ترامب لا يعرف شيئاً عن إيران والنتيجة ما وصلت إليه الأمور من اضطراب خطير

وصلت الأمور بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لدرجة خطيرة تنذر باندلاع مواجهة عسكرية في أي لحظة واللافت فيما يحدث أن طهران تبدو كمن يسعى لتلك المواجهة عكس واشنطن التي تتجنبها وهو ما يفترض أن يكون معكوساً بحسابات القوة المجردة، فما الذي أوصل الأمور لتلك الدرجة الخطيرة من الاختلال؟

موقع لوب لوغ الأمريكي نشر مقالاً لرضوى نكار أكاديمية إيرانية متخصصة في الأنثروبولوجيا السياسية، ولها كتابات نقدية تتعلق بسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تناول هذه الإشكالية من منظور تحليل آليات اتخاذ القرار في دوائر صنع السياسة الأمريكية بعنوان: “المشكلة المنهجية المتعلقة بـ”الخبرة بالشؤون الإيرانية” في واشنطن”.

الخبير ذو الحصانة

أود في هذا المقال أن ألفت الانتباه إلى المشكلة المنهجية المتعلقة بـ “الخبرة بالشؤون الإيرانية” في واشنطن، وهي ليست جديدة ولا تقتصر على الأجنحة السياسية المتشددة التي تدير السياسة الخارجية للولايات المتحدة الآن. وأنا أجادل هنا مؤكداً أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية خلقت بشكل جماعي ثقافةً تنطوي على حصانة تُضفى على الخبير عندما يتعلق الأمر بإيران، وهو ما ساهم إلى حد كبير في الأوضاع والسياسات المضطربة والخطيرة التي نشهدها في ظل إدارة ترامب اليوم.

وأنا أتناول هذه القضية بعد أن تابعت من كثبٍ مناقشات السياسة الأمريكية تجاه إيران منذ عام 2006. فقد عملت لمدة ثلاث سنوات في أحد مراكز الأبحاث الرئيسة المشتغلة بالسياسة الخارجية، ورأيت بشكل مباشر كيف تنتج المعرفة عن الجمهورية الإسلامية. 

ودرست في وقت لاحقٍ، بصفتي باحثاً، دورَ مراكز الأبحاث في صياغة السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. وقابلت خلال عامين من العمل الميداني الإثنوغرافي في العاصمة واشنطن من عام 2014 إلى عام 2016، أكثر من 180 جهة فاعلة في مجال السياسة الخارجية داخل وخارج الحكومة، وحضرت مئات الفعاليات السياسية، وتابعت خبراء مراكز الأبحاث المشتغلين بالشؤون الإيرانية شخصياً ومن خلال كتاباتهم.

ما صفات “خبراء الشؤون الإيرانية” الذين تهتم واشنطن بآرائهم؟

لقد تمكنت خلال هذا البحث الأوليّ من توثيق التضليلات المتعلقة بـ”الخبرة بالشؤون الإيرانية” التي يرتكبها مجتمع السياسة الخارجية الأمريكية. وقد ظهر هذا التضليل في أغلب الأحيان بين أولئك الذين يدعمون تغيير النظام الإيراني أو المواجهة مع إيران. وهؤلاء الأفراد غالباً ما يعمدون إلى إساءة الترجمة أو إساءة الوصف أو تبسيط الأدلة إلى حد خطير لدعم أجنداتهم الإيديولوجية ضد الجمهورية الإسلامية. لكن الإساءات المتعلقة بالخبرة تلك ليست مقصورةً على صقور العاصمة أو أجنحتها المتشددة. فقد واجهت أيضاً افتقاراً مذهلاً إلى الاهتمام بفهم تعقيدات إيران المعاصرة بين الجهات الفاعلة الليبرالية التي تحبذ مشاركة دبلوماسية أوثق مع الجمهورية الإسلامية. 

وكما أخبرني عضو سابق في فريق أوباما الذي تفاوض بشأن “خطة العمل الشاملة المشتركة” JCPOA ، “بمجرد اتخاذ قرار التفاوض مع إيران، لم نعد في حاجة إلى خبراء الشؤون الإيرانية. لقد أصبحنا ببساطة في حاجة إلى خبراء نوويين”.

حتى عندما يلتفت المسؤولون الحكوميون الأمريكيون إلى “خبراء الشؤون الإيرانية” لصياغة أو إضفاء القانونية على قراراتهم السياسية، فإنهم يميلون إلى الاعتماد على كادرٍ من المحللين المضمونين داخل المؤسسة والذين يحملون أوراق اعتماد أو شهادات من تخصصات أكاديمية مختلطة في أحسن الأحوال.

