال العديد من الأشخاص إنَّ سعر تذكرة الرحلة من وإلى الجزيرة تبلغ 80 سنتاً، ومع وجود نحو 200 شخص على متن القارب، يمكن أن يصل ربح الرحلة الواحدة إلى 160 دولاراً.  

وأُغلِق مرفأ القوارب يوم السبت، وأعادت الحكومة رسمياً تسمية الجزيرة إلى “جزيرة الشهداء”؛ تكريماً لمن قضوا نحبهم.

ومع حلول المساء، وتطاير الغبار مع هطول الأمطار، بدأ الشعور باليأس يسري بين الواقفين والجالسين خارج المشرحة، المترقبين وصول جثامين ذويهم، سواء ابن، أو شقيقة، أو شقيق، أو ابن عم.        

فيما قال عزيز كريم، 60 عاماً، الذي كان يأمل الوصول لابنه ماجد البالغ من العمر 20 عاماً: “هذا خطأ المحافظ والمجلس المحلي”.

وأضاف، وهو يحبس دموعه من أن تسيل على وجهه المتغضن المتعب: “لم يأتِ أي أحد اليوم للتحدث إلينا، لا المحافظ ولا عضو من المجلس المحلي، لم يأتِ أحد ليسأل: إلامَ تحتاجون؟ كيف يمكننا مساعدتكم؟”.

وحين سُئِل عن عمله، تردد كريم، ثم أجاب وهو يشيح وجهه بعيداً: “أنا أب لولد مفقود”.

         

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top