الأطباء في مواجهة الحكومة.. تقليص المكافآت ونقص الرعاية يهددان تماسك “جيش مصر الأبيض” أمام كورونا

في الوقت الذي يحمل فيه الأطباء أرواحهم على أيديهم لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19″، ووقف انتشاره في أغلب دول العالم، يواجه بعض الأطباء في مصر مصاعب تثبط هِممهم، سواء في التعامل الشعبي معهم، أو من الجهات الحكومية المعنية بالتعامل معهم، مما يهدد تماسك “جيش مصر الأبيض” في ذروة المعركة.

برز مشهد جنازة طبيبة شبرا البهو بالدقهلية، التي توفيت إثر إصابتها بكورونا حين رفض أهل قريتها دفنها خوفاً من نقل الفيروس إليهم، وأثارت الواقعة حالة من الغضب، واستنكاراً لسلوك أهالي القرية. 

ورغم مبادرة رئيس الوزراء المصري د. مصطفى مدبولي للاعتذار لزوج الطبيبة الراحلة، في اتصال هاتفي معه، فإن المشهد ترك أثره في نفوس الأطباء.

يقول أحمد عزت، استشاري باطنة، لـ “عربي بوست”: “مع كل الاحترام لموقف الدولة، لكن ما فعله بعض البسطاء يمثل بالنسبة لنا الطريقة التي يفكر بها بعض الناس في مصر في الأطباء”. 

يستشهد  عزت بواقعتي مكافأة أطباء العزل وتعديلات تكليف الأطباء، وكذلك تعنتت وزارة الصحة في موقفها من أطباء دفعة تكليف مارس/آذار ٢٠٢٠، بينما نحن لا نزال في ذروة تفشي الفيروس، فكيف تتخيل ما سيكون عليه الحال في التعامل مع الأطباء بعد انتهاء الأزمة؟!

الصحة تتراجع عن وعدها بمكافآت الفرق الطبية

تقلصت المكافأة التي وُعد الأطباء بها بشكل كبير، ووصلت لربع المبلغ المعلن عنه، إذ كانت وزارة الصحة قد أعلنت في منشورات داخلية وزعت على المستشفيات التابعة لها، في بداية تفشي الفيروس في مصر، عن طلب أطباء متخصصين في أمراض الصدر والباطنة وكذلك في رعاية الحالات الحرجة للتطوع للعمل في مستشفى النجيلة للعزل بمحافظة مرسى مطروح الساحلية لمدة أسبوعين، وقيل للأطباء وقتها إن كل متطوع منهم سيحصل على مكافأة تبلغ 20 ألف جنيه مصري (حوالي 1200 دولار) نظير تطوعه لأداء تلك المهمة.

وبعد انتشار الفيروس الذي يهاجم أجساد الأطباء “كان آخرهم نائب مدير مستشفى النجيلة الذي أعلن اليوم 22 أبريل/نيسان إصابته بكورونا”، وقرار وزارة الصحة بتخصيص تسعة مستشفيات أخرى للعزل في محافظات مختلفة، تكرر طلب التطوع مجدداً، فيما يصفه الأطباء بأنه الموجة الثانية من التطوع، لكنهم اكتشفوا وأعضاء هيئة تمريض في مستشفيات العزل أن الوزارة تراجعت عن وعدها فيما يخص المكافآت.

وحينما تساءلوا عن السبب، قيل لهم بحسب ما قاله د. طارق بيكا، وهو طبيب رعاية، إنها تعليمات من جهات عليا، دون أن يكلف السادة الموظفون بالوزارة أنفسهم أن يوضحوا للأطباء المستاءين من هي تلك الجهات العليا التي أمرت بخصم ثلاثة أرباع المكافأة.

اعتراض الجهات العليا على زيادة مستحقات الفرق الطبية ليس بجديد، فقد سبق وقامت هيئة قضايا الدولة بالطعن في 14 يناير/كانون الثاني 2016 على الحكم الصادر لنقابة الأطباء بزيادة بدل العدوى لأعضاء اتحاد المهن الطبية من 19 جنيهاً إلى ألف جنيه، وتم قبول طعن الحكومة وإلغاء الحكم المشار إليه في أغسطس/آب 2018.

ويضيف د. بيكا لـ “عربي بوست” أن هناك معلومات لديه من الوزارة بأن المكافأة انخفضت لتصبح 350 جنيهاً في اليوم لمخالطي المرضى من الأطباء والتمريض وعمال النظافة، و175 لغير المخالطين مثل الصيادلة وفنيي الأشعة والمعامل، وبذلك يتقاضى عضو الفريق 4900 جنيه في 14 يوم عمل، ومكافأة غير المخالطين للمرضى 2450 جنيهاً عن نفس الفترة. وهو ما يمثل ربع المبلغ المتفق عليه.

