من هونغ كونغ إلى مصر والجزائر.. كيف ينجو المجتمع المدني من الدبابات؟

توضح الأحداث بجميع أنحاء العالم العربي في السنوات القليلة الماضية، مدى ضعف المجتمع المدني وعدم قدرته على التفوق على أنظمة جيدة التنظيم، لا سيما الأنظمة العسكرية.

إنَّ عجز المجتمع المدني ليس مجرد ظاهرة عربية بل هو أمر موجود في العديد من الأنظمة القمعية، وفقاً لما ورد في تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني.

فمن الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في ميدان تيانانمين عام 1989 والتي قمعتها الحكومة الصينية بعنف، إلى المظاهرات الجارية في هونغ كونغ والتي تحاول وقف التجاوز الزاحف من جانب الحزب الشيوعي الصيني ضد صلاحيات حكومة هونغ كونغ، كان المجتمع المدني -ولا يزال- يتعرض للضغط من قِبل الأنظمة التي تمتلك القوة الأمنية والعسكرية.

سلاح المجتمع المدني في مواجهة حملات قمع شديدة 

بيد أن هناك أملاً. فعلى الرغم من أن الآفاق قصيرة الأجل لانتصار المجتمع المدني على الحكومات الراسخة المدعومة من الجيش تبدو موحشة، فإن الوضع يبدو مختلفاً على المدى الطويل، حسب التقرير.

إذ إن السلاح النهائي للمجتمع المدني هو المثابرة، فالحقيقة تقول إنه حتى الحركات المهزومة تعود في نهاية المطاف إلى النضال في يوم آخر، أو تحلُّ محلها حركات جديدة. ما دام هناك أشخاص مستاؤون وليس لديهم منفذ سياسي لمظالمهم، سيظل المجتمع المدني يشكل تهديداً للأنظمة الاستبدادية.

سكان هونغ كونغ تظاهروا مراراً للدفاع عن حرياتهم/ Reuters

وفي الصين على سبيل المثال، لطالما كانت الحكومة غير رحيمة مع أي شكل من أشكال المعارضة منذ عام 1989، وهي تتجه بقوة نحو الذكرى السنوية للمذبحة، وتمنع أي شكل من أشكال إحياء ذكراها.

بالمثل، بذلت الحكومة المصرية قصارى جهدها لقمع كل المعارضين، لكنها لا تزال خائفة من تكرار مظاهرات ميدان التحرير 2011. في ليلة تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسي في 8 يونيو/حزيران 2014، سمحت الحكومة بالمظاهرات العلنية الداعمة للنظام في الميدان، لكنها حاصرت الميدان فوراً بناقلات الجنود المدرعة التي أغلقت معظم الشوارع، وهو ما سمح فقط بوجود حشد قليل داخل محيط الميدان. 

لماذا تقلق الحكومات من الحشود؟

تساعد ثلاث مواجهات مستمرة بين المجتمع المدني والحكومات مع قوات الأمن التابعة لها -في الجزائر والسودان وهونغ كونغ- على توضيح سبب قلق الحكومات بشدة من المجتمع المدني. وتوضح هذه الأحداث أنه في حين لا يمكن أن يفوز المجتمع المدني في مواجهة مباشرة، فإنه ليس بإمكان الحكومات قمعه بالكامل.

منذ أسابيع، احتجت الحشود في هونغ كونغ على مشروع قانون يسمح بتسليم مواطنين من هونغ كونغ إلى الصين للمحاكمة. لقد كانوا ينفّسون عن مخاوفهم من أن تُضعف بكين درجة الحكم الذاتي التي تتمتع بها هونغ كونغ بموجب سياسة “دولة واحدة ونظامان”.

كانت الحشود هائلة، وكانت الأكبر في هونغ كونغ منذ المظاهرات التي اندلعت احتجاجاً على مذبحة تيانانمن في عام 1989. 

تراجعت حكومة هونغ كونغ عن القانون في تحرُّك استثنائي، معلنةً أنها ستعلق مشروع القانون، بل قدمت اعتذاراً. وردَّ المتظاهرون، بالمطالبة باستقالة رئيسة هونغ كونغ التنفيذية، كاري لام. 

تصاعدت الأزمة في 1 يوليو/تموز، عندما تحوَّل بعض المتظاهرين إلى العنف، محطمين كل ما في طريقهم إلى المبنى الذي يضم المجلس التشريعي. عاد النظام بسرعة مع استخدام القوة، لكن الحكومة ما زالت منزعجة من هذا التذكير بالقوة الذي يمكن أن يطلقه المجتمع المدني. 

لماذا اختلفت حالتا الجزائر والسودان؟ الجيش مقابل المتظاهرين 

ظلت دولتا السودان والجزائر تحومان منذ شهور، بين القوة القمعية للجيش وعجزه عن إثناء المجتمع المدني عن إرادته.

في السودان، سرعان ما تركزت المظاهرات، التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2018،  للاحتجاج على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، حول المطالبة باستقالة حكومة عمر البشير المدعومة من الجيش. فشلت محاولات تهدئة الشعب عن طريق إصلاحات تجميلية إلى حد كبير، وفي 11 أبريل/نيسان، بعد أن أصدر الجيش عديداً من التصريحات عن دعمه الأبدي للبشير، أطاح بالرئيس. 

العسكريون في السودان استخدموا العنف ضد المتظاهرين/ رويترز

وفي أعقاب إطاحة البشير، بدأت منافسة بين الجيش والمتظاهرين حول كيفية تشكيل حكومة جديدة، مع مطالبة المجتمع المدني بدور رئيسي، وتردُّد الجيش في تنفيذ ذلك. 

ولعل أبرز الاستثناءات في هذه القصة أن الجيش امتنع حتى الآن عن العنف المطلق، على الرغم من أن حملة القمع التي وقعت في أوائل يونيو/حزيران 2019، أدت إلى مقتل العشرات. 

جدل الحكم الانتقالي 

اندلعت مظاهرات سلمية بالجزائر في فبراير/شباط ضد النظام، رافضةً ترشح عبدالعزيز بوتفليقة، العاجز عن تأدية مهامه، لولاية خامسة. 

كما هو الحال في السودان، تعثَّر الوضع، حيث قال الجيش إن الانتقال يجب أن يتبع إرشادات الدستور، في حين يضغط المتظاهرون لإجراء كثير من التغييرات الجذرية. لم يتراجع الجيش عن موقفه، على الرغم من موافقته على تأجيل الانتخابات، ولم يتراجع المتظاهرون كذلك. 

في حالات كثيرة جرى إنهاء الاحتجاجات بسرعة عن طريق الوسائل العنيفة، مثلما فعلت الحكومة الصينية في ميدان تيانانمن في عام 1989. وليست للمجتمع المدني سلطة ضد الدبابات. 

ولكنَّ هناك حدوداً لسلطة الحكومات كذلك: ويظل المجتمع المدني موجوداً دائماً، بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين قُتلوا أو عدد المنظمات التي جرى تفكيكها. 

وهذه هي القوة المطلقة للمجتمع المدني، والسبب الذي يجعل الحكومات تخشاها حقاً. 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top