قالت صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية، في تقرير نشرته الأحد 27 فبراير/شباط 2022، إن روسيا حرّكت في الأسابيع الأخيرة ثلاث ناقلات ضخمة تحمل الغاز الطبيعي إلى نقطة قريبة من كالينينغراد، وهي منطقة تعد بمثابة مسمار جحا الذي ينحصر بين بولندا وليتوانيا، الدولتين العضوين في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
إذ يبدو هذا تحركاً واضحاً للحفاظ على إمدادات الطاقة بهذه المنطقة الصغيرة المسلحة، في حال أدى الصراع مع أوكرانيا إلى قطع تدفقات أنابيب الغاز إلى أوروبا.
دور روسيا في سوق الغاز العالمي
في حين سلط الهجوم الروسي الضوء على الدور البارز الذي تضطلع به روسيا في أسواق الطاقة العالمية. وعلى الرغم من أن الخطوات التي اتخذتها موسكو لإمداد كالينينغراد بالغاز الطبيعي، تُظهر نقاط ضعف موسكو، فإنها تبرز كذلك قدرتها على التأهب للصراع والاستعداد لاستخدام الطاقة لتكون أداةً في ترسانتها الجيوسياسية.
تطوف الناقلتان الروسيتان إنيرجي إنتغرتي (Energy Integrity) وفيليكي نوفغورود (Velikiy Novgorod) في بحر البلطيق، ويتوقع أن تنقلا الغاز إلى كالينينغراد في الأسابيع القادمة، وذلك وفقاً للمحللين وشركات تتبع السفن وكذلك وفقاً لوسيط سفن مستقر في لندن.
فيما تسيطر شركة الغاز الروسية العملاقة “غازبروم” على كلتا الناقلتين، وفقاً لوسيط السفن وبحسب فيليكس بوث، رئيس قسم الغاز الطبيعي المسال بشركة Vortexa المتخصصة في استخبارات الطاقة.

في سياق متصل أرست “غازبروم” سفينة ثالثة تحمل اسم مارشال فاسيليفسكي (Marshal Vasilevskiy)، قبالة سواحل كالينينغراد في أواخر يناير/كانون الثاني 2022 . قال بوث إن إطلاق هذه السفينة صاحبته ضجة من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2019، وتخزن حالياً الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن أنها بمثابة محطة استيراد، فتحول الغاز الطبيعي المسال من الناقلات التي على شاكلة إنتغرتي ونوفغورود، إلى صورة غازية.
في وجود السفن الثلاث، تملك روسيا ما يكفي من الغاز الطبيعي المسال للوفاء باحتياجات كالينينغراد لمدة تتراوح بين 4 و 5 أسابيع، وذلك وفقاً لتقديرات بوث.
تعطيل إمدادات الطاقة لأوروبا
يضيف تمركز سفن الغاز الطبيعي المسال مزيداً من الأدلة التي تشير إلى أن موسكو تهيئ نفسها لتعطيل إمدادات الطاقة إلى أوروبا على نطاق أوسع، وهو ما يقوله المحللون والمسؤولون في ليتوانيا، التي تحد كالينينغراد.
من جانبه قال كيستوتيس ماسيوليس، العضو البرلماني في ليتوانيا والعضو بلجنة الطاقة والتنمية المستدامة في البرلمان الليتواني: “هذه إشارة واضحة على أن روسيا تتأهب”، مضيفاً أنه في حال ردت روسيا على العقوبات الغربية بقطع إمدادات الغاز عن ألمانيا وبقية أوروبا، فإن تدفقات الغاز إلى كالينينغراد سوف تتوقف كذلك.
يُذكر أن الاتحاد السوفييتي كان قد استولى على كالينينغراد من الجيش النازي عام 1945. وظلت هذه المنطقة -وهي موطن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويصل حجمها إلى نحو أربعة أضعاف مدينة مانهاتن- جزءاً من روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

كذلك وبرغم أن كالينينغراد من غير المتوقع لها أن تؤدي دوراً في الهجوم الروسي الحالي، فإنها تملك أهمية استراتيجية كبيرة لموسكو، فهي موطن أسطول البلطيق الخاص بالبحرية الروسية، إضافة إلى ضمها أطقماً أخرى من أفراد الجيش الروسي وكذلك من المعدات العسكرية.
في سياق متصل، يحصل هذا الجيب الخارجي على كل احتياجاته من الغاز تقريباً عبر خط أنابيب مملوك لشركة غازبروم يمر عبر ليتوانيا وبيلاروسيا. ولذا فإن تدفقات الغاز الطبيعي التي تمر عبر هذا الخط يمكن أن تتوقف إذا أوقفت روسيا إمدادات الغاز إلي ليتوانيا. وفي المقابل، قد ترد ليتوانيا على الهجوم الروسي بقطع إمدادات الغاز عن كالينينغراد، وذلك حسبما قال غرشيغورش كوزينسكي، مدير برنامج أوراسيا في المؤسسة الفكرية وارسو إنستيتيوت، مع أنه يعتقد أنها احتمالية بعيدة.
إمدادات بديلة من الغاز
من جانبها قالت فيتا راماناوسكايت، وهي متحدثة باسم وزير الطاقة الليتواني: “نستطيع أن نرى الاستعدادات التي تُتخذ في حال قطع إمدادات الغاز عن ليتوانيا وكالينينغراد عبر خط الغاز القادم من بيلاروسيا”، وذلك في إشارة إلى السفن. وأوضحت أن ليتوانيا، التي تملك محطة غاز طبيعي مسال في مدينة كلايبيدا، سوف تكون لديها إمدادات كاملة من الغاز في حال وقوع هذا السيناريو.
جدير بالذكر أن كلاً من أوروبا والولايات المتحدة قد تحولت أيضاً إلى الغاز الطبيعي هذا العام استعداداً للهجوم الروسي؛ في محاولة أخيرة لتوفير إمدادات الطاقة إلى المنطقة وتقليل الاعتماد على روسيا.
ففي أواخر يناير/كانون الثاني 2022، تمركزت الناقلة “مارشال فاسيليفسكي” بالقرب من كالينينغراد. إذ إن السفينة التي سميت على اسم الضابط الذي أدار الهجوم المضاد في ستالينغراد واستولى على كالينينغراد في الحرب العالمية الثانية، صُممت لتعزيز إمدادات الطاقة إلى هذه المنطقة.

من جانبه فقد سبق أن قال بوتين بإحدى الفعاليات المُقامة في كالينينغراد عام 2019: “يصعب أن نبالغ في تقدير أهمية هذه المحطة بالنسبة لأمن الطاقة في هذه المنطقة”.
لكن السفينة “فاسيليفسكي” كانت تستخدم حتى عام 2022 بوصفها ناقلة للغاز الطبيعي المسال بدلاً من كونها محطة استيراد. وفي أغلب الأوقات، كانت تنقل الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا من شبه جزيرة يامال الواقعة في أقصى شمالي روسيا.
من جانبه قال جاك واتلينج، الزميل الباحث بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن (RUSI)، إن كالينينغراد تستضيف، بجانب أسطول البلطيق، تشكيلات مدافع آلية وتشكيلات جوية تضم مروحيات ومقاتلات جوية وصواريخ مضادة للطائرات والسفن، ودبابات، ومدفعية ذاتية الدفع. وأضاف: “يعني هذا في الأساس أن لديها قاعدة جوية وبحرية وموقع دفاع جوي وسط الناتو، مما يخلق مشكلات كبيرة أمام قدرة الناتو على دعم (منطقة) البلطيق”.