أمريكا وإيران ستخسران إذا استخدمتا العراق ساحة لنزاعاتهما.. وهناك طرف ثالث مستفيد

في يونيو/حزيران الماضي، سقطت العديد من الصواريخ على منشآت أمريكية في العراق، وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، هزت انفجاراتٌ منشآتٍ لتخزين الأسلحة وقافلةً تعود لمجموعات شبه عسكرية عراقية مرتبطة بإيران. ساهمت هذه الحوادث في دفع التوترات الأمريكية-الإيرانية إلى حافة المواجهة، مُؤكِّدةً خطورة تحول العراق ساحة للصراع الإيراني الأمريكي.

كانت الهجمات الأولى رسالة من الإيرانيين للأمريكيين، وفي الثانية رد الإسرائيليون بالنيابة عن الأمريكيين على الرسالة الإيرانية؟

في حين تجنَّبت الولايات المتحدة وإيران حتى الآن التصادم بصورة مباشرة، فإنَّهما تدفعان الحكومة العراقية للانحياز إلى جانب أحد منهما. 

في المقابل يعمل القادة العراقيون جاهدين لإبقاء بلدهم محايداً. لكنَّ كلاً من الضغوط الخارجية المتنامية والاستقطاب الداخلي يُهدِّدان بقاء الحكومة العراقية، حسبما ورد في تقرير لموقع Lobe Log الأمريكي.

ماذا ينبغي عمله لمنع تحول العراق ساحة للصراع الإيراني الأمريكي؟ 

ينبغي على الولايات المتحدة وإيران أن تحجما عن جرِّ العراق إلى التنافس بينهما؛ لأنَّ عمل ذلك من شأنه تقويض الاستقرار الهش الذي حقَّقه العراق في حقبة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مباشرةً. ويجب على العراق، بمساعدةٍ من الفاعلين الدوليين، أن يستمر في مساعيه الدبلوماسية والسياسية الداخلية الرامية للبقاء محايداً.

إنَّ الصواريخ التي سقطت قرب الأصول الأمريكية في العراق منتصف يونيو/حزيران الماضي، والتفجيرات التي ضربت أصول المجموعات شبه العسكرية العراقية ذات الصلات بإيران في يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، إشاراتٌ تنذر بالسوء. 

ترامب خلال زيارة لقاعدة أمريكية في العراق/رويتزر

فهي تحذيرات واضحة تشير إلى مدى السوء الذي قد يتسبَّب به التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران للاستقرار في العراق والمنطقة ككل. 

ومع أنَّ حملة “الضغط الأقصى” التي تفرضها واشنطن على طهران لم تصل إلى حد الأعمال العدائية، فإنَّها قد تنتهي إلى وضع نفس القدر من الضغوط –وإلحاق نفس القدر من الضرر- على حليفها الصوري العراق تماماً كما على عدوتها إيران. 

العراق دولة هشة

بالنسبة للعراق، لا يمكن أن يكون التوقيت أسوأ من هذا. فالبلد لا يزال في طور التعافي من الفساد الذي عاثه داعش والمعركة الباهظة لهزيمة الجهاديين، ولا تزال مؤسساته وقواته الأمنية هشة، وحكومته المُنتَخَبة قبل ما يزيد على العام بقليل لا تتمتع إلا بأغلبية برلمانية ضئيلة وغير مستقرة. 

وينبغي على واشنطن وطهران أن تُبقيا بغداد بعيدةً عن مواجهتهما؛ فالتكلفة التي سيتحملها أيُّ الطرفين من جرَّاء تجدد عدم الاستقرار في العراق ستتجاوز أي مكاسب لهما. وأي محاولات لدفع العراق للانحياز إلى أحد الجانبين على الأرجح ستفشل وتقود بدلاً من ذلك إلى الفوضى.

وتعمل القيادة العراقية جاهدةً لعزل البلاد عن الاضطرابات الإقليمية. فهي تُصعِّد انخراطها الدبلوماسي مع إيران والولايات المتحدة وجيرانها المباشرين، وتُعزِّز كذلك التوافق الداخلي خلف هدف الإبقاء على الحياد. 

كلاهما سيخسر إذا نشب نزاع بينهما في العراق

وهذه الجهود مهمة، لكنَّها قد لا تكون كافية لحماية العراق من تمدُّد التنافس الأمريكي الإيراني. وإذا استمرت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران في التدهور، ناهيك عن أن تشتبك الدولتان مباشرةً، فإنَّ الصراع على الأرجح سيُعمِّق الاستقطاب السياسي بين العراقيين المؤيدين والمعارضين لإيران. وحتى في ظل الظروف الحالية، قد تُعجِّل التوتُّرات الداخلية بانحدارٍ إلى فوضى سياسية.

