“لقد فرض كلمته على قوى إعلان الحرية والتغيير”، أصبح هذا هو الانطباع السائد عن رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، مع تردد أنباء عن اقترابه من الانتهاء من وضع قائمة المرشحين للحكومة السودانية، التي يتوقع أن تضم عدداً غير مسبوق من النساء والشباب، حسب ما ظهر في قائمة أسماء الوزراء المرشحين التي اطلع عليها “عربي بوست”.
واستقر حمدوك على أغلب أعضاء الحكومة، بعد أكثر من أسبوعين منذ أداءه اليمين الدستورية كرئيس الحكومة الانتقالية، حسبما علم “عربي بوست” من مصادر بقوى “إعلان الحرية والتغيير”.
وأعلن مجلس السيادة في السودان، الأربعاء، أنه سيتم الخميس، الإعلان عن تشكيلة حكومة الفترة الانتقالية، وهي أول حكومة منذ عزل الرئيس السابق عمر البشير من الرئاسة، في أبريل/ نيسان الماضي.
وخلال مؤتمر صحفي بالعاصمة الخرطوم، اكتفى المتحدث باسم مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، بالقول إن “التشكيل الحكومي سيُعلن الخميس”.
لماذا رفض ترشيحات قوى إعلان الحرية والتغيير؟
على الرغم من التأجيل المتكرر لإعلان الحكومة، فإن الرجل أصبح يحظى بشعبية كبيرة في الشارع السوداني، خاصة بعد رفضه عدداً من الأسماء التي تقدمت بها قوى الحرية والتغيير، لمخالفتها معايير الكفاءة التي اشترطها.
وهو الأمر الذي زاد من ثقة الشارع بحمدوك، بل وصل الأمر إلى حد مطالبة البعض له بتجاوز “قوى التغيير” واختيار حكومته بنفسه.
وهو ما حدث بالفعل نوعاً ما والذي يبدو جلياً في الأسماء التي اقترحها على “قوى التغيير” عقب إعادته القائمة للمناقشة من جديد.
تشكيل الحكومة أُرجئ لأسباب أمنية.. قائمة من المرفوضين
وكان من المفترض أن تعلَن الحكومة، في الـ28 من أغسطس/آب الماضي، غير أن الأمر أُرجئ 48 ساعة زيدت لاحقاً، بغرض التشاور، بحسب ما أعلنه عضو المجلس السيادي الفريق شمس الدين الكباشي، فضلاً عن ضرورة إخضاع المرشحين كافة للفحص الأمني.
وهو إجراء روتيني متَّبع مع كل المتقدمين لشغل الوظائف العامة، على حد تعبير الكباشي، حيث تراجع الأجهزة الأمنية السِّيَر الذاتية للمرشحين وتبدي الملاحظات حولهم، وتطالب بإبعادهم إن دعت الضرورة إلى ذلك.
وكانت بعض التسريبات قد أكدت أن الفحص الأمني قد أدى إلى إبعاد ثلاثة شخصيات رُشِّحوا لوزارة الخارجية والنفط والصحة، كما تم إبعاد مرشح لوزارة الحكم المحلي عن القائمة المرشحة، لصلته بالنظام السابق، بحسب ما قاله مصدر داخل قوى إعلان الحرية والتغيير لـ “عربي بوست”.
الكفاءة والتمثيل العادل لكل الإقاليم
وحملت الأنباء توافق حمدوك وقوى إعلان الحرية والتغيير على القائمة النهائية للوزراء، التي بدا من الواضح أنه أدى دوراً كبيراً في اختيارهم وفق معايير صارمة فيما يتعلق بالكفاءة والتمثيل العادل لجميع الأقاليم السودانية.
كما طالب حمدوك بإعطاء المرأة حقها الكامل في المشاركة، وهو ما يفسر الاختلاف الكبير بين القوائم الأولية التي قُدمت له والأسماء المعلنة مؤخراً، كما قال الرجل في أكثر من مرة: “لا بد من تمثيل كل أقاليم البلاد بالحكومة ومن مختلف المدن التي شاركت في الثورة “.
وقال حمدوك خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، في الخرطوم، الثلاثاء الماضي: “هدفنا تشكيل حكومة كفاءات دون محاصصات حزبية، كما نهدف كذلك إلى ضمان تمثيل النساء بشكل مناسب في الحكومة المقبلة”.
