بدا الرئيس أكبرَ عمراً، والارتباك كان واضحاً عليه، كان هذا وصف مصدر أمني لحالة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعد عودته من اجتماعات الأمم المتحدة صبيحة يوم الجمعة، الذي دعا فيه محمد علي للتظاهر ضده.
مرَّ اليوم من دون تظاهرات تُذكر، بعد أن نفَّذت السلطات المصرية حملة اعتقالات غير مسبوقة، منذ مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2016، وأغلقت الميادين الرئيسية، وشنَّت حملة تخويف تضمَّنت القيام بتفتيش الهواتف المحمولة وتوقيفات عشوائية.
ولكن ما قبل الجمعتين 20 و27 سبتمبر/أيلول 2019، ليس كما بعدهما، لقد ترك هذا اليوم أثرَه على مصر كلها، وبالأكثر النظام ورئيسه.
وبدت واضحة محاولة استمالة المصريين وتنفيس غضبهم.
في هذا التقرير نرصد أبرز المعلومات بشأن قرارات السيسي لاحتواء غضب المصريين، ما بدأ تنفيذه والمتوقع تنفيذه.
على خُطى بن علي.. لقد فهتمكم
فور عودته من نيويورك، الجمعة الماضية، عقب حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أجرى الرئيس المصري عدة اجتماعات مع وزراء مصريين، لمناقشة تداعيات الأحداث التي سبقت زيارته لواشنطن، وخروج الآلاف للتظاهر والمطالبة برحيله، استجابة لدعوات وجَّهها الفنان والمقاول المصري محمد علي، الجمعة 20 سبتمبر/أيلول.
وعلى خطى الرئيس التونسي المخلوع بن علي، وفور اندلاع المظاهرات التي أطاحت به ومقولته الشهيرة “أنا فهمتكم”، خرج الرئيس السيسي في تعليق له مخاطباً المصريين قائلاً: “أنا فهمتكم” أيضاً، موجهاً خطابه لشريحة عظمى تضرَّرت جراء سياساته الاقتصادية، وتحمَّلت فواتير سياسته الاقتصادية، ومطالبته لهم بضرورة التحمل من أجل الوطن، إلى أن فوجئوا بما كشفه محمد علي عمَّا قال إنه إنفاق من قبل السيسي على القصور والفيلات.
إعادة النظر في المستبعدين من بطاقات التموين
كان أبرز قرارات السيسي النظر في المستبعدين من بطاقات التموين.
هذه الشريحة هي التي تحظى بدعم سلعي لا يزيد عن 200 جنيه، حرمت منه بدعوى ترشيد الدعم وتوجيهه لمستحقيه، فتم إلغاء هذا الدعم من نحو مليون و700 ألف مواطن، بحسب تصريحات وزير التموين المصري.
وكان واضحاً استجابة السيسي السريعة لدعوات التظاهر ورفع شعار “ارحل ياسيسي، يسقط حكم العسكر، قول ما تخافشي السيسي لازم يمشي”.
هذه الدعوات والهتافات كانت مفاجئة للسيسي، وبحسب مصدر قريب من النظام فإن “السيسي عند عودته من نيويورك ظهرت علامات الشيب في شعره، وبدا مرتبكاً رغم محاولته الظهور بأن شيئاً لم يحدث”.

المخابرات تحاول تفسير سبب تفاعل المواطنين مع محمد علي
ورغم ادعاءات النظام أنَّ وراء محمد علي جهات مشبوهة، وتعليق الفشل السياسي والاقتصادي طوال 8 سنوات مضت على شماعة المؤامرة، إلا أن المصادر قالت لـ “عربي بوست” إن “الرئيس السيسي طلب من جهات سيادية، وتحديداً جهازي المخابرات العامة والحربية “دراسة حالة” عمَّا حدث، وأسبابه، وطلبت هذه الجهات المشورة من كُتاب وإعلاميين لتدارُك ما حدث”.
وحدَّدت تلك الجهات عدة محاور أدت إلى تفاعل الجماهير مع دعوات التظاهر، وقدَّمت مشورتها للرئاسة حول الواقع الراهن.
وتم الاتفاق على تشديد القبضة الأمنية من جهة، والنظر في أوجاع المواطنين الاقتصادية والانفتاح السياسي من جهة أخرى، أما إعلامياً، فبحسب المصدر سيظل الأمر بقبضة المخابرات الحربية.
