الأزمات المتلاحقة التي واجهتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السنوات الثلاث الماضية ليست حكراً على الشرق الأوسط، بل أيضاً مع الصين وحلف الناتو والشركاء الأوروبيين، فما هو السبب وراء تلك الأزمات؟
مجلة فورين بوليسي الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “لماذا الولايات المتحدة سيئةٌ للغاية في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية؟“، أعده ستيفن والت أستاذ الشؤون الدولية الأمريكي في جامعة هارفارد، أجاب بالتفصيل عن مشاكل السياسة الخارجية في عهد ترامب.
أين الاستراتيجية أو الأهداف العامة؟
في مقالة الرأي الأخيرة التي كتبتها، تحدثتُ عن السمات “شديدة الغباء” التي يتسم بها نهج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط، لا سيما إيران. وعلى وجه الخصوص، شدَّدتُ على أن الإدارة ليس لديها استراتيجية حقيقية، أو بالأحرى ليس لديها مجموعةٌ من الأهداف الواضحة، مقترنةً بخطة عمل متماسكة تهدف إلى تحقيقها وتأخذ في الاعتبار ردود الفعل المتوقعة من الأطراف الأخرى.
فيما تنتهج الإدارة بدلاً من ذلك سياسة إكراهٍ بالقوة الوحشية منفصلة عن أي أهداف واضحة، ويُطبِّقها رئيسٌ جاهل لا يستطيع السيطرة على اندفاعه. فبعد ما يقرب من ثلاث سنوات من وجوده في الرئاسة، استطاع ترامب زيادة خطر اندلاع حرب، ودفع إيران إلى إعادة تشغيل برنامجها النووي تدريجياً، واستفزاز العراق حتى جعلها تطالب الولايات المتحدة بمغادرة أراضيها، وإثارة شكوك قوية حول القضاء الأمريكي والموثوقية الأمريكية، وإثارة قلق الحلفاء في أوروبا، وجعل روسيا والصين تبدوان وكأنهما ينابيع الحكمة والنظام. وقد أوضحت إدارة ترامب أنها تعتقد أن اغتيال مسؤولين أجانب يُعد أداة شرعية لسياستها الخارجية، وأن مجرمي الحرب جديرين بالتكريم والاحتفاء، وهذه تصرفات تُرحِّب بها الحكومات السيئة وتُقلدها على الأرجح.
قِصَر النظر الاستراتيجي يتجاوز الشرق الأوسط
لعل أبرز مثالٍ على ذلك هو قضية تعامل الإدارة مع الصين، التي تعد أهم القضايا. ولإعطاء كل ذي حقٍ حقه، يجب القول إن إدارة ترامب تُدرِك أن الصين هي المنافس الوحيد المحتمل الذي قد يقف أمام الولايات المتحدة ندَّاً لنِد طوال عقودٍ عديدة. لكنَّ إدراك شيءٍ كهذا ليس إنجازاً عبقرياً عظيماً من العبقرية؛ فليس هناك أي شخصٍ عاقل لا يمكنه رؤية الآثار المقلقة لصعود الصين، حتى وإن اختلف البعض حول حجم التحدِّي الذي يُشكِّله ذلك الصعود.

ولو كانت الإدارة تُفكِّر تفكيراً استراتيجياً، لبدأت بالبحث عن طُرُقٍ للحد من النفوذ الصيني بأقل تكلفة ومخاطر على الولايات المتحدة نفسها. ولأدركت أنَّ الولايات المتحدة لا يمكنها إيقاف النمو الاقتصادي الصيني أو عكس اتجاهه (أو بالأحرى لا تستطيع فعل ذلك دون الإضرار بنفسها)، لكنَّها كانت ستبذل قصارى جهدها لإبقاء أكبر عددٍ ممكن من البلدان في صفها في ما يتعلق بالقضايا المهمة، بما في ذلك التكنولوجيا المتطورة. وفي الواقع، كانت ستبذل محاولاتٍ جادة لمنع الصين من الوصول إلى موقعٍ مهيمن في التقنيات التي يُمكنها قلب الموازين مثل الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي. وكانت ستُركِّز تركيزاً مكثفاً على الحفاظ على مكانةٍ دبلوماسية قوية في آسيا، وبمرور الوقت، كانت ستبحث عن طُرُقٍ للإيقاع بين الصين وروسيا كذلك. وكانت ستحاول بشدة ألا يتشتت انتباهها بقضايا ثانوية وألا تُضيِّع الوقت أو الاهتمام أو رأس المال السياسي أو الموارد على تلك القضايا.