هذه الإجراءات التي تغلفها عبارات من نوع “حال البلد ما يستحملش” و”الواجب المقدس” يرى أطباء أنها تسيء إلى الجهود الواضحة التي تبذلها الحكومة المصرية لمواجهة جائحة كورونا.

يخوضون حرباً.. 

ويفسر بيكا التضحيات التي تحدث عنها فيقول: “أغلب الأطباء العاملين في وزارة الصحة لديهم عمل إضافي في مستشفيات خاصة، ومعنى أن يتطوع لمهمة تستغرق 14 يوماً ثم يعود ليبقى في العزل 14 يوماً أخرى فإنه يضحي بعمله الخاص، لأن أي شخص عالم بتفاصيل الأوضاع في المستشفيات يعرف جيداً أنه لا توجد إدارة لأي مستشفى تقبل بغياب طبيب صدر أو رعاية كل هذه المدة، حتى لو طلب إجازة بدون راتب، لأن هذه التخصصات مطلوبة بشدة في الوقت الحالي، وبالتالي أي مستشفى سيطلب من الطبيب (وهذا ما حدث معي شخصياً) توفير بديل أو ستقوم بالاستغناء عن خدماته وتعيين طبيب بديل له، وقد كنت محظوظاً بأن وجدت صديقاً لي من الأطباء قَبِل أن يكون محلّي طوال مدة غيابي”.

ويستطرد في إيضاح وجهة نظره بانفعال واضح في صوته “حتى لو كان الطبيب يملك عيادته الخاصة، فغيابه عنها لمدة أسبوعين سيثير التساؤلات، وبالتالي قد يحجم المرضى عن الذهاب إليه بعد عودته خوفاً من العدوى، وقد حدث هذا مع زملاء لي أعرفهم جيداً، وهم الآن أغلقوا عياداتهم لأجل غير مسمى، فهل يستحق هؤلاء بعد كل هذه المعاناة أن يتعرضوا للخديعة، وغالباً ليس من الحكومة وإنما من موظفين لا يملكون أي إحساس بالمسؤولية، فهناك أحاديث تم تناقلها أن المستحقات تم سرقتها ولا أحد يؤكد لنا أو ينفي”.

كانت نقابة الأطباء قد تقدمت بمذكرة إلى مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لاستئناف صرف مستحقات الأطباء العاملين في مستشفيات العزل التي تضم مرضى كورونا، بعد ورود شكاوى إليها تتلخص فى امتناع الجهات المختصة عن صرفها بعدما تم صرفها بالفعل على دفعات لأول دفعة من أطباء العزل عملت في مستشفى النجيلة.

لكن موقف النقابة من المشكلة والمذكرة التي أرسلتها لم تُرض قطاعاً كبيراً من الأطباء الذين اعتبروا تصرف النقابة تهاوناً في حقوقهم، وقال د. محمود مصطفى على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، منتقداً موقف الجهات المسؤولة في الدولة وتراجعها عن اتفاقها مع الأطباء، وذكر أن المبلغ المخفض لم يصرف لجميع الأطباء المتطوعين بالتساوي.

أذن من طين وأخرى من عجين!

حسب مصادر في وزارة الصحة صرحت لـ “عربي بوست”، فإن الوزارة تستعد لإجراء بعض التعديلات في طلب الموجة الثالثة من الأطباء المتطوعين للعمل في مستشفيات العزل، وذلك بتحويل الأمر من عمل تطوعي اختياري يحق للطبيب قبوله أو رفضه، إلى تكليف إجباري.

إذ تنوي إرسال تكليفات للمستشفيات التابعة لها بترشيح عدد من الأطباء في التخصصات المطلوبة للعمل في مستشفيات العزل، وبعد أن يرسل المستشفى الترشيحات، لا يكون أمام الطبيب سوى القبول أو إقناع بديل له من نفس التخصص بقبول المهمة، أو التعرض لجزاءات صارمة أو ربما يضطر للاستقالة من عمله كحل أخير.

لم يتدربوا على أدوات الوقاية 

بُعدٌ آخر في أزمة الأطباء يكشف عنه د. سامح شاهين عضو من فريق الطب الوقائي بمحافظة بورسعيد، وهو أن هناك أطباء لم يأخذوا وقتاً كافياً للتدريب على استخدام أدوات الوقاية والتعامل مع المشتبه بهم من أجل منع العدوى.