الانفراجة الأساسية في بطاقة التموين
تم التنبيه على وزير التموين بإعادة المحذوفين من بطاقات دعم السلع، لأن هذه البطاقات تخص شريحة كبيرة من جموع الشعب المصري، بحسب المصادر. وعليه أصدر الوزير تعميماً على كافة مديريات التموين بجميع المحافظات بصرف مقرَّرات التموين لأي بطاقة محذوفة، أو تم إنذار أصحابها بالحذف، وعدم الانتظار حتى يتم النظر في التظلمات.
وقد أحدث هذا القرار ارتباكاً في وزارة التموين، خاصة أنَّ منظومة البطاقات والدعم السلعي والتظلمات قائمة على نظام إلكتروني، فتم إصدار تعميم بقبول التظلمات ورقياً.
وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد طمأن المواطنين المدرجين بمنظومة الدعم التمويني، بأنه ” يتابع إجراءات تنقية البطاقات بنفسه”.
وكتب السيسي، عبر صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، إنه “في إطار متابعتي لكل الإجراءات الخاصة بدعم محدودي الدخل، فإنني أتفهَّم موقف المواطنين الذين تأثروا سلباً ببعض إجراءات تنقية البطاقات التموينية وحذف بعض المستحقين منها”.
وأضاف الرئيس السيسي: “أقول لهم اطمئنوا لأنني أتابع بنفسي هذه الإجراءات، وأؤكد لكم أن الحكومة ملتزمة تماماً باتخاذ ما يلزم للحفاظ على حقوق المواطنين البسطاء، وفي إطار الحرص على تحقيق مصلحة المواطن والدولة”.
ماذا سيحدث للكهرباء والوقود؟
وعلى الجانب الاقتصادي أيضاً، قالت مصادر اقتصادية لـ “عربي بوست”، إنه “سيتم إعادة النظر في رفع فواتير الكهرباء، ولن تزيد منتصف العام القادم.
وكشف المصدر أنه يتم العمل على تخفيض سعر البنزين خلال الأيام القادمة، واستغلال بدء تطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود”.
توجيه أموال الأوقاف للفقراء لتخفيف الأعباء عن الدولة
كما طالب الرئيس السيسي، وزيرَ الأوقاف المصري محمد مختار جمعة، بتفعيل دور الجمعيات الأهلية التابعة للوزارة في رفع الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، واستغلال مواردها الغنية، والتعاون مع الجمعيات الشرعية اجتماعياً واقتصادياً، لأنها تخفف كثيراً عن أعباء الدولة تجاه الطبقات المعدمة في مصر.
إطلاق سراح بعض المعتقلين، ولكن هذا الملف لا يدعو للتفاؤل كثيراً
أما على الجانب السياسي فوفق المصادر سيتم الإفراج عن بعض المعتقلين في الأحداث الأخيرة، لكنها لن تشمل الوجوه السياسية البارزة.
وسيتم توسيع روافد الحياة السياسية، فمع بداية الدورة البرلمانية الجديدة، اليوم الثلاثاء 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019، ستتم مناقشة وإقرار التشريعات الخاصة بتقسيم الدوائر، وممارسة الحقوق السياسية وانتخابات مجلس الشيوخ، وكذلك تعديلات قانون مجلس النواب وقانون المحليات الجديد”.
وستتم الدعوة إلى إجراء انتخابات مجلسي النواب والشيوخ في وقت واحد، لحشد أكبر عدد من الناخبين أمام اللجان، لاختيار نواب دوائرهم من أعضاء المجلسين، ووفقاً لهذا سيبدأ الترشح في الانتخابات في أول أكتوبر/تشرين الأول 2020، والتصويت في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني.
ائتلاف سياسي يرأسه جنرال من الجيش
أما أهم التغييرات التي ستحدث فتتعلق بتأسيس ائتلاف سياسي موحد، يضم جميع الأطياف السياسية والحزبية المتشابهة، على أن يخضع هذا الائتلاف إلى رئاسة الجمهورية، ويتولى مسؤوليته إدارياً قيادة عسكرية، ويتشكل هذا الائتلاف ممن شارك وساهم في 30 يونيو/حزيران.
ماذا عن الإعلام؟ تجديد في قبضة المخابرات
ووفق مصدر سياسي قريب من دوائر صنع القرار، فإنه “لا يتوقع انفتاحاً إعلامياً أوسع، ولكن ستوضع ضوابط جديدة لتناول القضايا السياسية، لا تحصر توجيه الرأي العام في سياق أحادي، على أن يظل الإعلام في قبضة المخابرات الحربية”.
وبحسب المصدر، تجري الآن عملية تقييم شاملة لأداء جميع الوزراء والمحافظين ونوابهم، لإجراء تعديل وزاري قريب جداً في بعض الحقائب، لرفع مستوى الإنجازات، وهناك حركة تغييرات كبيرة في المحافظين.