فما الذي فعلته الإدارة الأمريكية بدلاً من ذلك؟
بادئ ذي بدء، انسحب ترامب من شراكة عبر المحيط الهادئ، موجِّهاً صفعةً إلى بلدان آسيا والمحيط الهادئ الـ11 التي كانت تعمل بجدٍّ للتوصُّل إلى اتفاقٍ كان من شأنه أن يوفر بعض المزايا الاقتصادية البسيطة ويبقيها أشد ارتباطاً بالاقتصاد الأمريكي. ثم شنَّ ترامب حربه التجارية مع الصين. ولكن بدلاً من أن يستميل القوى الاقتصادية الرئيسية الأخرى إلى صفه، هدَّد معظمها كذلك بشنِّ حروبٍ تجارية معها وأطلق حروباً تجارية ضد بعضها بالفعل. وبدلاً من أن تواجه الصين بجبهةٍ موحدة، واجهت الصين بمفردها تقريباً، وبنفوذٍ منخفض إلى حدٍّ كبير. والنتيجة المتوقعة: حل وسط تجاري يحفظ ماء الوجه، ويعيد الوضع إلى ما كان عليه دون إحراز أي تقدم في التنافس الحقيقي مع بكين.
وبعدها، بدأ ترامب نهج برامج الواقع في التعامل مع كوريا الشمالية: فهدّد في البداية بـ “النار والغضب”، ثم ابتلع وعود كيم جونغ أون الواهية خلال اجتماعهم الأوّلي. والنتيجة: عدم إحراز تقدُّمٍ في العلاقات الأمريكية مع كوريا الشمالية، وعدم وقف برنامجها النووي، وتراجع الثقة في رجاحة الرأي الأمريكية بطول آسيا.
وفي الوقت ذاته، قضى ترامب السنوات الثلاث الماضية في إهانة حلفاءٍ أمريكيين بارزين من أوروبا بدون سبب، والتهديد بالانسحاب من حلف الناتو. وليست مفاجأةً أنه حين حاول المسؤولون الأمريكيون إقناع حلفاء أمريكا بعدم شراء التكنولوجيا الصينية -وخاصةً معدات تقنية الجيل الخامس الرقمية من شركة Huawei-؛ قُوبِلوا بالرفض من تلك الحكومات التي لم تكُن راغبةً في مساعدة ترامب على الإطلاق. وسارع الدبلوماسيون الصينيون، الساعين للحفاظ على مكانة شركة Huawei، لاستغلال أخطاء ترامب المتكررة، وأخبروا المسؤولين الأوروبيين أنهم ملتزمون بتعدّدية الأطراف والانفتاح التكنولوجي أكثر من الولايات المتحدة، كما سلّطوا الضوء على دعمهم اتفاق باريس للمناخ (وهي الاتفاقية الأخرى التي تخلّى عنّها ترامب بجنون).
وبحسب جوليان سميث، من مؤسسة German Marshall Fund الأمريكية: “بدأ الصينيون يزعمون بوقاحةٍ أنّ الصين هي من تُشارك أوروبا نفس القيم، وليس الولايات المتحدة. كما شرعوا يُذكّرون الجمهور الأوروبي كثيراً بأنّ الصين تُؤمن بتغيّر المناخ والتعدّدية، وهي الرسالة التي لها وقعٌ كبير خاصةً في دولةٍ مثل ألمانيا”.
