ما هي مشكلة ترامب الوحيدة في اتهام إيران باستهداف ناقلات النفط في خليج عمان؟

قالت صحيفة The New York Times الأمريكية إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متيقن أن إيران هي من تقف وراء الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط في خليج عمان على الرغم من أن مثل هذا الاتهام يعد أمراً غاية في الصعوبة، لكن لا بأس بالنسبة لترامب لأن إدارته اعتادت “الكذب”.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، فالمسؤول عن الانفجارات التي شلت ناقلتي نفط في خليج عمان ليس محل شك على الإطلاق، إذ أعلن الجمعة 14 يونيو/حزيران معتقداً أنَّ ” أحد الألغام لم ينفجر وربما يكون قد احتوى على اسم إيران مكتوباً عليه”.

تحدٍّ هائل لكن ترامب تجاوزه!

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمريكا السخرية من ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/ رويترز

والسؤال هو ما إذا كانت هذه الكتابة واضحة للجميع غيره. بالنسبة لأي رئيس، فإن اتهام دولة أخرى بارتكاب عمل حربي يمثل تحدياً هائلاً لتجنب الشكوك في الداخل والخارج. لكن بالنسبة لرئيس معروف بالأكاذيب وتفجير الأزمات، يبدو اختبار المصداقية أكثر صعوبة، بحسب الصحيفة الأمريكية.

وعلى مدار عامين ونصف العام في منصبه، قدم ترامب العديد من البيانات المضللة أو الخاطئة عن نفسه، وعن أعدائه، وعن سياساته، وعن توجهاته، وعن أسرته، وعن قصته الشخصية، وعن موارده المالية، وعن تفاعلاته مع الموظفين، حتى أنَّ مدير اتصالات السابق في البيت الأبيض قال ذات مرة “إنَّه كاذب”، وخلص الكثير من الأمريكيين منذ فترة طويلة إلى أنَّه لا يمكن الوثوق به.

تقصي صحة ما يقوله ترامب هو وظيفة بدوام كامل في واشنطن، ولا يكون للإيمان بكلام الرئيس بأي حال من الأحوال أهمية حيوية مثلما هو الحال في مسائل الحرب والسلام. تزايد استهزاء الجمهور بالرؤساء والمخابرات بعد غزو جورج دبليو بوش للعراق بناء على اتهامات زائفة بأسلحة الدمار الشامل، وامتد الشك إلى باراك أوباما عندما اتهم سوريا باستخدام الغاز السام ضد شعبها. وبينما يواجه ترامب إيران، فإنَّه يتحمل عبء تاريخهم وتاريخه.

التشكيك في المعلومات الاستخباراتية!

وقال جون ماكلولين، الذي كان نائباً لرئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال حرب العراق: “المشكلة مشكلتان بالنسبة لهم، الأولى هي أنَّ الناس سيشككون دائماً في المعلومات الاستخباراتية ومعهم حق لأنَّها ليست علماً محكماً. لكن المشكلة الأهم بالنسبة لهم هي مصداقيتهم وتناقضاتهم”.

هذه مهمة أكثر صعوبة بالنسبة لترامب، الذي هاجم بنفسه مصداقية وكالات الاستخبارات الأمريكية وحتى رؤساء الاستخبارات الذين عينهم، مما يوحي بأنَّه لا يمكن تصديقهم عندما لا تتوافق استنتاجاتهم مع نظرته إلى العالم.

في مرحلة ما قبل فترة قصيرة من أداء اليمين الدستورية، قارن ترامب بين وكالات الاستخبارات وألمانيا النازية، وظل منذ ذلك الحين يثير شكوكاً حول النتائج التي توصلوا إليها بشأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وهذا العام وبخ رؤساء وكالات استخباراته بسبب تقييماتهم لقضايا مثل إيران، معلناً “أنَّهم مخطئون” و”يجب أن يعودوا إلى المدرسة”. ومؤخراً هذا الأسبوع، انتقد مدير الاستخبارات الأمريكية لاستخدام شقيق رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون كعميل، قائلاً: “لن أترك ذلك يحدث تحت رعايتي”، بحسب الصحيفة الأمريكية.