وعند النظر إلى أفضل الخبراء المشتغلين بالشؤون الإيرانية في مراكز الأبحاث الكبرى التي تقع في العاصمة واشنطن في الفترة بين عامي 2014 و2016، فإن ثلثهم بالكاد أو حتى أقل من ذلك قد حصل على شهادة الدكتوراه عن أطروحات في مواضيع تتعلق بإيران. وعلى الرغم من عدم حاجتك إلى درجة الدكتوراه لكي تصبح خبيراً ذا حيثية في الموضوع، فإن أعضاء المؤسسة يستعملون هذا المؤهل الأكاديمي بوصفه معيارهم الداخلي على الخبرة. ومن ثم، فإن معظم خبراء الشؤون الإيرانية البارزين أو الذين يضفون البروز على أنفسهم ليسوا مؤهلين، وفقاً لمعايير المؤسسة ذاتها، إلى تلك الدرجة التي يدعونها.

لا يعرفون الفارسية ولم يزوروا إيران

علاوةً على ذلك، فإن نحو نصف خبراء الشؤون الإيرانية العاملين بمراكز الأبحاث القائمة في العاصمة واشنطن خلال فترة عملي الميداني، لم يكونوا يجيدون القراءة أو الكتابة أو التحدث باللغة الفارسية. وعددٌ مماثل لم يكن قد سبق له قط أن وطئت قدمه داخل إيران. وقد أخبرني أحد مساعدي الباحثين العاملين في مركز أبحاث بارز كيف أنه، بوصفه يقرأ العربية، سيقرأ مقالات إخبارية باللغة الفارسية بصوتٍ عالٍ لمساعدِ باحثٍ آخر يمكنه التحدث باللغة الفارسية فقط (لكن ليس قراءتها). ثم يقوم الاثنان معاً بـ”ترجمة” المقالات الإخبارية الإيرانية لرئيسه في العمل، وهو خبير متخصص في شؤون الشرق الأوسط وكثيراً ما يعلق على الشؤون الإيرانية.

ومع ذلك، فقد دُعي هؤلاء الخبراء، بغض النظر عن خلفيتهم أو تدريبهم، من قبل المسؤولين الحكوميين الأمريكيين ووسائل الإعلام ومجموعات المصالح المختلفة للإدلاء بشهاداتهم بوصفهم محللين حول كل ما يخص إيران تقريباً: من هيكلها الحكومي المعقد إلى سياساتها الإقليمية، وقدرات إنتاج النفط، والتكنولوجيا النووية، والتاريخ الحديث، والديناميات الاجتماعية، وتعقيدات الفقه المذهبي الشيعي.

وكما قال أحد الذين تحدثت إليهم في واشنطن: “هل يمكنك أن تتخيل شخصاً يزعم أنه خبير في الشؤون الفرنسية؟ مثل كل ما يخص فرنسا؟ تاريخها وثقافتها وسياستها وما إلى ذلك. ثم تخيل أن هذا الشخص لا يمكنه حتى التحدث باللغة الفرنسية أو أنه لم يسبق له أن زار فرنسا قط”. ومع ذلك، فإن هذا هو بالضبط ما يجري قبوله بوصفه خبرةً بإيران هنا في العاصمة الأمريكية. وقد استُدعي أحد الخبراء -الذي لم يدرس إيران بشكل أكاديمي رسمي قط، ولا يفهم اللغة الفارسية، ولم يسبق له الذهاب إلى إيران من قبل، علاوةً على أنه لم يكن لديه أي خبرة فنية في التكنولوجيا النووية- للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس بوصفه شاهداً خبيراً في الشؤون الإيرانية بين عامي 2014 و2015.

الخبير الحقيقي موضع اتهام وتخوين

في حين أنه غالباً ما يُتجاهل هؤلاء المحللون الذين بإمكانهم تقديم تقييمات مدروسة بعناية ومتعمقة ومتخصصة في الشؤون الإيرانية، في واشنطن بزعم أنهم “نخبويون للغاية”، أو أسوأ من ذلك، تُشوه سمعتهم بوصفهم “مدافعين اعتذاريين عن النظام الإيراني”. وكما أوضح لي محلل إيراني أمريكي يُستعان بخدماته باستمرار على هامش مؤسسة السياسة الخارجية في العاصمة الأمريكية، قائلاً: “قل أي شيء مخالف للنغمة السائدة عن إيران، تغدو على الفور [متهماً بأنك] ناطقٌ تتحدث بلسان آيات الله”.

