عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعديلات دستورية جذرية بشكل مفاجئ تضع حداً لبقائه كرئيس بعد انتهاء ولايته الحالية في 2024، لم يتوقف أحد طويلاً أمام سؤال إذا ما كان سيبقى في السلطة أم لا، بل انصبت التحليلات حول كيف سيبقى في السلطة؟
ماذا حدث؟
أمس الإثنين 20 يناير/كانون الثاني، أرسل بوتين حزمة تعديلات دستورية إلى البرلمان – كان قد أعلن عنها بشكل مفاجئ الأربعاء 15 يناير/كانون الثاني أثناء حديثه السنوي أمام البرلمان بغرفتيه الدوما والاتحاد – وقد أثارت تعديلات بوتين الدستورية التكهنات حول مستقبله السياسي بعد انتهاء ولايته الرئاسية الحالية عام 2024.
في نفس اليوم (الأربعاء) تقدمت الحكومة الروسية باستقالتها وقبلها بوتين على الفور وعين ميخائيل ميشوستين، وهو موظف رسمي رفيع المستوى تولى جهاز الضرائب على مدى العقد الماضي وهو غير معروف حتى داخل روسيا، ولا يبدو أنه لديه أي طموحات سياسية.

أما رئيس الوزراء المستقيل ديمتري ميدفيديف – حليف بوتين الذي تولى الرئاسة عام 2008 لمدة أربع سنوات تولى خلالها بوتين رئاسة الوزراء فيما يمكن تسميته بالمحلل السياسي – فقد عينه بوتين نائباً لرئيس المجلس الأمني للبلاد، وأعلن ميدفيديف تأييده لقرارات بوتين، كما هو متوقع.
ما التعديلات الدستورية التي اقترحها بوتين؟
حدد مشروع قانون التعديلات الدستورية سلسلة إجراءات أحدها يعزز دور البرلمان في تسمية رئيس الوزراء، فيما يقصر مدة حكم الرئيس بفترتين فقط بعد أن كانت فترتين متتاليتين، كما تنص التعديلات على قيام الرئيس بإنشاء مجلس دولة يُكلف بـ «تحديد أبرز توجهات السياسة الداخلية والخارجية في الاتحاد الروسي»، و «المجالات الأكثر أهمية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية» للبلاد.
هناك أيضا قيود أو شروط لابد أن يتمتع بها أي مرشح لانتخابات رئاسية ، حيث يجب من الآن فصاعداً أن يكون قد عاش في روسيا خلال السنوات الـ25 الماضية بدون الحصول على إقامة في الخارج، كما أن أعضاء الحكومة والقضاة والنواب لن يتمكنوا بعد الآن من حمل جنسيتين، أو أن يكونوا عاشوا فترة طويلة في الخارج.
هل قرر بوتين الاعتزال بعد 2024؟
الحقيقة أن هناك ما يشبه الإجماع بين الخبراء والمحللين على أن التعديلات الدستورية التي اقترحها بوتين هدفها هو سعيه إلى البقاء في السلطة بعد انتهاء فترته الرئاسية عام 2024، حيث إن بوتين الذي حكم روسيا على مدى 20 عاماً حتى الآن ليس سياسياً تقليدياً بأي حال من الأحوال.
في حديث مع الأناضول، قال الأستاذ الجامعي أوكطاي طانري سفر، في جامعة الشرق الأوسط التقنية، إن وجود ميدفيديف برئاسة مجلس الوزارء وبوتين برئاسة الدولة “يشكل قيوداً دستورية”. ويضيف طانري سفر: “لكن ببناء نظام وجدول زمني جديدين، يستطيع بوتين البقاء في السلطة من خلال التوفيق بين المصالح المختلفة في إطار مؤسسي جديد دون تقويض قيادته للبلاد”.
وبحسب أستاذ العلاقات الدولية، فإن الهدف الرئيسي من التعديلات المقترحة من قبل بوتين، هو المحافظة على تحالفات السلطة لفترة أطول.
بدوره، يرى مسعود حقي جاسين، أستاذ القانون في جامعة يدي تبه، أن “بوتين يرغب بمواصلة إرثه السياسي بموجب دستور جديد”. ويضيف جاسين: “تشير التعديلات المقترحة إلى زيادة دور وسلطة رئيس الوزراء، لذلك أرى أن بوتين سيشغل منصب رئيس الوزراء في 2024، فيما سيتسلم ميدفيديف منصب رئيس الدولة”. ويتوقع جاسين أن يوافق الشعب الروسي على هذه التعديلات في الاستفتاء، “لأنهم يريدون أن يستمر حكم بوتين في المستقبل”.
ويقول إن “التوترات مع الغرب أدت إلى ظهور قومية روسية جديدة، وأرى أن شعبية الرئيس الروسي مرتفعة خاصة بين فئة الشباب”.
أي سيناريو سيطبقه بوتين؟
الواقع أن التعديلات التي اقترحها بوتين تعطيه عدداً من السيناريوهات التي تمكنه من مواصلة السيطرة على مقاليد الأمور في روسيا بعد 2024، ويظل السؤال أيها سوف يقرر بوتين اعتماده، فبعد أن يتم إقرار التعديلات الجديدة في استفتاء عام متوقع أن يحظى بتأييد الأغلبية، سيصبح البرلمان له سلطات أوسع أهمها اختيار رئيس مجلس الوزراء الذي نقلت إليه التعديلات صلاحيات أوسع في مقابل تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، مما يعني أن بوتين قد يتولى منصب رئاسة الوزراء.