والآن، ضع التالي في اعتبارك:
في الوقت الذي تعيش فيه وزارة الخارجية الأمريكية حالةً من السقوط الحر، ترفع الصين من مستواها. إذ تمتلك الصين الآن سفارات وقنصليات ومناصب دبلوماسية أكثر من الولايات المتحدة، ويحدث هذا في عصرٍ تبحث خلاله العديد من الدول المهمة عن وجهة انحيازها المستقبلية. ووفقاً لنائب وزير الخارجية الأمريكي السابق ويليام بيرنز: “لقد دخلنا عصراً صارت فيه الدبلوماسية مهمةً أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وسط ساحةٍ دوليةٍ شديدة التنافس.. والصين تُدرك هذا الأمر، وتُوسّع قدرتها الدبلوماسية بسرعةٍ كبيرة. أما الولايات المتحدة، على النقيض، فتبدو عازمةً على نزع سلاحها الدبلوماسي من جانبٍ واحد”. وكما أوضحت مسبقاً، فإن أي أملٍ في موازنة نفوذ الصين الآسيوي يستدعي من الولايات المتحدة أن تحافظ على علاقاتٍ قوية مع تحالفٍ صعبٍ من الدول الآسيوية، وهذا يتطلّب دبلوماسيةً مُطّلعة ومتطوّرة وصبورة ومتفانية، على الأقل بقدر القوات العسكرية الموثوقة.
وأخيراً، بدلاً من تطبيق فكّ الارتباط المحسوب عن الشرق الأوسط تدريجياً، والعودة إلى نهج توازن القوى الذي طبّقته الولايات المتحدة بنجاحٍ منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة؛ سمح ترامب للدول العميلة المحلية والمانحين الأثرياء والمستشارين المُتشدّدين بدفعه مرةً أخرى إلى مواجهةٍ لا طائل منها مع إيران، ولا يسعني سوى تخيُّل الابتسامات العارفة لخبراء السياسة الخارجية في بكين، وهم يُشاهدون الولايات المتحدة تتعثّر في مستنقعٍ آخر صنعته لنفسها.
وباختصار، رغم إقرارهم بأن التحدّي الصيني كان التحدي الأهم على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية -مع إمكانية استثناء قضية تغيّر المناخ- لكن ترامب وشركاه اتبّعوا سلسلةً من السياسات التي تبدو وكأنها مصاغةٌ تفصيلياً لمنح الصينيين أكبر عددٍ ممكن من المزايا.

ولكن الأخبار الأسوأ لم تأتِ بعد. فهذه المشكلة كانت واضحةً منذ بعض الوقت، رغم أنّ إدارة ترامب نقلت نهج “انعدام الاستراتيجية” إلى مستوى جديد تماماً. إذ اعتقد بيل كلينتون أنّ باستطاعته توسيع حلف الناتو شرقاً لضم العراق وإيران في وقتٍ واحد، وإدخال الصين في منظمة التجارة العالمية قبل أوانها، والترويج للعولمة الفائقة بالتخلّي، مع عدم مواجهة أي تداعيات سلبية خطيرة. وكان جورج بوش الابن مقتنعاً بأن إنهاء الطغيان والشر إلى الأبد يجب أن يكون الهدف الرئيسي لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، ورأى أن الجيش الأمريكي يستطيع تحويل الشرق الأوسط إلى بحرٍ من الديمقراطيات المؤيّدة لأمريكا سريعاً. وربما كان كلينتون أسعد حظاً من بوش لأن التداعيات السلبية لأفعاله لم تظهر قبل نهاية ولايته، لكن أفعال الرئيسين لم تترك الولايات المتحدة في موقفٍ عالمي أكثر قوة.
في حين كان باراك أوباما يتمتّع بنظرةٍ أكثر واقعية لقوة الولايات المتحدة، وركّز اهتمامه على الدبلوماسية، لكنه لم يُقلّص مشاركة الجيش الأمريكي خارج الحدود، وكان يدعم بالكامل الاستخدام النشط للقوة العسكرية الأمريكية. إذ أرسل أوباما المزيد من القوات إلى أفغانستان عام 2009، ودعم تغيير النظام في ليبيا وسوريا، ووسّع نطاق القتل المستهدف للإرهابيين المشتبه بهم عن طريق الطائرات بدون طيار وقوات العمليات الخاصة. لكن إدارته فشلت في توقّع رد الفعل الروسي على الجهود الغربية لتقريب أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي والناتو، وأثبت عدم قدرته على توحيد البلاد وراء نهجه المتعلّق بتغيّر المناخ وإيران. كما يجب أن لا ننسى أن الجيش الأمريكي أسقط أكثر من 26 ألف قنبلة في 7 دول، خلال عامه الأخير في المنصب.
