الثورة مستمرة في لبنان، لكن اقتصادياً لا يوجد مخرج سوى التقشف الحكومي، كيف ذلك؟

بعيداً عن استمرار الثورة الشعبية في لبنان ضد الطبقة السياسية برمتها، يواجه لبنان تحدياً اقتصادياً من نوع خاص يتطلب حلولاً غير تقليدية لتفادي الانهيار التام، وجميع تلك الحلول تتجمع عند مصطلح اقتصادي واحد هو “التقشف”، فماذا يعنيه ذلك؟

موقع ستراتفور الأمريكي تناول الوضع الاقتصادي في لبنان في تقرير بعنوان: “في لبنان.. كل الطرق تؤدي إلى تدابير التقشف”.

إنفاق حكومي ضخم

يواجه لبنان مهمة شاقة للنجاة من أزمته الاقتصادية. تحمَّل لبنان على مدار عقود ارتفاع عجز الحساب الجاري من أجل تمويل الإنفاق الحكومي الكبير، الذي يذهب جزء كبير منه لدعم شبكة أمان اجتماعي تحول دون تفكّك هذا البلد المتنوع اجتماعياً وسياسياً. ومع ذلك، يؤدي تراجع ثقة المستهلكين، وانخفاض شعورهم بالتفاؤل تجاه الأوضاع الاقتصادية، وتباطؤ تدفقات رؤوس الأموال والتهديد بفرض مزيد من العقوبات ضد الكيانات المرتبطة بإيران إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية ويؤكد عدم قدرة لبنان على مواصلة هذا النوع من الإنفاق الحكومي.

شرارة الاحتجاجات كانت ضريبة الواتساب التي تراجعت عنها الحكومة

وقد اتفقت الحكومة في موازنة عام 2019، التي مُرّرت مؤخراً، وموازنة 2020، التي لا تزال قيد المناقشة، على أنَّ تدابير التقشف هي الحل لخفض الإنفاق الحكومي. لكن فرض تدابير تقشف على لبنان سيؤدي بشكل أساسي إلى تمزيق شبكة الأمان الاجتماعي للبلاد، ومن ثمَّ، تدمير الروابط السياسية بين المواطنين ورعاتهم السياسيين. ومع مضي لبنان قدماً في إجراءات التقشف، تعتبر الاضطرابات الشعبية وضعف الحكومة تداعيات من شبه المؤكد حدوثها.

الكفاح للحفاظ على استقرار العملة

إحدى القضايا الملحّة، التي تجعل البلاد بحاجة إلى خفض الإنفاق الحكومي، تتّضح في الضغط الحالي الناجم عن محاولة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكي. يتعيَّن على بيروت دعم تثبيت ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي (عند سعر حوالي 1500 ليرة لبنانية للدولار الواحد) من خلال استنزاف احتياطيات العملات الأجنبية. ساعد قرار ربط الليرة بالدولار، الذي نُفّذ في عام 1997، لبنان في البداية على تجاوز الركود الاقتصادي بعد حربه الأهلية المُكلّفة التي دامت 15 عاماً. لكن سعر صرف العملة في السوق السوداء ارتفع سريعاً هذا الصيف ليتجاوز سعر الربط الرسمي، مما زاد من احتمالية حدوث تخفيض في قيمة العملة أو إلغاء سعر الصرف الثابت تماماً.

سيتسبّب فك ارتباط الليرة بالدولار في انخفاض سريع في قيمة الليرة، ما يُهدّد جدياً العقد الاجتماعي للبنان في فترة ما بعد الحرب، والذي يضمن أنَّ الدولة سترعى احتياجات المواطنين الأساسية من خلال إنفاق اجتماعي عام ضخم. لكن اليوم، يُهدّد عدم الاستقرار الاقتصادي في لبنان القوة الشرائية لمواطنيه، ومن ثمَّ، تقويض الثقة في الحكومة والنظام، الذي أقرَّته الطوائف الدينية في البلاد بعد انتهاء الحرب الأهلية. يوضح هروب رؤوس الأموال، فضلاً عن تراجع التحويلات النقدية ومعدلات الاستهلاك، مدى انخفاض ثقة المستهلكين في الدولة. وفي الوقت نفسه، أدَّت تكهنات فك ارتباط الليرة بالدولار إلى انخفاض في تدفقات رؤوس الأموال إلى الداخل وزيادة في تدفقات رؤوس الأموال للخارج.

