روسيا حققت انتصاراً ساحقاً في سوريا.. فهل يدفع بوتين الثمن ويبدأ مشوار الهزيمة؟

حقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كل الأهداف الاستراتيجية الممكنة جراء التدخل الروسي في سوريا قبل أربع سنوات، وفي سبيل ذلك أنفقت موسكو الكثير من الأموال، ولكن الآن مع إرسال المزيد من الجنود ربما تكون بداية النهاية قد حانت، والأسباب كثيرة.

مجلة ذا ناشيونال إنتريست الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “هل لروسيا خطوط حمراء في سوريا؟”، تناول دوافع بوتين في التدخل في سوريا وانعكاسات النجاح الذي تحقق على الأرض فعلياً واحتمالات استدامة ذلك الانتصار.

لماذا تدخل بوتين في سوريا؟

في حين يرفع الاتفاق التركي الروسي الأخير في سوتشي من دور روسيا باعتبارها وسيط قوة حاسماَ، فإنَّه يضفي طابعاً رسمياً على تراجع الوجود الأمريكي شمال شرقي سوريا. فبموجب هذا الاتفاق، وصل وجود الجيش الروسي وجيش دمشق إلى مختلف أنحاء منطقة شرق الفرات، في سابقة تحدث لأول مرة منذ عام 2015. ومع أنَّه يُنظَر إلى اتفاق سوتشي باعتباره انتصاراً آخر لبوتين (المتطلع لإعادة أيام مجد الإمبراطورية السوفيتية)، فإنَّ ما سيحدث بعد ذلك قد يكون ضاراً لخططه الكبرى.

بدأ التدخل العسكري الروسي في الحرب الأهلية السورية، بناءً على طلبٍ رسمي من الرئيس السوري بشار الأسد، في سبتمبر/أيلول 2015. وقد تحقق هدف دعم الأسد ومساعدته على استعادة الأراضي الواقعة غربي نهر الفرات، باستثناء مدن عفرين وجرابلس والباب التي تسيطر عليها تركيا، بصورة كبيرة عن طريق القوة الجوية الروسية الساحقة، التي قصفت عشوائياً مدن سيطرة المعارضة مثل الغوطة الشرقية وحلب الشرقية وتدمر وحمص وطمستها. وأدَّى ما يُقدَّر بـ34 ألف طلعة جوية إلى تدمير 69 ألف هدف بنهاية عام 2017.

كيف كان التواجد الروسي على الأرض؟

وخلال الحملة الجوية المستمرة منذ عامين، ظلت مشاركة المشاة الروس في حدها الأدنى وعلى المستوى الاستشاري على الأرض، لكنَّ اتفاق سوتشي الأخير غيَّر هذا. فوفقاً للبند الخامس من الاتفاق، ستُسيَّر دوريات روسية-تركية وروسية-سورية مشتركة بطول الحدود التركية، وهذا يعني زيادة عدد القوات الروسية على الأرض، وبذلك سيبدأ الجنود الروس للمرة الأولى تسيير دوريات في منطقة شرق الفرات، خارج منطقتهم الآمنة، وعلى هذا أن يثير قلق موسكو.

هل لدى روسيا مقاتلون دواعش؟

فإن كان من شيءٍ يمكن أن يقُضَّ مضاجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فهو اندلاع تمرد استقلال إسلامي، خصوصاً في منطقة القوقاز التي تسيطر الشيشان على جزء كبير منها، والتي علَّمت روسيا في التسعينيات دروساً صعبة. إذ قال بوتين في 2015، مُبرِّراً الغارات الجوية العشوائية: “أكثر من ألفي مقاتل من روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة موجودون على الأراضي السورية. يوجد خطر بأن يعودوا إلينا. لذا، وبدلاً من انتظار عودتهم، من الأفضل أن نقاتلهم على الأراضي السورية”. 

بوتين مجتمعا مع جنرالاته

وفي عام 2017، كان يُعتَقَد أنَّ هذا الرقم يبلغ حوالي أربعة آلاف، ويزيد الوجود العسكري البري المتصاعد لروسيا في سوريا حتماً فرص شن هجمات ضد جنودها، فالقوات المسلحة السورية مُستَنزَفة بعد ثماني سنوات من الحرب في سوريا وليست في موقعٍ يؤهلها لإعادة فرض سلطة دمشق على المناطق النائية بالبلاد. لذا يُرجَّح أن ترسل موسكو المزيد من القوات. وهذا يعني أنَّ انكشاف أفراد الجيش الروسي بصورة أكبر في مواجهة الهجمات سيكون أكثر ترجيحاً. 