كل ذلك يمكن أن يثير التساؤلات عندما يندلع توتر دولي، مثل انفجار ناقلتي النفط يوم الخميس 13 يونيو/حزيران، وهو عمل استفزازي أثار القلق حيال أهم طريق شحن بحري في العالم، واحتمال تصعيد الصراع العسكري. وعندما قال ترامب لقناة Fox News الأمريكية يوم الجمعة إنَّ “إيران فعلت ذلك”، كان يطلب من بلاده تصديق كلمته.

“بائع نصاب”!

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بريطانيا / رويترز
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بريطانيا / رويترز

وقالت جين بساكي، مديرة الاتصالات السابقة بالبيت الأبيض وأعلى متحدثة باسم وزارة الخارجية في عهد أوباما: “مصداقية ترامب قوية مثل بائع نصاب، قد ينجح ذلك في بيع علامته التجارية لقاعدته السياسية، لكن في الأوقات العصيبة، يتركه دون مخزون من حسن النية والثقة لدى الجمهور بأنَّ ما يقوله صحيح، حتى في قضية خطيرة مثل تواطؤ إيران في انفجار الناقلتين”.

رفض مسؤولو البيت الأبيض مناقشة مصداقية الرئيس على الملأ يوم الجمعة، لكن مسؤولاً كبيراً في الإدارة طلب عدم الكشف عن هويته قال إنَّ ترامب لا يروج التهديدات لتبرير الحرب. في الواقع، فقد أوضح ترامب منذ صار مرشحاً للرئاسة أنَّه لا يحبذ هذا النوع من التدخل العسكري الذي اتصفت به رئاسة بوش، وحتى أوباما في بعض الأحيان بدرجة أقل.

وهذا حقيقي، ففي مقابلة أُجريَّت عبر الهاتف يوم الجمعة مع قناة Fox News، كان رد ترامب منضبطاً، وتجنب إطلاق أي شكل من أشكال التهديد أو مناقشة العمل العسكري. وحتى حين أنَّه أدان الإيرانيين، فلم يشر علناً إلى إمكانية الانتقام، بل كرر مرة أخرى أنَّه منفتح على إجراء محادثات مع طهران، قائلاً: “أنا مستعد عندما يكونوا مستعدين”، بحسب الصحيفة الأمريكية.

ومع ذلك، كانت علاقة ترامب المتخبطة مع الحقيقة سمة مميزة لرئاسته. فمنذ توليه منصبه إلى 7 يونيو/حزيران، كان مدقق الحقائق في صحيفة The Washington Post الأمريكية قد أحصى للرئيس 10,796 ادعاء كاذباً أو مضللاً.

ترامب مصر على الإنكار

وبحسب الصحيفة الأمريكية، يرفض الرئيس هذا الأمر كثيراً باعتباره “أخباراً زائفة” من الصحفيين “أعداء الشعب”. هذا الأسبوع فقط، أخبر المذيع جورج ستيفانوبولوس من قناة “ABC News” أنَّه من يقول الحقيقة لا المراسلين. وقال ترامب: “أحب الحقيقة”، مضيفاً: “أنت تعرف، أنا بالفعل رجل نزيه للغاية”.

لكن ذلك كان له أثر كبير على مصداقيته عند الجمهور. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته جامعة Quinnipiac الشهر الماضي أنَّ 35% فقط من الأمريكيين يثقون في أنَّ ترامب يقول الحقيقة في القضايا المهمة، مقابل 52% يثقون في وسائل الإعلام أكثر.

وعلى صعيد تفجيرات ناقلات النفط هذا الأسبوع، ترك ترامب الأمر في البداية لوزير الخارجية مايك بومبيو لتوجيه أصابع الاتهام نحو إيران، وأتبعه بعد ذلك بيوم. ولتعزيز الاتهام، نشر الجيش الأمريكي مقطع فيديو، قال ضباط أمريكيون إنَّه يُظهر زورق دورية تابعاً للحرس الثوري الإيراني يتحرك بجانب إحدى السفينتين المنكوبتين بعد عدة ساعات من الانفجار الأول ويزيل لغماً مغناطيسياً لم ينفجر في وضح النهار. هذا اللغم هو ما قال عنه ترامب “اسم إيران مكتوب عليه”.

