منذ اندلاع الثورة في ليبيا مطلع عام 2011، وجدت الصين نفسها في مأزق يدور حول ضرورة الاختيار بين دعم الرئيس الراحل معمر القذافي والحفاظ على الاستثمارات الموقَّعة معه التي وصلت قيمتها 20 مليون دولار، وبين دعم الحكومة الجديدة التي قاربت على هزيمة القذافي والسيطرة على الدولة، لكن بكين وقفت بجوار القذافي.
في 21 مايو/أيار، كشف المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، ما تشاو شيوي، عن موقف حكومته من هجوم اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، على العاصمة طرابلس. وفي بيانٍ له، حثَّ مندوب الصين الأطرافَ الدولية، على احترام سيادة ليبيا ودعا إلى حل سياسي متعدد الأطراف للأزمة الليبية، بحسب تقرير مترجم عن مجلة The Diplomat الأمريكية.
محاولة الإمساك بالعصا من المنتصف
على الرغم من أنَّ دعم الصين للحل السياسي في ليبيا يتماشى بصورة وثيقة مع مواقفها بشأن النزاعات الممتدة الأخرى، مثل الحرب الأهلية في اليمن والحرب في أفغانستان، تختلف سياسة بكين الرسمية بعدم الانحياز في ليبيا بوضوح عن تعاملها مع الحرب الأهلية الليبية عام 2011، بحسب المجلة الأمريكية.
خلال ذلك الصراع، اُتهمت الشركات الصينية بالتفاوض على بيع أسلحة لقوات معمر القذافي، وانتقدت بكين فرض حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمنطقة حظر جوي، والتدخل العسكري الذي تلا ذلك لإطاحة القذافي.
في حين أنَّ موقف الصين المؤيد للقذافي في عام 2011 يمكن تفسيره بأحقيتها لما يبلغ 20 مليار دولار من عقود كانت مبرمة مع ليبيا قبل الحرب، فإنَّ دعمها للوضع الراهن قوَّض في البداية قدرتها على تأسيس علاقات جيدة مع الحكومة التي يقودها المجلس الوطني الانتقالي.
كانت هذه التوترات مصدر قلق للمستثمرين الصينيين، إذ صرَّح المجلس الوطني الانتقالي بأنَّه سيمنح معاملة تفضيلية للبلدان التي عارضت القذافي خلال الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أنَّ الصين يمكن أن تشير إلى امتناعها التصويت على عن قرار الأمم المتحدة رقم 1973، الذي سمح باستخدام القوة في ليبيا، واعترافها بالمجلس الوطني الانتقالي في 12 سبتمبر/أيلول 2011، كدليل على ازدواج موقفها، علَّمت هذه التجربة صُناع السياسة الصينيين مزايا الظهور بمظهر المحايد في ليبيا.
مصالح بكين الخاصة في ليبيا
لا ينبغي مساواة سياسة عدم الانحياز الرسمية للصين في ليبيا بالانفصال التام عن النزاع، لأنَّ بكين لها مصالح خاصة في ضمان سيطرة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة على طرابلس.
ويمكن تفسير تحيُّز الصين لحكومة الوفاق الوطني في ضوء سعيها للحصول على فرص تجارية مع كيانات متحالفة مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج. في مايو/أيار 2018، وقَّعت شركة النفط الحكومية الصينية PetroChina عقداً كبيراً مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط بهدف مساعدة ليبيا على زيادة إنتاجها من النفط.
وعلى الرغم من أنَّ المؤسسة الوطنية للنفط استمرت في علاقة عمل مع حفتر إذ تسيطر قواته على منشآت النفط الحيوية في شرق ليبيا، تؤدي المؤسسة دوراً جوهرياً في تمويل حكومة الوفاق الوطني. ومهَّدت أيضاً صفقات المؤسسة الوطنية للنفط مع الصين الطريق لقرار السراج بالانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق في يوليو/تموز 2018، بحسب المجلة الأمريكية.
الانضمام لمبادرة الحزام والطريق
ومنذ الإعراب عن حرصها على الانضمام لمبادرة الحزام والطريق، تَكثَّف التواصل الدبلوماسي لحكومة الوفاق الوطني مع الصين واتسع نطاقه. في سبتمبر/أيلول 2018، دعا السراج علناً إلى التوسع في حجم الاستثمارات الصينية في ليبيا، وفي مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط 2019، أشاد ممثلو حكومة الوفاق الوطني بليبيا باعتبارها بوابة محتملة للنفوذ الاقتصادي الصيني في وسط أفريقيا. ورداً على هذه التصريحات، أثنى السفير الصيني في ليبيا، لي تشيجو، على حكومة الوفاق الوطني لتحسين الوضع الأمني في طرابلس، وذكر أنَّ الصين لديها خطط للتوسع سريعاً في وجودها الاقتصادي في ليبيا.
