وفاة السلطان قابوس بن سعيد حاكم سلطنة عمان على مدى نصف قرن جاءت في وقت صعب تمر به المنطقة بأزمات مشتعلة وهو ما يضع عبئاً ثقيلاً على كاهل خليفته السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، فهل يتمكن ابن عم قابوس من لعب دور الوسيط أم أن السلطنة قد تفقد مكانتها؟
موقع مركز ريسبنسبل ستيتكرافت الأمريكي نشر اليوم الإثنين 13 يناير/كانون الثاني تقريراً بعنوان: “وفاة سلطان عمان تترك فراغاً في منطقة متقلبة”، أجاب فيه على الأسئلة العالقة.
تُوفي السلطان قابوس بن سعيد عن عمرٍ ناهز 79 عاماً. وقد قاد السلطان الغامض بلاده ببراعة منذ أن أزاح والده بمساعدة بريطانيا في عام 1970. وسرعان ما جرت تسمية هيثم بن طارق آل سعيد، ابن عم قابوس البالغ من العمر 66 عاماً ووزير الثقافة السابق، سلطاناً جديداً يوم السبت. كان اسم هيثم في مظروف مختوم وسري تركه قابوس وراءه مسمّياً فيه خليفته الذي اختاره.
الاستقرار في منطقة غير مستقرة
كان قابوس وسلطنة عمان دعائم استقرار في منطقة محفوفة بالمخاطر عادةً. بعد هزيمة الانتفاضة في منطقة ظفار في سلطنة عمان –المتاخمة حدودها لليمن من الجنوب- في وقت مبكر من حكمه، قاد قابوس برنامج تحديث ملفت داخل سلطنة عمان. ولما كانت البلاد بالكاد بها طرق معبدة حين تولى السلطة، فقد عمل على تنفيذ برامج إصلاح للبنية التحتية وقطاع التعليم، ليقودها إلى ما أصبحت عليه من دولة حيوية اليوم. وفي تناقض جليّ مع جيرانها الخليجيين في الإمارات وقطر والبحرين، قامت عمان بعمل رائع فيما يتعلق بالحفاظ على تراثها الثقافي، فلن ترى أي ناطحات سحاب باذخة منتشرة تسد الأفق في مسقط.
ربما لم يكن “دكتاتوراً خيّراً” [يسمح بنوع من الديمقراطية أو بعضها]، لكن ليس هناك شك في أنه قد فرض سيطرته تماماً على عمان. إذ لم يكن السلطان فحسب، بل كان أيضاً رئيس وزارتي الدفاع والخارجية، ورئيس الوزراء، إضافةً إلى مناصب أخرى. لم يحكم بقبضة حديدية، لكنه كان يسيطر بالكامل على بلده. وكان العمانيون متقبلين لذلك، في معظم الأحيان، على مدى الجزء الأكبر من حكم قابوس لأنه انتزع البلاد من براثن الفقر خلال بضعة عقود فحسب. لكن في عام 2011، أدى الارتفاع المتزايد لمعدل البطالة بين الشباب، ونشوء جيل من العمانيين لم يكن له كبير صلة أو تذكر بالأيام التي سبقت قابوس، إلى عدد من الاحتجاجات التي كانت جزءاً من الربيع العربي في جميع أنحاء البلاد. غير أن قابوس سارع إلى تنفيذ عدد من الإصلاحات الحكومية التي كانت سطحية أكثر منها جوهرية، لكنها نجحت في تهدئة البلاد حتى الآن.
دور الوسيط الإقليمي
لقد كان قابوس مهماً بلا شك في ازدهار الشعب الذي قاده لمدة 50 عاماً، لكنه كان على نفس القدر من الأهمية فيما يتعلق بالدور الإقليمي الذي اضطلع به. إذ إن جزءاً كبيراً من السبب وراء أن عمان كانت مستقرة للغاية خلال العقود الأخيرة هو أن الدولة كانت معتدلة ومنفتحة على نحو كبير، وقد كان باعثها على هذا نقطتان أساسيتان، أولاً: ينتمي العمانيون إلى طائفة من طوائف المسلمين تسمى الإباضية، وهي طائفة أكثر تسامحاً وانفتاحاً في الدين. ثانياً: جعل موقع عُمان على بحر العرب منها نقطة انطلاق رئيسة للتجارة على مدى القرون، مفضياً إلى رؤية أكثر كوزموبوليتانية وانفتاحاً على العالم على طول سواحلها.

ارتقى هذا التاريخ والتراث الثقافي بعُمان إلى موقع متميز، وما يسمونه بـ”صديق الجميع ولا أعداء له”. وقد نهض قابوس بهذا الدور حدَّ الكمال على مر السنين. ومن ثم، على عكس حلفائه في مجلس التعاون الخليجي، تمكن السلطان من الحفاظ على علاقات ودية للغاية مع إيران، في أيام الشاه وبعد مجيء الملالي. وكانت إيران قدمت عدداً كبيراً من القوات للمساعدة في قمع انتفاضة ظفار في أوائل سبعينيات القرن العشرين، وهو أمر لم ينسه قابوس لها قط.
كان قابوس أكثر من مجرد وسيط إقليمي، فقد أثبت أيضاً أنه ذو دور لا غنى عنه للولايات المتحدة والدول الغربية. إذ قادت وساطته إلى إطلاق سراح ثلاثة من المتنزهين الأمريكيين الذين اعتقلوا في إيران في عام 2011. ورفض الانضمام إلى التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين في اليمن، وكانت مسقط موقعاً رئيساً للوساطة في الحرب المستمرة. وربما الأهم من ذلك، أن قابوس اضطلع بدور الوسيط والمستضيف في عام 2013 في المحادثات الأمريكية الإيرانية السرية التي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015.
وفاة قابوس تترك فراغاً كبيراً في المنطقة
سارع العمانيون والسلطان الجديد إلى الإعلان والتأكيد على أن سياستهم الخارجية ستبقى كما هي في ظل القيادة الجديدة للبلاد. وفي بيانه العلني الأول، قال السلطان هيثم إن عمان “سترتسم خطَّ السلطان الراحل، مؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة عمان الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين”.
هذه خطوة أولى إيجابية. ومع ذلك، فإنه من غير المرجح أن يكون لعمان نفس التأثير الذي كان لها في عهد قابوس. وربما لن يحصل هيثم على نفس القدر من المساحة للتحكم في الشؤون الداخلية، والتي تمتع بها السلطان الراحل بفضل شعبيته وسجله الحافل بالإنجازات في عمان. وهذا واضح على نحو خاص عندما ينظر المرء إلى العدد الكبير من الشباب في عمان، واقتصادها الذي لا يزال في مراحله الأولى للتنوع بعيداً عن النفط. والأهم من ذلك، أن قابوس كان لديه بعض التفاعلات على الصعيد الإقليمي والدولي، في حين أن السلطان الجديد لن يكون بإمكانه على المدى القصير أن يعوض عن عقود قابوس من الخبرة والاحترام والمكانة التي اكتسبها خطوة بخطوة. لكن في ظل استمرار الصراع في اليمن، والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران التي هي في أدنى مستوياتها منذ عقود، لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن يكون هيثم سريع التعلم. وربما من الذكاء لأقرب حلفاء سلطنة عمان، الولايات المتحدة وبريطانيا، أن تتواصلا مع الزعيم الجديد في أقرب وقت ممكن.