متى صارت الولايات المتحدة بهذا السوء في وضع الاستراتيجيات؟
لا شكّ أنّ السياسة الخارجية هي مجالٌ صعب، حيث تنتشر الشكوك وتصير الأخطاء حتميةً في بعض الأحيان. لكن العجز عن التفكير بشكل استراتيجي ليس أمراً معهوداً في الجينات الأمريكية. إذ واجهت إدارة ترومان تحدّيات هائلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكنّها خرجت بأفكارٍ مثل: الاحتواء، ومشروع مارشال، وحلف الناتو، ومجموعة من التحالفات الثنائية في آسيا، ومجموعة من المؤسسات الاقتصادية التي خدمت الولايات المتحدة وحلفاءها جيداً طيلة عقود. وعلى نحوٍ مُماثل، تعاملت إدارة بوش الأب (1989-1993) مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وإعادة توحيد ألمانيا سلمياً، وحرب الخليج بقدرٍ لا بأس به من الدهاء والخبرة وضبط النفس. ولم تكُن تلك الإدارات مثالية، لكنّ تعاملها مع الظروف المُعقّدة والجديدة كشف عن فهمٍ راسخ للأمور الأكثر أهمية، وقدرةٍ على استنباط الردود التي يُريدونها من الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء. وبعبارةٍ أخرى، يُمكن القول إنهم كانوا جيّدين في وضع الاستراتيجيات.

ومن المفارقات أن جزءاً من المشكلة اليوم هو مركز الصدارة البارز الذي حظيت به الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الأهلية. ولأن الولايات المتحدة شديدة القوة والثراء والأمن؛ فهي تكون معزولةً على الأرجح عن عواقب أفعالها. وحين ترتكب الأخطاء؛ يتحمّل الآخرون الجزء الأكبر من الثمن، ولم تُواجه مُنافساً مُكافئاً يستطيع المسارعة لاستغلال تلك الأخطاء. وتكبّدت الولايات المتحدة ستة تريليونات من الدولارات وأرواح آلاف الجنود خلال الحروب في العراق وأفغانستان، لكن عدم وجود تجنيدٍ إجباري يُقلّل المخاوف العامة بشأن الضحايا، كما أن الولايات المتحدة تدفع تكلفة تلك الحروب عن طريق اقتراض المال من الخارج وزيادة عجز الموازنة وترك عبء سداد الفاتورة للأجيال المستقبلية.
وربما يُساعد هذا الوضع في تفسير سبب عدم اهتمام الكثير من الأمريكيين بما يحدث خارج بلادهم، وما تفعله الحكومة الأمريكية حيال ذلك. إذ قالت ديان هيسين، التي تُجري مقابلات مُتعمّقة مع لجنةٍ من 500 أمريكي منذ عام 2016: “غالبية الناخبين لا يهتمون بأمر السياسة الخارجية، وهذه مشكلة”. وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن السياسة الخارجية لا تدخل ضمن نطاق الأولويات العشر الأساسية لدى الأمريكيين. وإذا كان الأمريكيون يستطيعون التفريق بين النجاح والفشل -من ناحية العواقب الفورية الملموسة على الأقل- فإن صُنَّاع السياسة يتعرّضون لضغطٍ أقل من أجل الخروج باستراتيجيات فعّالة، وبهذا ستصير الأولوية للمظاهر أكثر من الأداء الفعلي.