كذلك، العقوبات الأمريكية ضد إيران أضافت طبقة أخرى من القلق الاقتصادي. إذ تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على حزب الله والكيانات المرتبطة بإيران في لبنان، مثل مصرف “جمال ترست”. وقد تجد المزيد من المصارف اللبنانية نفسها في مرمى النيران في الوقت الذي تتّسع فيه شبكة العقوبات الأمريكية ضد إيران. في الواقع، يعاني المقرضون اللبنانيون من مأزق مزدوج: من ناحية، تُهدّد الولايات المتحدة الأمريكية بمعاقبتهم بسبب صلاتهم بإيران أو سوريا، ومن ناحية أخرى، يطالبهم المصرف المركزي اللبناني بالمشاركة في جهود الإصلاح من خلال شراء سندات خزانة منخفضة التكلفة للمساعدة في سداد فاتورة خدمة الدين العام.

مواجهة الأمر الحتمي: التقشف

من أجل حل المشكلة وجذب الاستثمار في المستقبل، تتضمن ميزانيتي لبنان لعامي 2019 و 2020 تدابير تقشفية غير مسبوقة ووعد بإصلاحات لسوق العمل والضرائب في المستقبل. وفي حين تأمل السلطات في حل مشاكل العجز والديون المستعصية من خلال زيادة تدفقات رأس المال إلى داخل البلاد ودعم ارتباط العملة (دون التخلي عن السيطرة لصالح مؤسسة خارجية مثل صندوق النقد الدولي)، فإنَّها بذلك ستزيد من تراكم الضغوط الاقتصادية على المواطنين، الذين سيستجيبون بإضافة مزيد من الضغط على الطبقة السياسية لصياغة عقد اجتماعي جديد.

أكبر النفقات في لبنان تذهب لصالح خدمة الديون، وتكاليف القطاع العام، والمدفوعات لشركة الكهرباء الحكومية. ومن أجل تقليص كل بند منهم، تتضمن خطة الحكومة تدابير تقشفية أو ضغطاً على القطاع الخاص. على سبيل المثال، تأمل بيروت أن يساعد إصلاح نظام الدعم في تخفيض التحويلات النقدية إلى شركة الطاقة الحكومية، والتي تتكلف ملياري دولار سنوياً. لكن ذلك سيرفع أسعار فواتير الكهرباء بالنسبة للمواطنين اللبنانيين، الذين أصبحوا منهكين جراء انقطاعات الكهرباء اليومية وتكاليف المرافق العامة باهظة الثمن. وفي الوقت نفسه، تأمل الحكومة في أن تساعد إصلاحاتها على تخفيف عبء الأجور في القطاع العام، الذي يلتهم 35% من الميزانية. ومع ذلك، ستؤدي مثل هذه الإصلاحات، حتماً، إلى تقليل فرص العمل المتاحة للمواطنين في القطاع العام. هذه مشكلة خطيرة في بلد، حيث يبلغ معدل البطالة بين الشباب 37% -فيما يعتبر خيانة أخرى للعقد الاجتماعي من شأنها بالتأكيد تعميق الاستياء. ببساطة لا توجد حلول لقضية الديون بدون أن تنطوي على تقليص الإنفاق الحكومي وتحميل المواطنين اللبنانيين وشركات القطاع الخاص المزيد من قيمة الفاتورة.