لأول مرة في تاريخ السودان امرأة لوزارة الخارجية
تضم حكومة حمدوك أول امرأة تتولى حقيبة وزارة الخارجية، هي السيدة أسماء عبدالله التي جاء اختيارها بالاسم من قِبل رئيس الوزراء ضمن خمسة أسماء أُخَر أصرَّ حمدوك على الدفع بهم ضمن حكومته المقبلة.
وجاء إصرار حمدوك على السيدة أسماء، لكونها دبلوماسية سابقة بالخارجية السودانية، تدرجت في عدد من المناصب حتى وصلت إلى درجة وزير مفوض، كما عملت نائبة لمدير دائرة الأمريكتين بوزارة الخارجية السودانية، وعملت في عدد من سفارات السودان بالخارج، من بينها النرويج، ويشهد لها عديد من العاملين في الوزارة بالاستقامة والجدية في العمل.
واللافت أن السفيرة السابقة لم تكن ضمن الأسماء الثلاثة التي طرحتها قوى إعلان الحرية والتغيير لشغل منصب وزارة الخارجية، حيث كانت الترشيحات تذهب إلى كل من الدكتور عمر قمر الدين والسفير عمر مانيس والسفير عمر صديق، إلا أن التشكيك الذي حملته بعض وسائل التواصل الاجتماعي في شهادة الأول، وتحويل حمدوك الثاني لوزارة مجلس الوزراء، وعدم التوافق على الاسم الثالث دفع بأسماء لتولي المنصب.
خبير البنك الدولي وزيراً للاقتصاد، ولكنه أقلق الفقراء بتصريحاته
ومن أبرز الأسماء كذلك في الحكومة المقبلة الخبير الاقتصادي السابق بالبنك الدولى إبراهيم البدوي، الذي يشغل حالياً منصب مدير مركز السياسات والبحوث الاقتصادية بمجلس دبي الاقتصادي منذ مارس/آذار 2009، كما انتُخب مؤخراً لمنصب المدير التنفيذي لمنتدى البحوث الاقتصادي للدول العربية.
وعمل إبراهيم البدوي من قبلُ خبيراً اقتصادياً ورئيساً لمجموعة بحوث التنمية التابعة للبنك الدولي الذي انضم إليه في عام 1989، وعمل فيه ما يقارب عشرين عاماً.
ورغم السيرة الذاتية الكبيرة التي يمتلكها البدوي، فإن تصريحاته السابقة التي كشف فيها عن رغبته في اتباع توجهات صندوق النقد وضرورة رفع الدعم عن السلع الأساسية، تجعل كثيرين -لا سيما من الطبقة الكادحة- يتوجسون من خطة الرجل في إدارة الملف الاقتصادي للبلاد التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة.
إجماع على وزير الإعلام من غير الإعلاميين
ولعل الاسم الوحيد في قائمة “الحرية والتغيير” الذي وجد الإجماع والقبول من جميع المكونات السياسية السودانية هو الأستاذ الصحفي فيصل محمد صالح، لتولي منصب وزير الثقافة والإعلام.
ويعد فيصل محمد صالح، الذي درس الإعلام في جامعة الأزهر بالقاهرة، وحصل على الماجستير في الدراسات الصحفية من جامعة كارديف ويلز بالمملكة المتحدة، ودبلوم الإعلام العالي من جامعة الخرطوم- من أبرز الوجوه الإعلامية التي عارضت النظام السابق، وهو ما جعله عرضة للتوقيف والاعتقال في كثير فترات حكم الرئيس المخلوع.

وناهض صالح، نظام البشير عبر عديد من المنابر الإعلامية التي عمل بها، ونال جائزة “بيتر ماكلر” الأمريكية المكافئة للنزاهة والشجاعة الصحافية عام 2013، وجائزة بطل حقوق الإنسان من بعثة الاتحاد الأوروبي بالسودان.
ورغم كل ذلك، فإن الرجل المعروف بميوله للحزب الناصري السوداني، لم يأتِ بترشيح مباشر من قِبل شبكة الصحفيين السودانيين، الجهة المنوط بها ترشيح وزير الإعلام بحسب اللائحة الداخلية لقوى الحرية والتغيير، بل كان مرشحاً من قِبل القوى المدنية.
عكس الأستاذ فتح الرحمن محجوب، الذي رشحته الشبكة لتولي منصب وزير الثقافة والإعلام، ولكن في الأخير رجحت كفة فيصل محمد صالح.