ثم تأتي الغطرسة
إذ يرى الأمريكيون في أنفسهم دائماً نموذجاً يجب أن يحتذي به الآخرون، وقد عزّز النصر في الحرب الباردة الاعتقاد بأنّ الولايات المتحدة تمتلك الصيغة السحرية للنجاح في العالم المعاصر. علاوةً على ذلك، فهم يُؤمنون بأنّ الجميع تقريباً في مختلف أنحاء العالم يُدركون ذلك، ويتوقون للسير على خطاهم والانضمام إلى النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة، ليصيروا مثلهم تدريجياً. ولقناعتهم بأن مسار التاريخ يصُب في صالحهم؛ آمن الزعماء الأمريكيون بأن المهمة سهلة. فمن يحتاج إلى استراتيجيةٍ مُتماسكة ومتطوّرة ومُصمّمة بعناية، إذا كانت الاتجاهات العالمية القوية تدفع بالعالم في الاتجاه الذي يُريده؟
فضلاً عن ذلك، فإن تجربة الولايات المتحدة التاريخية غير المعتادة، وجغرافيتها، وعزلتها، وسوقها المحلي الكبير، وجهلها العام هي من الأمور التي أضعفت قدرتها على صياغة استراتيجيات سياسة خارجية قابلة للتطبيق، وذلك بحسب ما أوضحه بول بيلار في كتابه “لماذا تُسيء أمريكا فهم العالم Why America Misunderstands the World”. ووضع استراتيجية سياسة خارجية فعّالة يتطلّب توقُّع ردود أفعال الآخرين المُحتملة، لكن المسؤولين الحكوميين -ناهيك عن الشعب ككل- لا يعرفون الكثير عن البلاد التي يُحاولون التأثير فيها بأفعالهم.
علاوةً على أن أسطورة “قدر الانصهار” الدائمة -التي تُصوّر المُهاجرين إلى الولايات المتحدة على أنّهم جاهزون لاعتناق الهوية الأمريكية الجديدة والانخراط في نسيج المجتمع الأمريكي بسلاسة- تدفع بالبلاد إلى التقليل من أهمية القومية والإثنية وغيرها من مصادر الهوية المحلية الدائمة. مما يُؤدي بدوره إلى الاستهانة بصعوبات بناء الدولة والأمة داخل المجتمعات المتنوعة. وتتباطأ الولايات المتحدة في الاعتراف بأنّ المجتمعات الأخرى قد تكون لديها أسبابها المقنعة للتشكيك في الدوافع الأمريكية أو اعتبارها خطيرة، نظراً لثقتها في استقامتها الشخصية وحسن نواياها. وإجمالاً، نجد أنّ هذه النقاط العمياء تُمثّل عقبةً خطيرة في طريق تطوير استراتيجية سياسة خارجية فعّالة، خاصةً فيما يتعلّق بأجزاء العالم الأخرى التي تمتلك تجارب تاريخية وعناصر ثقافية مختلفة تماماً عن نظيرتها الأمريكية.
ويُمكن القول إن هناك سمات رئيسية للنظام الديمقراطي الأمريكي تزيد صعوبة صياغة وتطبيق سياسةٍ خارجية وسياسة أمنٍ قومي متماسكة، خاصةً في غياب خطرٍ واضح وقائم للتركيز عليه وفرض الانضباط خلال مناظرات السياسة الخارجية. وحين تكون الغالبية العظمى من الجمهور غير مُكترثة؛ تنجح جماعات الضغط المحلية والأجنبية في السيطرة على العملية السياسية بسهولةٍ أكبر، خاصةً في حقبةٍ يلعب خلالها المال دوراً رئيسياً في عالم السياسة. وبدلاً من أن يتحوّل المجال إلى سوقٍ حقيقي للأفكار يُناقش مقترحات السياسة المتنافسة بعناية وصدق، تصير السياسة الخارجية مسرحاً تُهيمن عليه الأصوات الأعلى والأفضل تمويلاً -أو تفضيلات مجموعةٍ صغيرة من المانحين الأثرياء.
وكما أوضحت مُسبقاً، فإنّ الولايات المتحدة هي على الأرجح مُعرّضةٌ لخطر النفوذ الأجنبي أكثر من أيّ قوةٍ عظمى في التاريخ الحديث. وفي حال حصلت بعض مجموعات المصالح تلك على جزءٍ من رغباتها (مثل ميزانية دفاعٍ أكبر، أو اهتمامٍ أكبر بحقوق الإنسان، أو رفض اتفاقيات تغيّر المناخ، أو الدعم غير المشروط لبعض الدول العميلة، إلخ)؛ فسوف تتآكل القدرة على تطوير استراتيجيةٍ شاملة تُفيد الأمة ككل. وفي أفضل الأحوال، سينتهي المطاف بالولايات المتحدة إلى الالتزام بتنفيذ أمورٍ تفوق قدرتها. وفي أسوأ الأحوال، سينتهي بها المطاف إلى السعي لتنفيذ سياسات متناقضة، وبالتالي تهزم نفسها بنفسها.
