اذا أردت أن تطلق على عام 2019، بأنه عام المرأة، فقد تكون تسميتك إلى حد كبير حقيقية بسبب شغل النساء لنسب كبيرة من الوظائف الحكومة المنتخبة والمعينة عالمياً هذه السنة. ففي تونس البلد العربي الوحيد الذي نجا ربيعه السياسي من الثورات المضادة، تشغل النساء حالياً 47% من مقاعد الاقتراع في انتخابات المجالس البلدية، وترجع هذه الزيادة جزئياً إلى الحصة الانتخابية للسيدات المنصوص عليها في الدستور، بحسب تقرير لصحيفة The Washington Post الأمريكية.
زيادة حصة النساء عالمياً
أما عالمياً فتعمل النساء في المناصب التي تُشغل بالانتخاب بأعداد أكبر؛ إذ فاز عدد قياسي من النساء بمقاعد برلمانية في انتخابات التجديد النصفي للعام 2018 بالولايات المتحدة، وتقدّمت ست نساء للمنافسة على ترشيحات الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية لعام 2020. وتخطو النساء خطوات كبيرة في الانتخابات في الأنظمة غير الديمقراطية، مثل رواندا، التي تضم حالياً أعلى نسبة من النساء في جميع أنحاء العالم في الهيئة التشريعية؛ بنسبة بلغت 64%.

غير أن كثيرين يشككون في وجود قيمة لهذا التمثيل المتزايد. بالرغم من أن هذه المحاصة أو الكوتا النسائية تشكل وسيلة مباشرة لزيادة عدد النساء في المناصب، لا تعتبر دائماً وسيلة فعالة لتمكين المرأة. إذ أن هذا الوضع ينتشر بصورة خاصة في البلدان غير الديمقراطية، التي لا يكون للبرلمان فيها دور مستقل في صنع القوانين. يشعر البعض بالقلق من أن الأعداد المتزايدة من النساء في المناصب نتيجة الحصص في البلدان المستبدّة والأخرى التي تضفي على أنظمتها طابعاً ديمقراطياً، قد لا تؤدي دوراً أكثر من مجرد تعزيز صورة النظام دولياً وتقويض تمكين المرأة من خلال رمزية النائبات من النساء.
مقال بمجلة Journal of Middle East and Africa، ذكر أن انتخاب النساء في تونس قد حسّن بالفعل تمثيل المرأة من خلال زيادة حصول النساء على المساعدة في مشاكل فردية أو مجتمعية. وجدت أدلة مماثلة في المغرب والجزائر، لكن هذه النتائج لها أيضاً تداعيات تتجاوز المغرب العربي.
من يعرف ممثلي البلديات؟
اضطلع عدد من الباحثين في برنامج Program on Governance and Local Development بمهمة تطوير وتنفيذ مؤشر أداء الحكم المحلي (LGPI) وسؤال 3600 مواطن تونسي في 18 بلدية حول تجاربهم في التواصل مع أعضاء المجالس البلدية للمساعدة في الحصول على الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات العامة أو الخاصة.
وجد الاستطلاع أن المواطنين الذكور في تونس هم أكثر من النساء في معرفة أي مسؤول حكومي محلي والتواصل معه وطلب المساعدة منه. يمثل هؤلاء المسؤولون المحليون الحكوميون القنوات الرئيسية التي يحدث من خلالها التمثيل. أجاب 29% من الرجال و16% من النساء أنهم يعرفون أحد أعضاء المجلس المحلي، بينما تواصل 17% من الرجال و11% من النساء مع عضو المجلس المحلي بشأن قضية شخصية أو مجتمعية.
