التايمز: تظاهرات مصر باغتت السيسي، وصراع الأجنحة وصل لمستوى خطير

قالت صحيفة The Times البريطانية إن تعامُل السلطات المصرية مع التظاهرات المطالبة برحيل الرئيس عبدالفتاح السيسي يؤكد أن حالة القمع في البلاد عادت إلى ما كانت عليه في السابق.

وبحسب الصحيفة البريطانية ربما كان القبض على ماهينور المصري، المحامية الشابة، هو أفضل دليل يوضح أن دورة عجلة الاحتجاجات والقمع في مصر عادت إلى حيث بدأت.

كانت ماهينور المصري (33 عاماً) شوكة في حلق السلطات لسنوات، إذ شاركت بحملات لمناصرة العديد من القضايا بدءاً من حقوق المرأة حتى معاملة اللاجئين. ومثَّلت المحتجين السجناء أمام المحاكم، وسُجِنَت هي نفسها بسبب تنظيمها اعتصامات.

المدن تنتفض ضد السيسي

وفيما تشهد مدن مصر الرئيسية موجة من التظاهرات الجديدة غير المتوقعة في الأيام الأخيرة ضد نظام السيسي، قرَّرت السلطات أنَّها قد فاض كيلها؛ فاعتُقِلَت ماهينور هي الأخرى حين وصلت إلى مقر نيابة أمن الدولة في القاهرة، الأحد 22 سبتمبر/أيلول، كي تتولى تمثيل المحتجين.

فقالت صديقتها نهى كمال لموقع “مدى مصر” الإخباري المصري إنَّ ماهينور صرخت أثناء حديثها عبر هاتفها المحمول قائلةً “إنَّهم يلقون القبض عليّ”، قبل أن يُغلَق هاتفها. وقال شهود عيان إنَّ ثلاثة ضباط يرتدون ملابس مدنية جذبوها إلى سيارة ميكروباص.

بدا أنَّ الاحتجاجات الأولى مساء الجمعة 20 سبتمبر/أيلول قد باغتت السلطات. وعلى عكس الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس مبارك عام 2011، لم يكن للتظاهرات الصغيرة، لكن الصاخبة، في القاهرة والإسكندرية والسويس قيادات واضحة، والأمر الأكثر إثارة للدهشة أنه لم يكن هناك رد منظم تجاهها. فكان النظام يسحق المعارضين بلا هوادة منذ 2013، حين استولى السيسي (64 عاماً) على السلطة من القيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، وكان يعتقل الناطقين بلسان حال كلٍّ من الليبراليين والإسلاميين عند أول إشارة على حدوث متاعب.  

مصر بين الدول التي تمارس قسوة بالغة ضد المعارضين للسلطات – رويترز

لكنَّ اضطرابات نهاية الأسبوع تلك لم تشعلها الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو الإسلاميون، بل الرجل الذي لم يكن بالحسبان محمد علي، وهو رجل أعمال كان يعمل مقاول إنشاءات في مشروعات الجيش. وقد خرج علي إلى المنفى الاختياري في إسبانيا بعد خلافٍ بشأن المدفوعات 

محمد علي بدا بطلاً

وبدأ في نشر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي ذكر فيها أن السيسي وجنرالاته متورطون في عمليات إساءة استغلال واسعة النطاق للأموال العامة. وزعم على وجه التحديد أنه بنى قصوراً خاصة لهم في مُجمَّعات تابعة للدولة في أنحاء البلاد.

سرعان ما انتشر نقاشٌ عام على الرغم من القيود الصارمة المفروضة على مواقع التواصل الاجتماعي. وأصبح محمد علي ناطقاً بلسان حال حالة أوسع نطاقاً من عدم الرضا تجاه النظام، ليس فقط بسبب الفساد، لكن أيضاً بسبب الإخفاقات الاقتصادية الأوسع. ودعا لتكرار “المسيرات المليونية” التي أطاحت بمبارك الجمعة المقبلة 27 سبتمبر/أيلول، وتسابق السلطات الزمن لتنسيق رد فعلها.

رجل الأعمال والفنان المصري محمد علي – مواقع التواصل

كانت معظم مسيرات نهاية الأسبوع صغيرة وسلمية تجمَّع فيها المئات من الأشخاص في الشوارع المحيطة بميدان التحرير في القاهرة، إلى جانب أعداد مماثلة في الإسكندرية والسويس. وفي السويس، التي لطالما كانت مركزاً للاحتجاج، وقعت بعض المصادمات مع الشرطة.

وسُمِعَت هتافات عام 2011 المُطالِبة بسقوط النظام مجدداً، إلى جانب دعوات لإنهاء الحكم العسكري.

ألقت قوات الأمن القبض على العشرات. وقال المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إنه وثَّق 356 حالة. وإلى جانب ماهينور المصري، اعتُقِلت أصوات معارضة أخرى كذلك مثل كمال خليل، وهو ناشط عمالي اشتراكي، والمدون محمد إبراهيم الشهير بـ “محمد أكسجين”.

السيسي في مواجهة الغضب الشعبي

قال بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: “ما نراه اليوم هو تطور تاريخي. فالسيسي واجه للمرة الأولى منذ 6 سنوات موجة غضب شعبي ترفض نظامه بصورة علنية، ليس فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن كذلك في الشوارع بالعديد من المدن”.