ومن الناحية المثالية، فسوف تتعلّم المؤسسات المسؤولة عن صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية من تجاربها بمرور الوقت. ولكنّني اكتشفت باستفاضةٍ في مناطق أخرى أنّ مؤسسة السياسة الخارجية المُعاصرة تفتقر إلى المساءلة. إذ تنجو الأفكار السيئة مهما ثبت بطلانها، والأشخاص الذين يرتكبون أخطاءً يُواصلون تكرارها بانتظام، في حين يجري تهميش الأشخاص الذين يعملون على تصحيح الأمور. وخير دليلٍ على ذلك هو أنّ الأفراد، و/أو الجماعات، الذين خرجوا بفكرة حرب العراق وروّجوا لها ونفّذوها تنفيذاً سيئاً ما يزالون شخصيات تحظى بالاحترام حتى يومنا هذا، وبعضهم يُعتبر مُؤهّلاً للخدمة مرةً أخرى في المستقبل. وانظر كيف أن الصفحات الافتتاحية لصُحف Wall Street Journal وNew York Times وWashington Post الأمريكية زادت أعداد كُتّاب الأعمدة المُنتظمين الذين أيّدوا الحرب، ولكنّها لا تتضمّن أيّ شخصٍ توقّع بشكلٍ صحيح أنّ تلك الحرب ستتحوّل إلى كارثة. وإذا كان الأشخاص الذين يصيغون استراتيجيات سيئة لا يدفعون ثمن أخطائهم، في حين لا ينظر أحدٌ لأولئك الذين يقترحون البدائل الأفضل، فكيف يتوقّع المرء أن تنصلح أحوال البلاد؟
وربما يكون من السهل على المرء أن يرى الإخفاقات المتعددة على أنّها عاقبةٌ حتمية لتحوّل أمريكا التدريجي من جمهوريةٍ إلى إمبراطوريةٍ عالمية، أي دولة نافذة لا تستطيع التوقّف عن التدخل في شؤون العالم بأكمله. وقد حذّر الآباء المؤسسون من أنّ الجمهورية لا تستطيع الانخراط في حربٍ شبه مستمرة دون أن تصير فاسدة، وهم مُحقّون. وأدرك جنرال الخمس نجوم والرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور هذا الأمر أيضاً. إذ إنّ شنّ الحرب باستمرار يتطلّب مؤسسات أمنٍ قومي قوية، وسرية حكومية أكبر، وتوسيعاً تدريجياً للسلطة التنفيذية. لأنّ الحرب المستمرة تُؤدّي إلى تآكل الضوابط والموازين، وتجاهل انتهاكات القوانين المحلية والعالمية، والسيطرة على وسائل الإعلام وتواطئها، وإسكات المعارضين أو تهميشهم. في حين يجد الرؤساء وأتباعهم سهولةً أكبر في الكذب من أجل الحفاظ على الشعبية، أو كسب التأييد لصالح السياسات التي يُفضّلونها. وبمجرد أن يصير الخطاب العام مُتجاهَلاً ومنفصلاً عن عالم الواقع؛ يصير الخروج باستراتيجيات فعّالة وسط هذا العالم أمراً شبه مستحيل.
وكما قُلت في عمودي السابق، فقد بلغنا نقطةً صارت خلالها السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي في الولايات المتحدة أشبه بالعروض المسرحية. ونتائج الأفعال الأمريكية ليست مهمةً للعامة في الواقع -باستثناء الجنود والبحّارة والطواقم الجوية والدبلوماسيين المنوطين بتنفيذها. والأمر الوحيد الذي يُهم قادة الولايات المتحدة هو الكيفية التي سيُعرض بها الأمر في التلفاز، أو عبر تويتر، أو بين الدوائر الانتخابية التي تهتم بترفيهها أكثر من تنويرها وقيادتها باقتدار. وربما تستطيع الولايات المتحدة أن تُواصل السير على هذا الطريق لبعض الوقت، بفضل قوتها وأمنها. لكنها لن تستطيع المضي في هذا الطريق إلى الأبد. وستواصل فقدان الكثير من الفرص لزيادة سلامتها ورخائها، وبناء مجتمعٍ يرقى إلى مُثلها النبيلة.