وقد كشفت تسريبات في يونيو/حزيران عن أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أخذت تموّل حسابات وهمية عبر الإنترنت لتشويه الأصوات الإيرانية الأمريكية المؤيدة للسلام بينهما من خلال “مشروع نشر معلومات مضللة عن إيران” (Iran Disinformation Project)، وهو ما يبين إلى أي مدى كانت توجه النقاشات في واشنطن حول إيران عن قصدٍ نحو نقاط التصعيد والعداء بين البلدين.

تهميش منهجي لدور الخبراء

إن تعيين المشكلة المتعلقة بالخبرة بالشؤون الإيرانية في واشنطن أسهل بكثير من محاولة شرح كيف ولماذا استمرت هذه المشكلة. إذ أن هناك الكثير من العوامل التي يجب أخذها بعين الاعتبار، بعضها ليس منحصراً في المسائل الإيرانية، ولكنه يتحدث عن قضايا هيكلية أوسع.

جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق

يجب علينا أولاً أن ننظر إلى القوى غير المنظمة التي يحركها السوق ومصالحه للتوسع في “صناعة خبراء السياسات” في واشنطن خلال العقود القليلة الماضية. وقد سمح “السوق الخاص بالأفكار” هذا لعدد متزايد من جماعات المصالح والحكومات الأجنبية بتوفير مستويات غير مسبوقة من التمويل لمراكز الفكر والأبحاث ومؤسسات البحوث والدراسات السياسية وسيلةً لإضفاء الشرعية على مصالحها الخاصة داخل مؤسسة السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، فإن خبراء مراكز الأبحاث الذين يتلقون أموالاً من جهات مانحة لها حصص مباشرة في النتائج التي تخرج بها أبحاثهم ليسوا ملزمين قانونياً (أو يتوقع منهم مهنياً) بالإعلان عن تضارب المصالح هذا، حتى عندما يقدمون تحليلاتهم على أنها محايدة و/أو موضوعية من الناحية السياسية.

كما ينبغي لنا أيضاً طرح أسئلة حول مدى أهمية “الخبرة التخصصية” و”الأدلة الموضوعية” في صياغة قرارات السياسة الأمريكية، وهي مشكلة تعود إلى ما قبل الإدارة الأمريكية الحالية بفترة طويلة.

وأعرب العديد من صناع السياسات الذين قابلتهم خلال عملي الميداني عن حزنهم بسبب الطوفان اليومي من التحليلات والأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي التي يجب عليهم التنقل بينها لأداء وظائفهم على نحو جيد. وهم عندما يلجأون بالفعل إلى الخبراء للشهادة أو تقديم المشورة، فإنهم يميلون إلى اختيار من يمكنه تركيب المعلومات وطرحها بطريقة بسيطة وسهلة التقبّل، ثم تقديم توصيات سياسية واضحة وقابلة للتنفيذ و/أو تعزيز مواقفهم السياسية الخاصة بشكل صريح. ومن ثم فليس من المستغرب أن يكون المسؤولون السابقون في الحكومة الأمريكية والمحللون المدعومون من حلفاء سياسيين أقوياء وهؤلاء الرموز المعروفون ودائمو الحضور في وسائل الإعلام، هم الخبراء الأكثر قيمة بالنسبة إلى صانعي السياسات.

علاقة معقدة

وبعد ذلك يجب أن ننظر بعين الاعتبار إلى تلك العلاقة المعقدة (والتي غالباً ما تكون متناقضة) بين الدراسة الأكاديمية والحكومة الأمريكية. إذ إن المجالات الأكاديمية التي يمكن لها أن توفر للحكومة التحليلات المتعمقة والتي هي في أشد الحاجة إليها عن دولة مثل إيران، (الدراسات الشرق أوسطية، على سبيل المثال)، كثيراً ما تحولت إلى المجالات الأكثر انتقاداً لخدمة المصالح الأمريكية في الخارج. 