وتعتبر إجراءات التقشف أيضاً ضرورة أكثر حتمية لأنَّ المنح والقروض، التي وُعد بتقديمها مؤخراً إلى لبنان، تتطلب من البلاد تنفيذ مثل هذه التدابير من أجل الحصول على الأموال. وأشادت بيروت بالقروض والمنح المُقدّمة من مؤتمر “سيدر” الدولي عام 2018 لدعم الاقتصاد اللبناني وبلغت قيمتها 11 مليار دولار باعتبارها وسيلة لتجاوز الأزمة. لكن من أجل الحصول على هذه الأموال، يجب على لبنان فرض تدابير تقشفية لن تضر بالقوة الشرائية للمواطنين فحسب، بل ستوجههم أيضاً نحو مشاريع بنية تحتية كثيفة الاستخدام لرأس المال لن توفر أي إغاثة فورية للبنانيين من الطبقة الدنيا والمتوسطة، الذين يكافحون لشراء الغذاء والحفاظ على وظائفهم. بالإضافة إلى ذلك، لن تؤدي مثل هذه القيود إلا إلى زيادة عجز الحساب الجاري الحالي. علاوة على ذلك، سيرغب الكثير من مستثمري القطاع الخاص الخارجيين في معرفة ما إذا كان لبنان سينفذ بعض الإصلاحات الهيكلية قبل ضخ أية أموال في البلاد.

إشكالية الوضع السياسي

بالنظر إلى أن المواطنين اللبنانيين غير معتادين على التقشف، فإن احتمالية فرض ضرائب جديدة والمزيد من عدم اليقين فيما يتعلَّق بالوظائف، وارتفاع أسعار المرافق، من المؤكد ستثير اضطرابات وتطلق دعوات لإقامة علاقة جديدة بين الحكومة والمحكومين. وتسلط الاحتجاجات الشعبية الأخيرة الضوء على رفض المواطنين لميزانية التقشف لعام 2019، والتي أقرّها البرلمان أخيراً بعد سبعة أشهر من السنة. 

وستؤدي المزيد من التدابير التقشفية في ميزانية 2020 إلى تزايد الغضب الشعبي ضد على رئيس الوزراء سعد الحريري والرئيس ميشال عون، ما قد يضعف مكانتهما السياسية. وستشهد الجهات الفاعلة السياسية القوية مثل حزب الله انخفاضاً في رأس مالها السياسي إذا لم تستطع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي لقاعدتها الشعبية. سيواصل السياسيون محاولة إلقاء اللوم في أزمة البلاد الاقتصاية على اللاجئين السوريين، بل وحتى الفلسطينيين (تُقدّر الحكومة اللبنانية أنَّ اللاجئين السوريين يكلفون الدولة مليار دولار بشكل مباشر، و 3.5 مليار دولار بشكل غير مباشر). 

لكن بث الخوف من اللاجئين أصبح ملاذاً سهلاً للسياسيين الذين يتطلعون إلى إبعاد اللوم عن أنفسهم فيما يتعلق بالاقتصاد اللبناني الضعيف هيكلياً. تبرز أحد التداعيات المحتملة الأخرى في أنَّ جهات فاعلة أخرى، من بينها حاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة ووزير الخارجية جبران باسيل، ستعزز رأس مالها السياسي وسط تكهنات بأن كليهما قد يترشح للرئاسة.

لا يستطيع رعاة لبنان الإقليميون التدخُّل لإنقاذه كما فعلوا في الماضي -أو ربما لن يرغبوا في فعل ذلك- ما يجبر لبنان على المضي قدماً في مسار التقشف. ومع تباطؤ نمو اقتصادات الخليج العربي وسط انخفاض أسعار الطاقة، لا توجد ضمانات على أنَّهم يستطيعوا المساعدة مُجدَّداً في ضمان استقرار لبنان من خلال تقديم المنح. إذ يؤثر بالفعل النشاط الاقتصادي الضعيف في دول الخليج العربي على لبنان، وهذا يظهر جلياً في انخفاض التحويلات المالية، التي ترسلها العمالة اللبنانية المغتربة في مختلف الدول الخليجية إلى الوطن حالياً. وفي الوقت نفسه، قد لا ترى المملكة العربية السعودية جدوى سياسية في مساعدة لبنان مالياً. وقد تختار فعل ذلك فقط في حال اعتقدت أنَّ حزب الله المدعوم من إيران سيستفيد من الركود الاقتصادي في البلاد. ثم هناك إيران، وهي راع اقتصادي آخر سابق للبنان، والتي بالكاد تستطيع مساعدة البلاد، حتى لو قرَّرت الولايات المتحدة فجأة رفع العقوبات المفروضة عليها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top