ويُرجَّح أن تخسر الولايات المتحدة وإيران من جرَّاء أي نزاعٍ في العراق. فعلى النقيض من توقعات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا تتصدى حملة “الضغط الأقصى” لنفوذ إيران الواسع في العراق، والذي تمارسه طهران عبر عددٍ وافر من الطرق والأساليب. 

الأمريكيون قد يتعرضون لهجمات والأسوأ عودة داعش

وقد ترغب واشنطن، في إطار ضغوطها، من العراق أن يُقلِّص مشترياته من الغاز الطبيعي والكهرباء من إيران، وأن يقيم روابط أوثق مع الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة. 

لكن من المُرجَّح أن تؤدي تلك المساعي التي تشرف عليها الولايات المتحدة بإيران إلى تكثيف ضغوطها الخاصة على بغداد، سعياً لعرقلة مساعي الحكومة العراقية لتقوية مؤسساتها، وتنويع مصادر إمداداتها من الطاقة، وتوسيع نطاق علاقاتها الخارجية. 

وإذا ما استمر تنامي التوترات بين واشنطن وطهران، قد يصبح الأفراد الأمريكيون في العراق أكثر عُرضة للهجمات من جانب الميليشيات الموالية لإيران. وقد يؤدي أي فراغ أمني ناجم عن هذا إلى عودة داعش.

وهذه خسائر إيران المحتملة

وينبغي على طهران كذلك أن تهتم بحماية العراق من مواجهتها مع واشنطن. 

إذ يحمل الاستقرار لدى جارها منافع اقتصادية وأمنية: يسمح لإيران بتخفيف آثار العقوبات الأمريكية من خلال الحفاظ على الصلات مع الاقتصاد العراقي، ويُخفِّف كذلك مخاطر عودة داعش الذي من شأنه حتماً أن يهدد إيران.

ويمكن للآخرين أيضاً أن يساعدوا في تحصين العراق من الأضرار، بدءاً بالحكومة العراقية نفسها. ومن بين الخطوات التي يمكن للحكومة أن تتخذها أن تُوضِّح لإدارة ترامب أيّ التوقعات الأمريكية يمكن للحكومة تلبيتها وأيّها لا يمكنها تلبيته، وتعزيز مساعي إدخال المجموعات شبه العسكرية المرتبطة بإيران تحت سيطرة الحكومة المركزية، وتكثيف التواصل مع الدول الإقليمية –لاسيما السعودية والإمارات والأردن- لموازنة الدور الإيراني دون مفاقمة مخاطر المواجهة المسلحة على الأراضي العراقية. 

الرئيس العراقي برهم صالح، ورئيس الحكومة عادل عبد المهدي/رويترز

من جانبها، ينبغي على أوروبا، التي لديها مصلحة مهمة في ترسيخ الإنجازات التي حققتها حملة محاربة داعش وتجنُّب المزيد من الاضطرابات في المنطقة، العمل مع بغداد في سعيها لتهدئة التوترات الأمريكية الإيرانية ومنعها من جرِّ العراق، والمنطقة الأوسع نطاقاً، إلى دوامة خطيرة.

إما الحياد أو داعش

أثبتت الحكومة العراقية حتى الآن نجاحها في النأي بنفسها عن المواجهة التي تلوح في الأفق بين داعمتيها القويتين، الولايات المتحدة وإيران. لكنَّ مساعيها قد تكون غير كافية إذا بقيت الولايات المتحدة وطهران على مسارهما التصادمي الحالي.

وينبغي على الولايات المتحدة وإيران أن ترغبا في تجنُّب جرِّ العراق إلى معركتهما.  فهذا من شأنه تعريض الأصول الأمريكية في البلاد للخطر. وقد يضر بتجارة إيران في الوقت الذي بدأت فيه العقوبات الأمريكية تؤلم بدرجة أقوى. ولا ترغب أيٌ منهما في منح داعش فرصة جديدة للحياة.

بالنسبة لكلٍ من الولايات المتحدة وإيران، وبالنسبة للدول الأخرى التي أسهمت في هزيمة داعش، يُعَد التزام الحكومة العراقية بحياد البلاد فرصة يجب أن تُغتَنَم، لاسيما بالنظر إلى مدى الدمار الذي قد تُحدِثه دورة جديدة من عدم الاستقرار على بلدٍ لا يزال يعاني للخروج من دورة عدم الاستقرار الماضية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top