يعزز هذا السيناريو تعيين بوتين ميشوستين رئيساً للوزراء، فهو موظف غير معروف حتى داخل روسيا ولا يبدو أن لديه أي طموحات سياسية، ما يعني أنه ربما اختاره بوتين كي يلعب الدور الذي لعبه ميدفيديف من قبل.
السيناريو الآخر هو أن يتولى بوتين رئاسة “مجلس الدولة الجديد” الذي اقترحه بموجب التعديلات، وهذا السيناريو يجعله متحكماً في مقاليد السلطة في البلاد ولكن من وراء الستار، لكن البعض يرى أن ذلك السيناريو ربما لا يكون المفضل لدى بوتين بحسب تركيبته الشخصية الساعية لأن تكون تحت الأضواء وليست خلف الكواليس.
السيناريو الثالث أن يتولى بوتين منصب الرئيس لدولة جديدة وهذا ليس سيناريو تخيلياً، حيث إن روسيا البيضاء وروسيا تتفاوضان الآن على شكل العلاقة بينهما، وربما يكون بوتين يريد ضم روسيا البيضاء في اتحاد فيدرالي يكون نواة لإعادة إحياء الاتحاد السوفييتي مرة أخرى، بحسب تقرير نشره موقع فوكس الأمريكي.
وحول هذا السيناريو، يرى طانري سفر في حديثه مع الأناضول أن منصب رئيس الوزراء سيتمتع في النظام الجديد بدور تقني أكثر منه سياسي، بمعنى أن “مجلس الوزراء سيعالج المسائل الفنية، بينما يتخذ الرئيس والمجلس الأمني القرارات الهامة”. ويتابع: “أعتقد أن هذا الكيان التأسيسي يشبه إلى حد كبير النظام السوفييتي، حيث كان منصب رئيس الوزراء مسؤولاً عن قضايا اقتصادية وليس سياسية. كان رؤساء الوزراء يتعاملون مع المسائل المالية والتنمية الاقتصادية، بعيداً عن أي مهام سياسية أو أمنية في النظام”. ويكمل: “سوف يعمل الرئيس على تشكيل مجلس أمني على شكل مكتب سياسي، ويكون لديه بنية مشابهة لتلك التي كانت في الاتحاد السوفييتي. ولن يعتقد أحد أن لرئيس الوزراء مهام سياسية تنفيذية”.
ولكن طانري سفر يعتقد أن “بوتين لا يرغب بإعادة الحياة إلى الاتحاد السوفييتي، بل هو يرغب بتطبيق نظام أثبت فاعليته في روسيا من قبل”. ويضيف: “الهدف يكمن في عدم تسييس كيان الدولة الروسية، أي أن مجلس الوزراء يعالج القضايا الفنية، والمجلس الأمني يتخذ القرارات الهامة”.
لماذا لم يلجأ بوتين لتمديد بقائه رئيساً مدى الحياة؟
الإجابة عن هذا السؤال تكمن في الأوضاع الداخلية في روسيا؛ صحيح أن بوتين حقق ما يشبه المعجزة خلال العشرين عاماً التي تولى فيها مقاليد الأمور، حيث كانت البلاد عام 1999 تعاني من أزمات طاحنة على المستوى السياسي والاقتصادي وتواجه حرباً طاحنة في الشيشان، وأصبحت الآن قوة كبرى على الساحة الدولية واستعادت كثيراً من أمجاد الاتحاد السوفييتي، لكن هناك معارضة متزايدة في الداخل وشهدت موسكو احتجاجات كبيرة الصيف الماضي مطالبة بالديمقراطية.
الوضع الاقتصادي أيضاً ليس مثالياً بسبب انخفاض أسعار النفط عالمياً والعقوبات الأمريكية منذ 2014، مما اضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات اقتصادية لا تحظى بالشعبية مثل رفع سن المعاش وانخفاض دخل المواطنين بصورة ملحوظة، وهذا أدى لتراجع شعبية بوتين إلى حد ما.
قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان يستخدمها الغرب لتأجيج المعارضة ضد بوتين في الداخل، وكل هذه العوامل ليست غائبة عن بوتين، وفي ظل تزايد المطالبات بوضع دستور جديد للبلاد، جاءت التعديلات المقترحة من جانب بوتين لتحقيق توازن يسمح له بإجراء تغييرات على البنية السياسية دون أن يستفز المعارضة في الداخل والخارج.
هذه المعطيات جعلت بوتين يفكر خارج الصندوق ويفتح الباب أمام عدد كبير من السيناريوهات، ليس من بينها ما كان يتوقعه الكثيرون وهو تعديل دستوري يبقيه رئيساً مدى الحياة، ويظل السيناريو الذي سيلجأ إليه بوتين عندما يحين الوقت (2024) حكراً عليه هو فقط حتى يقرر الإفصاح عنه.