انعدام الخبرة لا يمثل مشكلة لحمدوك
من الوجوه الشابة التي دفع بها حمدوك إلى الواجهة عبر حقيبة الشباب والرياضة السيدة ولاء عصام البوشي، وهي مهندسة ميكانيكا وُلدت في عام 1986، درست بكلية الهندسة والعمارة في جامعة الخرطوم، وحاصلة على درجة الماجستير من جامعة إمبريال كولج لندن في الهندسة الميكانيكية المتقدمة ومحركات الطائرات.
وعلى الرغم من تحفظ البعض على قلة خبرتها وعدم احتكاكها بالمجال الرياضي، فإن نشاطها الكبير في مجال العمل الطوعي من خلال عملها مستشارة لبناء القدرات لبرنامج القادة الشباب السودانيين بمركز جسر للتنمية ومنظمة فردريش آيبرت وعديد من المنظمات، وإيمانها بدور الشابات والشباب في بناء السودان، ومطالبتها بتوسيع مشاركة الشباب في اتخاذ القرار جعلها تمثل عنصر القوة الشبابية داخل الحكومة المقبلة.
عالمة آثار وزيرة للتعليم العالي وتأييد قوي لها رغم اتهامها بالولاء للنظام السابق
وإلى جانب كل من أسماء محمد عبدالله كوزيرة للخارجية ولينا الشيخ في منصب وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية والشابة ولاء، وقع اختيار حمدوك على عالمة الآثار الأستاذة بجامعة الخرطوم انتصار صغيرون كرابع امرأة في حكومته، بعدما طُرح اسمها من قبلُ كوزيرة للسياحة قبل أن تُحوَّل إلى وزارة التعليم العالي.
ووجدت “صغيرون” طريقها للمنصب رغم الحملة التي شُنت ضد ترشيحها على مواقع التواصل الاجتماعي، على اعتبار أنها كانت على صلة بالنظام السابق، بل سبق أن رُشحت في إحدى الدوائر البرلمانية له، إلا أن إجماع تجمُّع أساتذة الجامعات ودعم مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم لها، فضلاً عن دورها البارز في تنظيم الحراك الثوري قبل سقوط حكم البشير، منحها ثقة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك.
وزير الدفاع قادم من الاستخبارات العسكرية
وفيما يتعلق بحصة المكون العسكري في حكومة حمدوك، فسيشغل كل من إدريس الطريفي منصب وزير الداخلية، والفريق أول جمال الدين عمر منصب وزير الدفاع.

وكان الأخير عضواً في المجلس العسكري الانتقالي المنحل، وشغل من قبلُ منصب رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية منذ مارس/آذار 2017.
وقد تم ترقيته إلى رتبة “فريق أول” في 15 أبريل/نيسان 2019ـ بقرار من رئيس المجلس الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وتسميته رئيساً للجنة الأمن والدفاع بالمجلس العسكري.
قائمة المرشحين للحكومة السودانية.. اليسار يتسلل واستبعاد للإسلاميين
إليكم أبرز الأسماء التي تم التوافق عليها والتي يلاحَظ أنه رغم عدم ارتباطهم بأي من الأحزاب السياسية، فإن لديهم ميولاً إلى القوى اليسارية أكثر من التيارات الإسلامية:
أسماء محمد عبدالله – وزارة الخارجية
إبراهيم البدوي – وزارة المالية
أكرم التوم – وزارة الصحة
محمد الأمين التوم – وزارة التعليم العام
مدني عباس مدني – وزارة الصناعة
عادل علي إبراهيم – وزارة الطاقة والتعدين
ياسر عباس النو – وزارة الري
عيسى عثمان شريف – وزارة الزراعة
خديجة محمد خير – وزارة الثروة الحيوانية
السفير عمر منيس – وزارة مجلس الوزراء
هاشم الطاهر شيخ طه – وزارة البنى التحتية
لينا الشيخ محجوب – وزارة العمل والشؤون الاجتماعية
محمد عبدالسلام – وزارة العدل
ولاء عصام البوشي – وزارة الشباب والرياضة
انتصار صغيرون – وزارة التعليم العالي
فيصل محمد صالح – وزارة الثقافة والإعلام
عمر علي جماع – وزارة الحكم الاتحادي
الزين مفرح – الشؤون الدينية
وستعمل الحكومة خلال فترة انتقاليةٍ مدتها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، تعقبها انتخابات قومية، وذلك وفق الاتفاق السياسي الموقع بين قوى إعلان الحرية والمجلس العسكري السابق، لتقاسم السلطة.