ومع ذلك، فإنه في إطار الاقتطاعات المتزايدة لميزانيات البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لا تزال العديد من الإدارات الأكاديمية والباحثين المنفردين يبحثون عن التمويل الحكومي ويسعون وراء صانعي السياسات في الحكومة وسيلةً للبرهنة على “أهميتهم وجدارتهم”. وفي الوقت نفسه، فإن نخبة صناعة السياسات في واشنطن غالباً ما تتجاهل بشكلٍ قاطعٍ الباحثين الأكاديميين الذين ترى أنهم “غير مناسبين” أو “معادين” لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، زاعمين أنهم “غير جديرين بالثقة” بما يكفي لشغل مناصب المستشارين السياسيين. وقد كانت عواقب استبعاد الأصوات الأكاديمية، خاصة تلك التي تنتقد سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وخيمة. فقد شهدت العراق، على سبيل المثال، قبل الحرب في عام 2003، العملَ بفعالية على طرد معظم العلماء الجادين في البلاد (وبطبيعة الحال العديد من الخبراء الأمنيين وخبراء الطاقة النووية) عندما أخذوا يحذرون من الغزو.

وفي حالة إيران، تتقاطع هذه العوامل الهيكلية (أي التمويل المدفوع بالمصالح لمراكز الأبحاث، والتهميش الحكومي للخبراء المتخصصين) مع مآخذ واشنطن التاريخية والمعاصرة ضد إيران، والتي يعد بعضها قانونياً أو له ما يسوغه، أم بعضها الآخر فمتجذرٌ في أشكال أعمق من جنون العظمة والعنصرية. أضف إلى ذلك، الدور الهائل للحكومات الأجنبية وجماعات المصالح المعادية لإيران في واشنطن، لتحصل على مشهد استقصائي كاشف حول إيران، حيث الدراسات لا تنفك تتخلى عن التمايزات الدقيقة والتعقيد والأبحاث الأولية، في أحسن الأحوال، وتعمد إلى مهاجمتها في أسوأ الأحوال.

هل الخبرة بالشؤون الإيرانية أمر ذو أهمية؟

هل الافتقار إلى خبرة جدية بالشؤون الإيرانية أمر ذو أهمية؟ أخبرني العديد ممن تحدثوا إلي وكانوا يعملون في إدارة أوباما، صراحةً أنها لم تكن أمراً مهماً. فقد كانوا قادرين، في النهاية، على التفاوض مع إيران في حل دبلوماسي كامل بشأن برنامجها النووي مع أقل القليل من المدخلات من الخبراء الذين لهم معرفة عميقة بالبلاد.

لكني أود، استناداً إلى بحثي الخاص، أن أعارض ذلك بالقول أن الخبرة التخصصية داخل مجتمع صناعة السياسات هذا، أمرٌ على جانب عظيم من الأهمية. ولا يتعلق الأمر بخبير ما بالشؤون الإيرانية قد يسهم في تشكيل استجابة سياسية ما، بل بسبب القوة الجماعية التي يتمتع بها هؤلاء الخبراء في تشكيل وإعادة تشكيل “المعرفة التقليدية” في واشنطن، والتي تنطوي على الافتراضات والقيم والأفكار الأساسية التي تحتكم إليها، بعد ذلك، قرارات السياسة الأمريكية.

والأمر مع إيران أن خبراء السياسات في العاصمة الأمريكية يعمدون إلى نشر أفكار معينة داخل وخارج الحكومة إلى أن تأخذ مكانة الحقيقة التي لا جدال فيها. ويأخذون في الظهور في البرامج المختلفة عبر قنوات الكابل التلفزيونية للحديث عن أهداف ومخاطر السياسة الأمنية لإيران والتي تُنشر بعد ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مقاطع صوتية وشعارات مختصرة. علاوة على أن معظمهم لديهم الآلاف، إن لم يكن مئات الآلاف من المتابعين على تويتر. ثم يُستدعون للإدلاء بشهادتهم أمام الكونغرس، مما يعزز مكانتهم بوصفهم “خبراء بالشؤون الإيرانية”. وينشرون تقارير يجري اختيارها والاستشهاد بها من قبل المسؤولين والموظفين داخل وزارة الخارجية ووزارتي الدفاع والخزانة. 

ومن خلال ذلك، يمكن للخبراء بدورهم تأمين تمويل إضافي من جماعات المصالح والحكومات الأجنبية والمؤسسات الخاصة اعتماداً على هذا النوع من الظهور الإعلامي والنفاذ إلى الحكومة. ليصل الأمر إلى انضمام بعض هؤلاء المحللين ببساطة إلى الإدارة، كما فعل جون بولتون، ويحوزون القوة اللازمة لدفع أفكارهم للتحقق من الداخل. ويمكننا، من خلال وعبر هذه الطرق المختلفة، أن نرى حلقة تدور حول نفسها من التقريرات والتعقيبات التي لا تخضع لفحص أو مساءلة حول الجمهورية الإسلامية.