تتناقض هذه الروابط الاقتصادية القائمة والمقترحة بين الصين وحكومة الوفاق مع صمت حفتر الواضح بشأن الصين باعتبارها شريكاً اقتصادياً محتملاً. حدث الاستثناء الوحيد لهذا الصمت في أكتوبر/تشرين الأول 2016، عندما ادَّعى رئيس الوزراء في الحكومة الموازية المتحالف مع حفتر، عبدالله الثني، أنَّ تجمع شركات صيني يرغب في توفير رأس المال لبرنامج لإعادة تأهيل البنية التحتية في طبرق بقيمة 36 مليار دولار، إلا أنَّ رفض المسؤولين الصينيين الاعتراف بهذا الاستثمار المرهون قلل من مصداقية مزاعم الثني.
لماذا تغيب الاتصالات بين حفتر والصين؟
ولتفسير غياب الاتصالات الرسمية بين حفتر والصين، قال جلال حرشاوي، الخبير في الشؤون الليبية بمعهد كلينغينديل في لاهاي، لمجلة The Diplomat إنَّ الدبلوماسيين الصينيين مترددون بشأن الاستثمار في طبرق، بسبب نقص العملة الصعبة لدى الجيش الوطني الليبي، وعجز المصرف المركزي التابع لحفتر عن توقيع عقود مع الأطراف الدولية، بحسب المجلة الأمريكية.
من أجل تحسين موقف حكومة الوفاق الوطني بدهاء دون تعريض حيادها للخطر، دعمت الصين بفاعلية اتفاقاً لوقف إطلاق النار في ليبيا، حيث كان لحكومة الوفاق تاريخياً اليدُ العليا في مفاوضات السلام، بسبب وضعها؛ كونها حكومة ليبيا المعترف بها في الأمم المتحدة.
يتوافق دعم الصين لمبادرات السلام المتعددة الأطراف بدلاً من المبادرات التي تقودها دولة واحدة، كتلك التي تقدمت بها دول الإمارات وإيطاليا وفرنسا، بصورة وثيقة مع وجهات نظر بكين بشأن النظام الدولي والأولويات الاستراتيجية.
نهج تعدُّد الأطراف
يعكس التزام الصين بنهج تعدد الأطراف الصارم في ليبيا نظرتها المتشككة حول قدرة الأطراف الخارجية على التأثير بطريقة بنَّاءة على الوضع في ليبيا. أشار مقال نُشر في صحيفة Global Times الصينية في 8 أبريل/نيسان، إلى أنَّ هجوم حفتر في ليبيا يمكن تفسيره بطريقة غير مباشر من خلال رد فعل الغرب تجاه الربيع العربي، ونوَّه بأنَّ الوضع الاقتصادي المتدهور في ليبيا هو دليل على أنَّ “النموذج الغربي ليس حصيناً، ويتسبب في مخاطر كبيرة بالنسبة للعديد من الدول النامية”، بحسب المجلة الأمريكية.
يتوافق تعبير الصين في 21 مايو/أيار عن دعمها لتوسيع دور الاتحاد الإفريقي في إنهاء الأعمال العدائية في ليبيا أيضاً مع هذه المبادئ، إذ يدعو الاتحاد الإفريقي باستمرار إلى وقف إطلاق النار في ليبيا دون أي تدخل خارجي.
ضمن إطار عمل الأمم المتحدة، من المرجح أن تتراجع الصين وتكون في وضع المتفرج وتسمح للقوى العظمى الأخرى بالسيطرة على حل النزاع الليبي.
وبحسب حرشاوي، لا ترغب الصين في تحويل تفضيلها لحكومة الوفاق إلى دعم ملموس لحكومة السراج. رفضت الصين بوضوح الامتثال لطلب السراج بالحصول على دعم الصين في رفع الحظر الدولي عن الأسلحة المفروض على ليبيا، ولم تقدم المساعدة لجهود الحكومة الليبية في وقف تجميد الأصول المالية. وهذا يدل على حدود رغبة الصين في إشراك نفسها مباشرة في حل نزاع على ما يبدو مستعصياً على الحل في ليبيا.
على الرغم من أنَّ الصين تسعى تدريجياً إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يكشف تعامل بكين الحذر مع تصعيد حفتر في ليبيا عدم رغبتها في الانخراط مباشرة في حل النزاعات التي طال أمدها. وفي حين أنَّ انحياز الصين لحكومة الوفاق الوطني يؤثر على نظرتها للأحداث في ليبيا، فمن غير المرجح أن يمتد هذا التحيز إلى دعم ملموس لحكومة السراج. ومن المرجح أن يضمن هذا الموقف دعم الصين من بعيد لمبادرات سلام متعددة الأطراف، دون أن تتصرف كلاعب رئيسي في الأشهر المقبلة.