ماذا سيحدث إذا ما تعرض جنود روس للقتل؟

وقد لا يتطلب الأمر أكثر من هجوم واحد بعبوة ناسفة محلية الصنع وسقوط عدد من الضحايا الروس حتى يبدأ استدراج بوتين إلى دوامة تذكرنا بأفغانستان في الثمانينيات والشيشان في التسعينيات. ولابد أن يضع المرء في اعتباره أنَّ مثل هذا المأزق قد يثير تمرداً جديداً في الداخل الروسي، حيث تمثل منطقة القوقاز المتململة طنجرة مضغوطة لا يمنع انفجارها إلا أعوان بوتين، أمثال رمضان قديروف.

قوات روسية في سوريا

ومن الواضح أنَّ بوتين يعي هذا بما أنَّ جنود المشاة الذين اختارهم للمشاركة في تسيير الدوريات المشتركة على طول الحدود التركية كانوا 300 من أفراد الشرطة العسكرية الروسية المنحدرين من منطقة الشيشان. وأخيراً، لا يعلم أحد كيف يمكن أن تكون نتيجة تقديم الدعم للديكتاتور السوري حين يتم ذلك باستخدام جنودٍ من أكثر مناطق روسيا السُنّيّة التزاماً (دينياً). ولا زلنا بصدد رؤية تداعيات هذا في الداخل.

ماذا عن التكلفة الاقتصادية؟

وسيتسبب التدخل المتزايد والمستمر في سوريا كذلك في عبءٍ مالي، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف الاقتصاد الروسي المتعثر بالفعل، وفي ظل وقوع حقول النفط السورية في منطقة دير الزور الآن تحت السيطرة الأمريكية، لا يبدو أنَّه تبقَّى لبوتين الكثير في سوريا مما قد يُعوِّض التكلفة، ولا يمكنه الاعتماد على حليفته إيران كذلك. ففيما يُحصي اقتصاد إيران المتداعي خسائره في الداخل، يُقدَّر أنَّ طهران أنفقت ما بين 6 – 8 مليارات دولار سنوياً لضمان بقاء الأسد. وتجلَّى هذا في هتاف المحتجين الإيرانيين: “اخرجوا من سوريا! فكِّروا في محنتنا!”.

اضطرت روسيا لتقليص التمويلات المخصصة للتعليم والرعاية الصحية وغيرها من التمويلات الاجتماعية في الداخل لدعم حربها في سوريا. فضلاً عن ذلك، انخرطت روسيا منذ عام 2008 في تدخلات عسكرية مكلفة في جورجيا وأوكرانيا والقرم. على سبيل المثال، استثمر الكرملين في القرم ما يتجاوز 5 مليارات دولار في مشروعات البنية التحتية، بما يشمل الطرق والمستشفيات والمدارس. علاوة على ذلك، أغدقت روسيا بالأموال على فنزويلا لإبقاء مادورو في السلطة في مسعى لعدم خسارة الاستثمار الروسي هناك، والذي يُقدَّر بنحو 25 مليار دولار. 

وتلك الحملات وتطلعات القوة العظمى ليست هي الأمور الوحيدة التي جلبت تكاليف مادية على الاقتصاد الروسي. إذ يُقدِّر المحللون في القسم الاقتصادي بوكالة Bloomberg الأمريكية أنَّ العقوبات، لاسيما تلك التي فُرِضَت بسبب غزو القرم، أدَّت إلى تباطؤ الاقتصاد الروسي بنسبة 6% على مدار السنوات الخمس الماضية. 

كيف يؤثر كل ذلك على إرث بوتين؟

كل هذا بدأ يؤثر سلباً على الإرث الذي يتركه بوتين في الداخل. إذ أدَّى تدهور الاقتصاد، والفساد، والحقائق الديموغرافية القاتمة، ورفع سن التقاعد، إلى دفع الروس للخروج إلى الشوارع. الأمر اللافت بشكلٍ خاص أنَّ حزب روسيا الموحدة الذي يتزعمه بوتين تكبَّد في سبتمبر/أيلول الماضي خسائر كبيرة في انتخابات برلمان مدينة موسكو. وقد حدث ذلك على الرغم من حملة قمع واسعة النطاق ضد المعارضة. وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر ديسمبر/كانون الأول، وجد استطلاع للرأي أجراه مركز أبحاث الرأي العام التابع للدولة أنَّ مستوى الثقة العامة في بوتين يبلغ 33%، وهو المستوى الأدنى منذ 2006.

لقد عزَّز الانسحاب الأمريكي الأخير من شمال شرق سوريا وما تلاه من تمدد روسي في المنطقة فكرة أنَّ بوتين هو “مأمور الشرطة الجديد في سوريا”. ويبدو الرجل أقوى من أي وقتٍ مضى. لكن للأسف، بعدما تجاوزت تطلعات القوة العظمى لدى روسيا حدودها القصوى، ربما تكون موسكو قد بلغت أقصى ما بوسعها في سوريا. من ثَمَّ، ربما يُؤذِن قرار دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية بعهدٍ جديد من الحروب الروسية التي لا تنتهي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top