الحوثيون في اليمن / رويترز

خذ، على سبيل المثال، قضية الحوثيين في اليمن، الذين تحولوا، بطريقة ما، في تقاليد مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، من مجتمع شيعي أصيل ذي تاريخ ممتد ومعقد داخل بلده الخاص إلى مجرد “الحوثيين المدعومين من إيران” أو “وكيل إيران” في اليمن. إن هذه النعوت الاختزالية المغالية في تبسيطها للأمور تنكر الوكالة السياسية للشعب اليمني، رغم أن كثيرين منهم تعالت أصواتهم رداً برفض هذه الصفات والشعارات المختزلة عنهم. لكنها مع ذلك أصبحت أيضاً ذريعة لدعم واشنطن المستمر للحصار المدمر والحرب التي تقودها السعودية على اليمن، وهي حرب ٌ أودت بحياة الآلاف.

وهناك ادعاء آخر واسع الانتشار في واشنطن، رغم اشكاليته، وهو أن قادة إيران كذابون بطبيعتهم. ولإضفاء بعض المصداقية على تلك الفكرة، أخذ “خبراء الشؤون الإيرانية” (خاصة من اليمينيين) يرجعون ذلك إلى مفهوم “التقية”، وهي ممارسة تاريخية كانت تسمح للشخص بإخفاء هويته الشيعية لحماية نفسه من اضطهاد الحاكم له سواء كان حاكماً سنياً أم غير مسلم. وما جرى أنه بدلاً من الاستدعاء الجدي للسياق التاريخي أو اللاهوتي لهذه الممارسة أو العنصرية التي ينطوي عليها الاتهام، فإن مسؤولي السياسة الخارجية في واشنطن الذين كانوا يدعمون المفاوضات في إيران في عام 2015، أسقطوا الاتهام ببساطة على خصومهم. 

وصرّحت ويندي شيرمان، أحد المفاوضين الأساسيين في مفاوضات خطة العمل الشاملة مع إيران، تصريحها الشهير: “الخداع جزءٌ من الحمض النووي” لقيادة إيران. وبناءً على هذه الرؤية، قلبَ فريق إدارة أوباما شعار الرئيس الأمريكي السابق ريغان “ثق [في من تتعامل معه]، لكن تحقّق [منه]” (والمأخوذ في الأصل من مقولةٍ روسية)، لتصبح رؤيتهم أن التعامل مع إيران في ما يخص برنامجها النووي سيكون قائماً على التحقق، لا الثقة. ومنذ ذلك الحين، أخذت إدارة ترامب تستخدم هذا الرأي الذي قال به أحد الخبراء واجتمع عليه الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول الخيانة المتأصلة في زعماء إيران، لرفض الصفقة النووية التي جرى التفاوض عليها دولياً مع الجمهورية الإسلامية.

ولا أظن أن الأمر يحتاج إلى خبير بالسياسة الخارجية لربط النقاط وتبين الحقيقة

الرئيس الإيراني حسن روحاني

ومن هنا، فإنه بدون إجراء أبحاث أساسية تتمتع بمعايير الموضوعية والكفاءة، والأهم من ذلك، تخضع للنقد والمساءلة، بشأن إيران، ستتمكن شخصيات مثل بولتون من الاستمرار في تسويغ سياسات مهددة بالخطر من خلال الاستفادة ببساطة من محيط الأفكار الإشكالية والتقييمات ضحلة المستوى ذاتها حول إيران، وهي، للمفارقة، الأفكار عينها التي أسهم خصومه السياسيون في واشنطن في نشرها والترويج لها.

إذا كنا نرغب في رؤية تغيير دائم في سياسة الولايات المتحدة إزاء إيران داخل المؤسسة الأمريكية، فعلينا أن نطالب بمستوى أعلى من الخبرة التخصصية حول بلد أخذ يحتل اهتمام دوائر السياسة الخارجية هذه خلال الجزء الأكبر من العقدين الماضيين. ونحتاج إلى الدفع باتجاه إقامة منهج جديد في التعامل، حيث تُفحص الحقائق ويُعاد فحصها، وحيث تُثبت الاتهامات بأدلة، وحيث يخضع أولئك الذين يدعون الخبرة بالشؤون الإيرانية لمعايير أخلاقية ومؤهلات معينة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top