ويشير إلى أن هيئة الرعاية الصحية أصدرت قراراً إدارياً رقم ١ لسنة 2020، يفرض على أطباء العزل تقسيم فريق العمل إلى مجموعتين أو ثلاث يعملون بالتناوب، بحيث تعمل مجموعة لمدة 10 أو 15 يوماً متتالية عمل متواصل دون انقطاع وعلى مدار الساعة، على أن تلتزم المجموعة الثانية بالعزل الذاتي دون مخالطة أي عنصر بشري خلال هذه الفترة، ثم يتم التبادل بينهما وهكذا.

عزل عن الحياة العامة.. 

يستلزم هذا النظام انقطاع عضو الفريق الطبي عن الحياة العامة وعن أسرته طوال فترة غير معروف أمدها لحين انتهاء الجائحة، فضلاً عن عدم توفير أماكن لهم لقضاء فترة الـ١٤ يوماً في الحجر الذاتي، فكيف سيقضي احتياجاته أثناء فترة عزله إن كان يعيش بمفرده، وما المقابل المالي الذي سيحصل عليه ليعول أسرته حال انقطاعه عن جميع سبل التكسب الأخرى؟!

الطبيب يستكمل حديثه: “زوجتي تظل طوال الليل تبكي خوفاً من أن يصيبني الفيروس”، مضيفاً بروح الدعابة: “طبعاً هي لا تبكي حباً في شخصي، وإنما لأنها تعرف أنه في حالة وفاتي لن تجد في الحكومة من ينظر في وجهها فما بالك باحتياجات الأسرة وتعليم الأولاد في مدارس دولية!”.

انزعج الطبيب وأصدقاؤه من بند بالقرار “من يثبت إصابته بالعدوى أثناء فترة العزل الذاتي يتم منحه إجازة إجبارية لمدة أسبوعين، ثم يتم اتخاذ الإجراءات التأديبية نحوه لتأثير ذلك على سير العمل!” وتساءل متهكماً كيف يتم إثبات أن الإصابة لم تحدث خلال فترة العمل السابقة وأنه كان في فترة الحضانة؟ فقد اشتكى بعض الأطباء والعاملين بمستشفيات العزل من عدم تسليمهم نتيجة التحاليل الخاصة بهم بعد انتهاء فترة الحجر الصحي للمرضى، والاكتفاء بإبلاغهم شفهياً مما يشكك في إجراء التحاليل لهم، وكيف يتم إثبات أن العدوى حدثت بسبب مخالفة قواعد العزل الذاتي من عدمه، فالفيروس ينتشر سريعاً وبشكل مخيف حتى مع اتخاذ إجراءات الوقاية.

لكنّ مسؤولاً بوزارة الصحة دافع عن القرار، مشيراً إلى أنه حماية لهم، فمنظمة الصحة العالمية قالت إن تنقل أعضاء الأطقم الطبية بين أكثر من مكان عمل سبب أساسي لانتشار العدوى بين أفراد الأطقم الطبية، وأوصت بتقليل الانتقالات لمنع انتقال الفيروس بين المنشآت الطبية ومن ثم للمرضى بداخلها، ما يؤدي إلى غلق المستشفيات لحين تطهيرها، وهو ما يمثل تعطيل تقديم الخدمات الطبية في ظل تلك المرحلة الحرجة.

وكشف أن الإجراءات التأديبية تتمثل في إجراء تحقيق في حالة خرق قواعد العزل الذاتي والعمل بأية منشآت خاصة وقت العزل المنزلي، وفي حال عدم ثبوت الإصابة رسمياً نتيجة خرق قواعد العزل الذاتي يحفظ التحقيق ولا يتم توقيع أي جزاء تأديبي.

نقص حاد في المواد الطبية..

لكن لم يرد المسؤول عن سؤال:  هل تتخذ إجراءات تأديبية لمن يشتكي نقص المستلزمات الطبية؟ فهناك أطباء كثر في مصر يشكون “نقص” الكمامات أو المطهرات، حيث تلخص “عبير هشام” استشاري طب الحالات الحرجة، معاناة أخرى بقولها: “هل يمكن للجندي أن يحارب بدون سلاح؟”. 

وتشير: “طالبنا المسؤولين في بداية الأزمة بأن نعلن في حالة وجود أي نقص في الإمكانيات لكي يوفروها لنا، لكننا فوجئنا بتحويل زميل لنا بمستشفى ديرب نجم المركزي بمحافظة الشرقية للتحقيق وإخلاء طرفه وإعادة توزيعه لمستشفى أخرى حسب الاحتياج بعد نشره فيديو على “فيسبوك” يشكو خلاله من وجود نقص شديد في المستلزمات الطبية اللازمة للتعامل  مع حالات الاشتباه بفيروس كورونا”.

