حقاً التونسيون على موعد من الديمقراطية، لكن جهات خارجية تحاول عرقلتهم

مع تحديد موعد الانتخابات في 15 سبتمبر/أيلول، تسير الحملة الانتخابية الرئاسية التونسية على قدم وساق، إذ إن هذه الانتخابات تنعقد قبل شهرين من موعدها الأصلي، بسبب الوفاة المفاجئة للرئيس السابق الباجي قايد السبسي -المايسترو الراحل للسياسة التونسية- في يوليو/تموز 2019. 

ولعددٍ من الأسباب، ستكون انتخابات هذا الشهر غير متوقعة، وغير مسبوقة، وتتخللها مُنافسةٌ محتدمة. وستؤثر تلك العملية ونتيجتها بشكل كبير في مستقبل البلد العربي الوحيد الذي خرج من الربيع العربي -الذي صار يُعرف في تونس باسم “ثورة الياسمين”- بحكمٍ ديمقراطي، بحسب تقرير  لموقع Lobelog الأمريكي.

وستكون انتخابات تونس ثاني انتخابات رئاسية، يُمكن اعتبارها ديمقراطية، في العالم العربي منذ خمس سنوات، كانت أولها انتخابات تونس الرئاسية لعام 2014. وعلى الرغم من أن المحللين، الذين تحيد معلوماتهم عن الصواب، قد أشاروا إلى خلاف ذلك؛ فإن التونسيين يدركون تماماً مقدار المخاطر القائمة. والحقيقة هي أنه، منذ الانتخابات البلدية التونسية التي انعقدت خلال العام الماضي، زاد تسجيل الناخبين بمقدار الثلث تقريباً.

الاقتصاد له تأثير 

وستنعقد الانتخابات الرئاسية على خلفية التحديات الرئيسية التي تفرضها هشاشة الاقتصاد التونسي، والتهديدات الخطيرة للتشدُّد العنيف. ومنذ الإطاحة بالديكتاتور السابق زين العابدين بن علي في عام 2011، ناضلت الدولة المغاربية لحماية نفسها من تهديد الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش. وفي ظل اعتماد الاقتصاد على السياحة للحصول على الدخل، تسببت الهجمات التي تستهدف السياح في خسائر فادحة، وما تزال تونس تتعافى من هذه الحوادث الوحشية.

وشأنها شأن عديد من الدول العربية الأخرى، تعاني تونس ارتفاع معدلات البطالة، التي تجاوزت 30% في بعض المدن، في حين يبلغ متوسطها 15.2% على مستوى البلاد، وهو ما يمثل زيادةً على معدل البطالة قبل الثورة، إذ كان يبلغ حينها 12% فقط. ونظراً إلى أن عديداً من المواطنين الذين يعيشون بالمناطق غير الساحلية في تونس غاضبون من البطالة، ونقص التنمية الاقتصادية، فلا يوجد ثمة مجال للشك في أن مستويات انعدام الرضا العام مرتفعة.

وبينما يمضي التونسيون قدماً في تجربة بلدهم الديمقراطية، فهُم ليسوا سُذّجاً بشأن مدى اكتساب القوى الرجعية المضادة للثورة -الداخلية والخارجية على السواء- مصالح في إلغاء مكتسبات ثورة الياسمين.

أجندات دول الخليج

بغض النظر عما تكشف عنه بقية هذه الحملة والانتخابات، ستظل الديمقراطية الناشئة بتونس في مواجهة اختبارات كبيرة. وأحد التحديات التي يجب على المسؤولين التونسيين معالجتها يتعلق بدور الملكيات الخليجية، وأجنداتها، داخل الدولة الواقعة في شمال إفريقيا. وعلى النقيض من الدول العربية والإفريقية الأخرى، سعت تونس -في ظل حكم السبسي- إلى تجنُّب محاولات أعضاء مجلس التعاون الخليجي منح تونس استثمارات اقتصادية وأمنية، مقابل امتثالها لطموحات المشيخات العربية في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

وفي حالة الإمارات العربية المتحدة، شملت هذه الخطط محاولة حشد بعض النخب التونسية لتقويض التأثير الذي تلعبه الحركات والشخصيات الإسلامية في النظام الديمقراطي التونسي. وعلى الرغم من أنهم لا يمثلون غالبية التونسيين، فإنَّ بعض النخب العلمانية دعمت جهود الإمارات، في تونس وغيرها، لمواجهة النفوذ القطري.

وبدأت تونس التحرك نحو المدار الجيوسياسي لدولة قطر بعدما بدأت الدوحة في زيادة استثماراتها داخل الدولة الشمال إفريقية، تحت مظلّة حكومة “الترويكا” التي تولّت السلطة في الفترة من 2011 وحتى 2014 بقيادة حزب النهضة الإسلامي. وبعد أن سلَّم حزب النهضة السلطة في عام 2014، بأعقاب خسائر انتخابية، انحرفت تونس عن مسار الدوحة وبدأت تقترب أكثر من دولة الإمارات العربية المتحدة. وتؤكد بعض الأصوات التونسية أنَّ هذا القرب المتزايد مع أبوظبي، تسبَّب في اتِّخاذ الإماراتيين إجراءات تهدف إلى قلب مكتسبات ثورة الياسمين، وهو ما أتاح فرصةً للإسلاميين التونسيين لاحقاً لجمع شملهم.

