كانت روسيا، شأنها شأن غالبية الدول الغربية، تتعامل مع إسرائيل باعتبارها طفلاً مدللاً يسعى الجميع لاسترضائه، لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نجح إلى حد بعيد، في كسر هذا القيد وبدأ يتعامل بخشونة نسبيا مع تل أبيب، فكيف حدث هذا؟ وما الأدلة عليه؟ وما انعكاساته؟
صحيفة هآرتس الإسرائيلية نشرت تقريراً، بعنوان: “نتنياهو يتفاخر بعلاقاته الوثيقة مع بوتين، لكن محاكمة المواطنة الإسرائيلية في روسيا تشهد على تصاعد التوترات بينهما”، رصدت فيه تحولات تلك العلاقة.
قضية نعاما يسسخارا
على الرغم من أن الحكم النهائي في قضية نعاما يسسخار لم يصدر بعد ولا تزال هناك آمال بالتوصل إلى صفقة تتيح الإفراج عنها، فقد بات من الواضح أنها ضحية لطورٍ آخر من معارك عض الأصابع والضغط المتبادل في الشرق الأوسط.
إنه صراع أعقد مما قد يبدو للناظر إليه، فمن ناحية، هناك يسسخار، التي حُكم عليها بالسجن سبع سنوات ونصف السنة في السجون الروسية، بعد العثور على كمية من مخدر الحشيش بحقيبتها وهي تسافر جواً عبر موسكو، ورغم أنها تنكر الاتهامات الموجهة إليها، فإنها تلقت عقوبة قاسية، في قرارٍ يقرّ الجميع بأنه قرار سياسي وليس مسألة جنائية.
توقيف الإسرائيليين في مطارات روسيا
ويشير إيقاف مزيد ومزيد من رجال الأعمال الإسرائيليين في نقاط التفتيش بمطارات موسكو، إلى رسالة واضحة من الكرملين بأن روسيا ليس لديها استعداد لتقبّلِ الإجراءات الإسرائيلية بإيقاف وتفتيش آلاف من المواطنين الروس على حدود إسرائيل. لكن وراء الكواليس، وعلى جبهةٍ أقل لفتاً للأنظار، تتصاعد التوترات ضد الوجود الإيراني بسوريا، في وقت تحاول فيه روسيا تثبيت حكم بشار الأسد.
كل هذه الإجراءات مرتبطة وتعكس عمليةَ خلق توازنٍ جديد للقوى بين روسيا من جانب وإسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة على الجانب الآخر.
ما علاقة سوريا بهذه التوترات؟
في أوقات أقل توتراً، كان من الممكن أن تنتهي حادثة المواطنة الإسرائيلية يسسخار على نحوٍ مختلف تماماً، ولجرى التعامل مع شكاوى روسيا فيما يتعلق بعدم السماح بدخول مواطنيها إلى إسرائيل بطريقة هادئة، كما كان الحال قبل عام. لكن هذه الأوقات ليست عادية، خاصة فيما يتعلق بسوريا، حيث تحاول روسيا ترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية، ومن ثم أخذت روسيا تتخلى عن سياسة المجاملات وعروض الصداقة لإسرائيل، لتحل محلها سياسة تجمع بين الترغيب والترهيب في التعامل مع إسرائيل.
بوتين في موقف أقوى من نتنياهو
فمن ناحية، يستمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في لقاءاته العديدة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مانحاً إياه مزيداً من الصور لحملاته الانتخابية التي لا تنتهي [ثلاث حملات انتخابية في غضون عام واحد]، حتى إنه من المقرر أن يصل بوتين إلى إسرائيل الشهر المقبل، بدعوة من الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، مع عشرات من الزعماء الآخرين؛ لحضور مراسم إحياء اليوم العالمي للهولوكوست في مجمع ياد فاشيم الإسرائيلي، ورغم أن الزيارة تتعلق على الأكثر بأغراضه الخاصة، فإن هناك أهمية رمزية لحضوره. إضافة إلى أنه جرت الموافقة مؤخراً على منح رواتب لآلاف من قدامى المحاربين السوفييت الذين خدموا في الجيش الأحمر، ويعيشون في إسرائيل.

لكن من ناحية أخرى، هناك إشارات خطيرة تتفاقم آخذة في التصاعد إلى مستويات أخرى، وتعد قضية نعاما يسسخار إحدى تلك الرسائل، كما يدعم إيقاف الزوار الإسرائيليين في موسكو، ومن ضمنهم صحفي إسرائيلي (لم يكن إيقافه مصادفةً)، الإشارة إلى هذا السلوك من روسيا.
نتنياهو الباحث عن إنقاذ رقبته
بالنظر إلى كل هذا، من الصعب أن نفهم استراتيجية نتنياهو بالتبجح طيلة الوقت بعلاقاته الوثيقة مع بوتين، واللوحات الإعلانية المنتشرة لصوره معه، والتصريحات المستمرة حول العلاقات الدافئة بينهما، حتى اضطراره إلى الانتظار ساعات ليقابله في اجتماع سوتشي، وأخيراً وليس آخراً: الوعد الأخير لأنصاره بأنه “سيعيد نعاما إلى أرض الوطن”، قبل يومٍ واحد من رفض الاستئناف الذي تقدمت به.
هذا الإصرار على خلق صورة كاذبة، عن علاقة وثيقة مفترضة بين نتنياهو وبوتين ستكفل بإنقاذ الموقف المتشابك، أمر غير مسؤول على أقل تقدير، وفي أسوأ الأحوال قد يفضي إلى نتائج عكسية. وكالعادة، يتجاهل بوتين ونتنياهو كلاهما حقيقة أن الضحايا في كل هذا هم المواطنون الذين يُدهسون ويُغض الطرف عن مصالحهم خلال هذا النزاع بين البلدين.