من هنا ينبعث الجمال من الركام.. الحلم المحرّم على فناني غزة 

في الطابق العلوي لأحد الأستوديوهات المتهالكة، كان عدد من النحّاتين الشباب يكشطون نقوشاً بارزة في الجبس. وفي حالات كثيرة، يعيدون خلق روائع فنية غربية ربما لم يرونها أبداً، كانوا يقدمون نماذج مبتكرة تظهر مساراً لافتاً سلكه الفن في غزة.

قال نيمار قيق، شاب ذو هيئة عصرية يرتدي بنطالاً ضيقاً أسود اللون ويبلغ من العمر 23 عاماً، إنَّ أول شيء يرغب في رؤيته هو تمثال Pietà للفنان الإيطالي ميكيلانجيلو بوناروتي، وذلك في حال استطاع يوماً ما مغادرة شريط الأرض، الذي يبلغ طوله 25 ميلًا (41 كيلومتراً) ويتسبَّب في تقييد حياته. 

وأضاف: “تفاصيل هذا التمثال تجسّد كيف تحمل مريم العذراء السيد المسيح بين ذراعيها، إنَّه عمل رائع حقاً” ، حسبما ورد في تقرير صحيفة The Washington Post الأمريكية.   

تحلم برؤية فان غوخ

ومن جانبها، تحلم جميلة صوالح (22 عاماً)، برؤية أعمال الفنان فان غوخ، قائلة: “يعجبني طابع ضربات فرشاته العنيفة، أنا أحب هذا الأسلوب، وأحاول فعل نفس الشيء”. 

كانت جميلة ترش الطلاء على تمثالها، الذي يُجسّد زوجين يتشاركان عناقاً مليئاً بالعاطفة.

كثيراً ما يقال إنَّ الفن هو أحد وسائل الهروب. لكن لا يوجد مكان للهروب في قطاع غزة، هذا الجيب البائس المتهالك المكتظ، الذي لا يستطيع سكانه مغادرته دون مواجهة صعوبات كبيرة. 

يعتبر الفن هنا وسيلة لتجاوز واقع قمعي على نحو متزايد وتعلُّم العثور على –أو خلق- الجمال في أشد البيئات عدائية.

يعيش سكان غزة تحت حصار مُشدّد تفرضه إسرائيل ومصر للضغط على حركة حماس، الجماعة الإسلامية المسلحة التي تحكم هذا الجيب الفلسطيني منذ عام 2007.

رحلة لاستعادة الفن في غزة.. نعم لسفر الأعمال الفنية لا لسفر الفنانين

ينظّم حالياً عدد من فناني مجموعة “محترف شبابيك”، وهو مشروع دعم الفنانين الشباب في قطاع غزة وتسويق أعمالهم، رحلة استعادية لفن غزة. 

ومن المقرر أن تبدأ الرحلة أولاً في القدس الشرقية في أواخر ديسمبر/كانون الأول، ثم في مدينة رام الله بالضفة الغربية، ثم مبدئياً في فرانكفورت في وقت ما عام 2020.

لكن قد لا يستطيع الفنانون الحصول على التصاريح اللازمة لمغادرة غزة بسبب قيود السفر الإسرائيلية.

الفن يظهر على جدران غزة بشكل لافت/رويترز

قال شريف سرحان، رسّام ونحّات يدير مشروع “محترف شبابيك”: “فنّنا يسافر، لكن نحن لا. إنَّه أمر صعب للغاية بالنسبة لأي فنان، بمن فيهم أنا، ألا يكون حاضراً هناك مع أعماله الفنية. لا تستطيع تصوّر الانطباع، الذي يتركه عملك الفني لدى المشاهدين. لا تستطيع رؤية تأثير وشعور الناس تجاه فنّك”.

وقال مسؤولون عسكريون إسرائيليون في بيان إنَّه لا توجد محاولة لمنع الفنانين من مرافقة أعمالهم الفنية. وجاء في البيان: “عندما نتلقي أي طلب من جانب إدارة التنسيق والاتصال في منطقة قطاع غزة، ينبغي أن يكون مفهوماً بوضوح أنَّ الطلب يجري التعامل معه على أساس موضوعه بطريقة مهنية وفقاً للمعايير والاعتبارات الأمنية”.

في السنوات الأخيرة، شنَّت إسرائيل 3 حروب ضد غزة منذ عام 2009، أشدها ضراوة وتدميراً كان في عام 2014 عندما قُتل أكثر من 2000 فلسطيني و67 إسرائيلياً في صراع حوَّل مساحات شاسعة من قطاع غزة إلى أنقاض.

الأنقاض مصدر إلهام

بالنسبة للعديد من الفنانين في غزة شكَّلت هذه الأنقاض مصدر إلهام لمجموعة واسعة من المشاريع الجديدة.