وفي 14 يناير/كانون الثاني، صرح الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، الذي تولّى السلطة في الفترة من 2011 إلى 2014، خلال مقابلةٍ مع صحيفة “الخبر” الجزائرية، بأنَّ أبوظبي سعت إلى منع حدوث ثورة الربيع العربي في البلاد، حتى إنَّه اتهم الإمارات العربية المتحدة بعداء التونسيين والتخطيط للإرهاب ضد الدولة الشمال إفريقية. وقال المرزوقي: “كان واضحاً أن هناك إرادة إقليمية لإفشال الربيع العربي، الذي فشل بالحرب الأهلية في ليبيا وسوريا واليمن، وبالانقلاب العسكري في مصر. إننا نؤكد من جديد أننا نشعر بوجود مؤامرة ضد تونس تهدف إلى زعزعة استقرارها، وبأن غرفة العمليات في الإمارات العربية المتحدة هي الرأس المدبر وراءها”.

الخطر الإماراتي كما يراه المرزوقي وغيره 

ومن بين جموع التونسيين، لم يكن المرزوقي وحده الذي ينظر إلى الإمارات باعتبارها تهديداً للتجربة الديمقراطية في تونس. فخلال صيف عام 2018، كانت هناك احتجاجات بتونس نتيجة الغضب بشأن ما أشارت إليه صحيفة Le Monde Afrique باعتباره محاولة انقلاب، وطالب المتظاهرون في العاصمة حينها بإنهاء التدخل الأجنبي في تونس وطرد سفير أبوظبي. وبحسب الصحيفة الفرنسية، كان وزير الداخلية التونسي، لطفي براهم، مسؤولاً عن هذه المؤامرة التي تم التخطيط لها بالتنسيق مع أجهزة المخابرات الإماراتية.

ويتشارك حزب النهضة وحزب حركة نداء تونس العلماني، السلطة بموجب معاهدة قرطاج لعام 2016، والتي تركت أبوظبي في وضع غير مُريح. ومن وجهة نظر القيادة الإماراتية، كان صعود حزب النهضة بتونس، في الفترة التي أعقبت عام 2011، يمثل تهديداً لأن القادة الإماراتيين ينظرون إلى الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين -على غرار حزب النهضة- باعتبارها متشدِّدة. وعلاوةً على ذلك، أدى قرار تونس تبنِّي موقفٍ مُحايد، فيما يتعلق بالحصار المفروض على قطر، إلى توتر العلاقات بين أبوظبي وتونس.

ومن ثم، في سياق دعم الإمارات العربية المتحدة للحكومة التي يقودها الجيش بمصر، والتي تولت السلطة بانقلابٍ عام 2013، وكذلك رعاية أبوظبي للحملة العسكرية المستمرة للجنرال الليبي خليفة حفتر والهادفة إلى اقتناص السيطرة على طرابلس؛ فإن التونسيين قلقون بشأن كيفية استهداف الإمارات -وحلفائها في المملكة العربية السعودية ومصر- للديمقراطية في بلدهم. وأعرب تونسيون، ومن ضمنهم المرزوقي، عن قلقهم إزاء التصوّرات التي تتمخّض عنها الإمارات العربية المتحدة ومصر للجزائر المجاورة، والتي تشهد مرحلةً انتقالية حساسة في أعقاب حكم عبدالعزيز بوتفليقة.

وفي الواقع، بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، كانت تدخلاتهما بعد عام 2011 في شمال إفريقيا موجَّهة بشكل كبير نحو خلق هيمنةٍ إماراتية-سعودية في المنطقة، وإفشال جهود الفاعلين الإسلاميين السنّيين -مثل حزب النهضة- الطامحين إلى الصعود للسلطة وخلق نماذج سياسية بديلة تتحدى الوضع الراهن في العالم العربي.

الرافضون للتغيير وتونس 

وعلى الرغم من حقيقة أنَّه لطالما كان مفهوماً على نطاق واسع، أنَّ تونس هي الدولة التي حفّزت اشتعال الثورات على مستوى المنطقة في عام 2011، وهو ما جعل ملوك الخليج العربي ينظرون إلى ثورة الياسمين باعتبارها تهديداً بالغ الخطورة- فإنَّ دول مجلس التعاون الخليجي كانت أقل مشاركةً بشكلٍ واضح في النظام التونسي الذي أعقب الربيع العربي مقارنةً بدول أخرى مثل البحرين ومصر وليبيا وسوريا واليمن. ومع ذلك، كان هناك تورطٌ من دول الخليج في الساحة السياسية بتونس بعد سقوط بن علي، وقد أثقل هذا التورط تونس بالضغوط، خاصةً أنَّ أزمة دول مجلس التعاون الخليجي قد عملت على تفاقم التصدعات الأيديولوجية في المنطقة. ومع ذلك، يعود الفضل إلى التونسيين في نجاحهم الملحوظ، على الأقل حتى الآن، وتحصين بلادهم من الأجندات العدائية التي تنتهجها دول الخليج.

وسيكون الاختبار الرئيسي لتونس كامناً في انتخاب القيادة التي ما تزال قادرةً على مواصلة هذا النجاح، لا سيّما من زاوية الحفاظ على الاستقرار الذي قد يهدده التدخل السياسي الخليجي المفرط.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top