والتزم المسؤول الصمت عندما عرضنا عليه تصريح رشوان شعبان، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، بأن ما حدث مع طبيب الشرقية “غير قانوني” و”غير عقلاني” على الإطلاق، مشيراً إلى أن “شكوى الطبيب من نقص المستلزمات (صحيحة)، والنقابة تتلقى شكاوى كثيرة من مستشفيات لا تتوفر فيها أدوات الوقاية والأطباء يتعرضون للعدوى كل يوم، خاصة في مستشفيات الصدر والحميات”.

هل الظروف الراهنة مناسبة لـ”ليّ الذراع وفرض الشروط وتعنت المسؤولين”؟ 

لم تتوقف الأزمات عند الأطباء المتواجدين في ساحة معركة كورونا فقد اندلعت مؤخراً أزمة بين الأطباء الشبان هذه المرة، وبين وزارة الصحة، بعدما قررت الوزارة دون الرجوع لنقابة الأطباء تعديل نظام تكليف الأطباء حديثي التخرج، وهو التعديل الذي يرفضه الشباب ويرون فيه نوعاً من التعسف غير المقبول من الوزارة، التي تصر بدورها على التعديل، مما خلق موقفاً غريباً يمارس فيه الطرفان سياسة “لي الذراع” حتى يستسلم أحدهما أولاً، والرابح الوحيد هو الفيروس الذي ينتهز الفرصة لحصد المزيد من الضحايا.

ويقضي نظام التكليف بتوزيع الأطباء حديثي التخرج على المستشفيات والوحدات الصحية بالمدن والقرى في مصر، على أن يستمر التكليف لمدة عامين، ويكون بمثابة بوابة أي طبيب للتعيين في الحكومة.

ويكون توزيع الأطباء في التكليف حسب نوعين من المعايير، الأول هو الرغبات التي يقدمها كل طبيب متخرج في استمارة توزع عليهم، والثاني حسب مجموع كل طبيب، بمعنى أن الأعلى في التقدير يحصل على فرص أكبر في البقاء في محافظته وفي وحدة صحية أو مركز قريب من سكنه وهكذا.

وبعد نهاية التكليف يكون من حق الطبيب التقدم لوظائف النيابة في المستشفيات العامة والحكومية (نائب في المستشفى) في التخصص الذي يريده، حيث تعلن الوزارة عن التخصصات والمستشفيات التي تتوفر فيها الحاجة لتلك التخصصات، وإذا لم يناسب ذلك الطبيب المكلف، يمكنه البقاء في التكليف لسنوات أخرى.

التعديل الذي أدخلته الوزارة، بحسب ما صرح مصدر مسؤول تمثل في تعديل التكليف إلى نظام الزمالة، بموجب اتفاقات تعاون مع كلية الطب بجامعة “هارفارد” الأمريكية والكلية الملكية البريطانية، ويهدف النظام الجديد وهو يمثل تحولاً إيجابياً بالمناسبة، ويستمر 5 سنوات وليس عامين فقط، إلى توفير فرص تدريب للأطباء حديثي التخرج في التخصصات المختلفة.

وأن يقضي الطبيب فترة زمالته في المستشفيات الكبرى، ليكون بجوار وتحت إشراف كبار الأطباء مما يوفر له فرصة التعلم والتطور بشكل أسرع، ووفقاً للنظام الجديد سيتمتع الطبيب في فترة الزمالة بكل حقوقه الوظيفية.

لكن مشكلة النظام الجديد كما يقول محمد سمير، وهو أحد الأطباء حديثي التخرج، إنه لا يقدم ضمانات لاستيعاب حوالي 9000 طبيب يتخرجون سنوياً، فضلا عن أنه سيتسبب في عجز كبير في حوالي 5300 وحدة صحية، منتشرة في جميع أنحاء ومحافظات مصر، كانت تعتمد على دفعات التكليف بشكل أساسي، ورغم ذلك كانت تعاني من عجز هائل، لأنه بحسب دراسة لوزارة الصحة نفسها يتسرب حوالي 62% من الأطباء الذين يعملون بالوزارة ويملكون رخصة لمزاولة المهنة من نقابة الأطباء، إما للسفر للخارج، أو للاستقالة، أو للحصول على إجازة بدون راتب.

من ناحيتها تضيف إسراء إسماعيل، وهي أيضاً طبيبة حديثة التخرج، أن الأطباء سيملأون رغباتهم في التخصص والمحافظة، على أن تتولى الوزارة توزيعنا، وطبعاً هتمشي بالكوسة زي ما إحنا متعودين”، على حسب تعبيرها. 

ولا تزال الأزمات التي يعاني منها الأطباء تتفاقم، في ظل انتشار الفيروس بشكل أكبر، ويشعرون أنهم يخوضون معركة لا يجدون فيها ما يكفيهم من دعم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top