في يونيو/حزيران 2016، أنجز سرحان تشييداً ضخماً في ميناء غزة لمنحوتة منارة مبنية بالكامل من شظايا فولاذية وكتل خرسانية دُمّرت في حرب 2014. تقع المنحوتة في منتصف دوار مروري.

قالت رنا البطراوي، نحّاتة فلسطينية مقيمة في غزة: “نرى العديد من الأشياء المكسورة والقبيحة في غزة، ونحوّلها إلى شيء جميل”.

وأوضحت رنا، التي اعتمد مشروعها الأخير “طين ورماد” اعتماداً كبيراً على درجات مختلفة من لون الرماد جمعته من أنحاء مدينة غزة، أنَّها قضت عام ونصف تجمع اللون الرمادي أينما استطاعت العثور عليه -من الخشب وبقايا المباني المُدمّرة وغيرها من الأنقاض. 

وأشارت إلى أنَّ الفكرة كانت تهدف إلى إظهار أنَّه في مختلف أنواع الرماد، ما زال هناك جوهر لا يمكن القضاء عليه.

قالت رنا: “ثمة دمار بعد كل حرب. لكننا نواصل المضي قدماً، وتستمر الحياة، الحب والزواج وما إلى ذلك. نحن نعيش الحياة”.

إنها أكثر من منطقة حرب

في مجتمع تسيطر عليه حركة حماس، التي تتبنى وجهة نظر محافظة تجاه المرأة والعلاقات بين الجنسين، أكَّدت رنا أنَّ صناعة الفن، بالنسبة للنساء على وجه الخصوص، تُعيد بعضاً من التمثيل الذي حُرّم علينا في الحياة اليومية. وقالت: “الفن يمنح المرأة القوة والسلطة والشجاعة. لا أستطيع أحياناً التعبير علناً عن ما يمكنني التعبير عنه من خلال فنّي”.

كثيراً ما تكون الصورة المنقولة إلى الخارج عن غزة هي صورة للدمار والخراب: صور لجثث قتلى ومنازل تحترق. في هذا الصدد، يقول شريف سرحان: “رغم أنَّ هذه الصور تعكس جزءاً كبيراً من واقع غزة، لكنها تجرَّدها في نهاية المطاف من إنسانيتها الكاملة”.

فن يظهر من الركام/رويترز

في فترة ما مؤخراً بعد الظهيرة، كانت روان خازق، إحدى طالبات شريف سرحان والبالغة من العمر 20 عاماً، تعمل على نقش بارز على الجبس يُصوّر امرأة فلسطينية ترتدي الزي الفلسطيني التقليدي وتحمل إبريق ماء فوق رأسها.

قالت روان: “أريد تذكير الجميع بأننا لدينا تاريخاً وتراثاً”.

وقال سرحان: “معظم الناس في الخارج يأخذون صورة عن غزة بأنها مكان حرب. لذا، أشعر بأنَّ لديّ التزاماً بصفتي فناناً لإظهار كل ما هو جميل عن غزة، وأنَّها أكثر من مجرد منطقة حرب”.

وعندما طُلب منه وصف ما هو جميل في غزة، كانت لديه قائمة حاضرة: “البحر، الناس، التفاصيل الموجودة في بيوت بعينها”.

تعالى لتشاهد وجه غزة الجميل

قال سرحان: “إذا كنت تريد رؤية وجه غزة الجميل، عليك إمعان النظر في التفاصيل – سيستغرق الأمر بعض الوقت”. وأضاف: “يتعيَّن عليك الوقوف على الشاطئ لمدة أربع ساعات مع كاميرا تشاهد الصيادين. أو عليك السير في شارع جانبي صغير في مخيم للاجئين لترى عيون الأطفال الجميلة أو النساء المسنات ينسجن على النول”.

وفي سبيل تحقيق غاية إظهار وجه غزة الجميل، صوَّر سرحان 1000 صورة بين عامي 2000 و2012 عرضها بعد ذلك في أحد المعارض، ثم في كتاب نُشر لاحقاً. وكان المعرض والكتاب كلاهما بعنوان “Gaza Lives”. 

لكن كيف يمكن للفنانين نقل هذه الرؤية البديلة لغزة إلى العالم؟

قال سرحان: “إنَّ تقييد الحركة يؤثر عليك، وكل شيء هنا مرتبط بذلك”.

ربما تكون مغادرة غزة لا تزال حلماً بالنسبة لبعض الفنانين، لكنّه لم يعد يبدو واقعياً. بدلاً من ذلك، يرسمون وينحتون بدون تفكير في ما قد يقود إليه ذلك لأنَّ الإجابة قد تكون “إلى لا شيء”.

قالت جميلة صوالح، طالبة أخرى من طالبات سرحان، إنَّ “غزة مليئة بالضغط والتوترات. أهم شيء بالنسبة لي هو الفن. نحن ليس لدينا مستقبل، والفن هو وسيلة لعدم التفكير في المستقبل”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top