كانت وسائل الإعلام تتمتع بحالة انتعاش بعيداً عن قيود الدولة قبل وصول السيسي للسلطة. لكن منذ ذلك الحين، أُعِيدَت مرة أخرى للامتثال لقيود الدولة، وتشن الآن حملةً شرسة ضد المحتجين، مُتهِمةً إياهم بالعمل لصالح “أجندات أجنبية لتخريب البلاد”.

وقام أحمد موسى، وهو مذيع تلفزيوني مُوالٍ للسيسي، على وجه التحديد بإطلاق لسانه، فهدَّد المحتجين عبر تذكيرهم بأنَّ الكاميرات تراقب الشوارع. وقال لمشاهديه: “أولئك الذين تظاهروا وعادوا إلى بيوتهم مُعتقِدين أنَّهم باتوا في مأمن، أنا أقول لكم أنَّكم لستم في مأمن. ستُحاسبون بالقانون. وأولئك الذين لم يُلقَ القبض عليهم اليوم، سيُلقى القبض عليهم غداً”.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي – رويترز

ووجهات النظر هذه ليست بلا دعمٍ شعبي. فالكثير من المصريين يخشون إصابة البلاد بانهيارٍ اقتصادي طويل المدى، أو عدم قدرتها على كبح التشدد الإسلامي، إذا ما اضطرت لخوض اضطرابات سياسية جديدة.

وبدأ تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” نشر هاشتاغات مناهضة للسيسي في قنواته على مواقع التواصل الاجتماعي، وحذَّر السيسي نفسه مراراً من أنَّ بلاده مُستهدفة من الإرهاب، مشيراً ضمنياً إلى أنَّ البديل له ستكون هي الفوضى على غِرار سوريا والعراق.

لكن ليس واضحاً إلى أي مدى زمني إضافي يمكن لتلك التهديدات أن تنجح. إذ قارن مسعد أبوفجر، وهو ناشط قَبِل في البداية بانقلاب 2013، تلك التهديدات بتكتيكات الرئيس السوري بشار الأسد. وقال إنَّ الجيش قد شجَّع الفوضى والتشدد بعد 2011، بما في ذلك بسيناء حيث يوجد تمرد لداعش، حتى يتمكَّن من تصوير نفسه باعتباره ضامناً للاستقرار.

لكنَّ الاحتجاجات الجديدة تطعن في هذه الصورة. فقال أبوفجر: “أصبح السيسي ضعيفاً، وعندما تفقد الأجهزة رئيسها، لا يمكنها المواصلة”.

صراع الأجنحة داخل النظام

ومن الصعب دوماً تقدير آليات العمل الداخلية في النظام المصري. فتاريخياً، كان النظام منقسماً بين مراكز السلطة المتنافسة، بما في ذلك الجيش والمخابرات العامة والشرطة وأمن الدولة، وكثيراً ما تكون هناك شائعات بأنَّ جهازاً أو آخر من هذه الأجهزة يشعر بالاستياء أو التجاهل من الرئيس.

وفي الفترة التي سبقت احتجاجات نهاية الأسبوع، عملت العديد من المواقع التي حُجِبَت سابقاً. وامتنع الجيش عن نشر القوات في الشوارع مثلما جرت العادة، ورأى البعض في ذلك إشارة إلى أنَّ قادة الجيش ربما يتخلون عن الرئيس في حال كسبت التظاهرات زخماً.

وقال بهي الدين حسن إنَّها إشارات على وجود “تمرد”.

ويُعتقَد على نطاق واسع أنَّ مسؤولين كباراً وسابقين في جهاز المخابرات العامة ناقمون من الترقّي السريع لمحمود السيسي، نجل الرئيس، وإقالة رئيس الجهاز السابق، الذي حلَّ بدلاً منه عباس كامل، أقرب مساعدي الرئيس.

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي/ مواقع التواصل

لكنَّ حسن أضاف أنَّ هذا لا يُترجَم بالضرورة إلى انتفاضة ناجحة. فلم يكن هناك حشد مسبق من مجموعات المعارضة كما حدث في 2011، بالإضافة إلى أنَّ السيسي ضَمِن دعم وسائل الإعلام له.

كان عدد المتظاهرين صغيراً، ويغلب عليهم الشباب. ووقف المشاركون السابقون في انتفاضة 2011، الذين باتوا الآن في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، مكتوفي الأيدي إلى حدٍّ كبير. فبعد ثورة أنتجت حكماً عسكرياً أشد، يُقال إنَّهم حذرون من الوقوع في نفس الخطأ مجدداً.

وفقد معظم قيادات المعارضة الرسمية مصداقيتها منذ 2011، ومنعت قبضة النظام الحديدية ظهور قيادات جديدة.

وقال محمد علي في مقطع الفيديو الأخير له من المنفى إنَّ المصريين الآن أمامهم أسبوع كي ينتفضوا.

وفي مفارقة واعية منه، دعا علي وزير الدفاع، محمد أحمد زكي، للتحرُّك، وكان هذا هو المنصب الذي يشغله السيسي حين عزل مرسي من السلطة في 2013. وقال علي: “يا وزير الدفاع، أنا في انتظار الجواب برحيل السيسي”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top