لماذا يحدث هذا؟
تحمل هذه الفجوات بين الجنسين أهمية لأنها تعني أن الرجال أكثر قدرة من النساء على التحدث مع ممثليهم حول مجتمعاتهم والقضايا التي يهتمون بها. وفقاً لمسح LGPI، كانت مشاكل الطرق والتراخيص الحكومية هي أكثر المشاكل التي تحدَّث التونسيون بشأنها مع أعضاء المجالس المحلية. تعلقت أكثر من نصف الاجتماعات بين أعضاء المجلس والمواطنين في تونس، بمواطنين يطلبون المساعدة بخصوص الطرق أو الوثائق الحكومية. وشكّل الإسكان 11% من الطلبات، والكهرباء 9%. وشملت الطلبات الأقل شيوعاً التوظيف (7%)، المياه (7%)، الرعاية الصحية (4%)، النقل والهواتف (2% لكل منهما)، التعليم (1%)، وغيرها من الطلبات غير المذكورة (12%). لا يقلل هذا التفاعل المتدني بين النساء والمسؤولين المنتخبين مقارنةً بالرجال من تمثيلهن فحسب، بل قد يسهم كذلك بدورٍ في تفسير انخفاض معدلات تصويت النساء في تونس والبلدان العربية الأخرى.
كيف يؤدي انتخاب النساء إلى تحسين وصول المرأة إلى المسؤولين المنتخبين؟

وبحسب الصحيفة الأمريكية، ترجع الفجوات بين الجنسين في الوصول إلى المسؤولين المحليين، إلى حد كبير، إلى هيمنة الرجال عددياً في أماكن العمل والتواصل متماثل الجنس، والتقارب، وعلاقات الصداقة الوثيقة وعلاقات العمل مع الآخرين من نفس الجنس.
تقول إلين بيارنيجارد، أستاذة العلوم السياسية المشاركة في جامعة أوبسالا، إن للرجل رأس مال متراكم من العلاقات مع أبناء نفس الجنس -أي علاقات مُحتملة مع أفراد متشابهين ولديهم الإمكانيات اللازمة للفوز بالانتخابات- بسبب هيمنتهم العددية في السياسة. يؤدي نقص تمثيل النساء في الحكومة إلى انخفاض معدلات تقديم الخدمات الزبونية للنساء مما يمكن أن يحد من التمثيل الفعلي لقضايا المرأة.
لا تُعد شبكات العلاقات الإنسانية مفتاحاً لفهم سبب تناقص فرص وصول النساء إلى المسؤولين المنتخبين فحسب، ولكنها تساعد أيضاً على معرفة السبب الكامن وراء قدرة المحاصة على إعادة تشكيل هذه الشبكات وزيادة فرص الوصول إلى المسؤولين المنتخبين بشكل أقرب إلى المساواة بين الجنسين.
ما يميز الرجال عن النساء في تونس!
يحظى الرجال في تونس بفرص أكثر بكثير من النساء للوصول إلى أعضاء المجلس الذكور. وكلما كان الطلب متعلقاً بمشكلة أكبر بالنسبة للمجتمع، وليس مجرد طلب شخصي، زاد عدد الأشخاص الذين يسألون عن ممثلين من نفس الجنس. ومع ذلك، أدى انتخاب النساء أو تعيينهن إلى زيادة فرص وصول الإناث إلى المساعدة من أعضاء المجالس. كانت هذه الاختلافات ملحوظة في التحليلات متعددة المتغيرات، التي أظهرت أيضاً أن انتخاب النساء يحسن فرص وصول النساء لكنه لا يقلل من إمكانية وصول الرجال.
حتى في الأنظمة الديمقراطية التي على شاكلة الولايات المتحدة، تؤدي الشبكات الجنسانية دوراً في استمرار الفجوات بين الجنسين في السياسة والأعمال والفنون. وكان ميل القيادات النسائية لتوظيف النساء أكثر من القادة الذكور، مما يقدم دليلاً على أن الشبكات الجنسانية تؤدي دوراً في دعم -أو إعاقة- إتاحة فرص متساوية للنساء. وتُبيِّن كذلك النتائج التي تم التوصل إليها في تونس أن الكوتا تعمل على تحسين تمثيل المرأة، وخاصة في البلدان الاستبدادية والديمقراطية ذات البرلمانات الضعيفة أو ذات السياسة الزبونية. إذ يشير عدم تناقص وصول الرجال عند انتخاب النساء إلى أنه في المغرب العربي -مثلما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية الراسخة- لا ينبغي اعتبار تعزيز المساواة بين الجنسين لعبة محصلتها صفر.