وقد أنكرت إيران مسؤوليتها، وأشارت إلى أنَّ هذه الحادثة كانت عملية “تحت راية زائفة” نفذتها الولايات المتحدة لتلفيق التهمة لطهران وتبرير العدوان. لكن إيران هناك تعاني من شكوك في مصداقيتها أيضاً، وحتى منتقدو ترامب لم يتسرعوا عموماً في قبول ما قالته طهران.

وقال تريتا بارسي، الباحث بجامعة جورجتاون ومؤسس المجلس القومي الأمريكي-الإيراني: “انظر، ربما إلى حد بعيد فعلها الإيرانيون، لا أعتقد أنَّ بإمكان أي أحد القول إنَّهم أبرياء”.

علاقة ترامب بالحقيقة مشكوك فيها

لكنه أضاف أنَّ “علاقة ترامب بالحقيقة” مشكوك فيها إلى حد كبير، وهذا يدفعنا إلى التراجع وعدم استخلاص النتائج حتى يتوفر المزيد من الأدلة. وتابع بارسي، مؤلف كتاب “Losing an Enemy: Obama, Iran and the Triumph of Diplomacy”: “مع هذا الرئيس، ومع انقسام البلاد بالفعل، قد لا يكون حتى أولئك الذين يدعمونه واثقين تماماً من أنَّ كل ما يقوله صادق”.

حماية ترامب فرقة هوك آي أمريكا بريطانيا دونالد ترامب
ترامب يقوم بزيارة رسمية لبريطانيا/ رويترز

حتى داعمو نهج ترامب المتشدد تجاه إيران يعترفون بالتحدي الذي يواجه مصداقيته. مارك والاس، المدير التنفيذي لمنظمة “متحدون ضد إيران النووية”، والناقد القوي لاتفاق أوباما النووي مع إيران الذي تخلى عنه ترامب مؤخراً، قال إنَّ الحكومة بحاجة إلى الاعتماد على المحترفين المهنيين لديها لإطلاع الجمهور على أنشطة طهران.

وأضاف والاس، الذي كان دبلوماسياً سابقاً في الأمم المتحدة خلال عهد بوش: “الطريق الوحيد لذلك هو وضع عبء الإقناع والتوثق من دقة الحقائق على عاتق أجهزة الجيش والاستخبارات، التي تتمتع على الأقل بحصانة أعلى ضد الأجواء المشحونة سياسياً التي نعيش فيها”، متابعاً: “لقد فوجئت في الواقع بأنَّها غير مسيسة نسبياً حيال إيران”.

بوش هو السبب

يعود كثير من انعدام الثقة إلى غزو بوش للعراق والفشل في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي أكد هو ووكالات الاستخبارات للجمهور وجودها هناك. أقر ماكلولين بالأضرار التي لحقت بمكانة وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات الاستخبارات الأخرى عند الجمهور، بحسب الصحيفة الأمريكية.

لكنه قال إنَّ مجتمع المخابرات أصلح نفسه منذ ذلك الحين: “كان هناك بالفعل جهد هائل لتقييم ذلك الموقف والاستفادة منه”، مضيفاً: “وقد كانت الاستخبارات محقة بشأن أمور سيئة كثيرة منذ ذلك الحين”.

وأضاف ماكلولين: “مشكلة المعلومات الاستخباراتية هي أنَّها مثيرة للنزاعات، وقابلة للجدل دائماً، لكن في مرحلة ما يتعين عليك أن تتوصل إلى استنتاج، وهو (ترامب) كثيراً ما لا يؤمن بالاستنتاج مع الاستخبارات. إذن كيف تصدق ما يقوله؟”.

وأضاف مشيراً إلى اللحظة الحالية: “إنه موقف خطير للغاية على ما أعتقد”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top