“إذا كانت الصين تعاني فماذا ستفعل غيرها؟”.. تحذيرات: تفشي كورونا قد يكون مدمراً للدول الفقيرة

عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية أنَّ تفشي فيروس كورونا المُستجد، أو كورونا ووهان، حالة طوارئ للصحة العامة على الصعيد الدولي، فذلك لأنها تخشى من أن الدول الأصغر أو الأقل تقدماً قد تعاني؛ من أجل احتواء الفيروس.

إذا قال تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في أثناء إعلان المنظمة، يوم 30 يناير/كانون الثاني: “أكبر مخاوفنا هو احتمالية انتشار الفيروس إلى الدول التي تعاني من ضعف الأنظمة الصحية والتي ليست جاهزة للتعامل مع مثل هذه الحالات”.

قلق كبير من اتساع رقعة العدوى عالمياً

يقول موقع شبكة CNN الأمريكية، إنه منذ ذلك الوقت، تضاعف عدد حالات الإصابة المؤكدة بالفيروس في الصين إلى أكثر من أربعة أضعاف، لتصل إلى أكثر من 44.653 حالة. وبحلول صباح الأربعاء 12 فبراير/شباط، بلغ عدد الوفيات نتيجة الإصابة بالفيروس 1.100 شخص، في حين تماثل 4.740 مريضاً للشفاء وخرجوا من المستشفيات.

انتشر الفيروس في أنحاء آسيا وإلى داخل أوروبا والولايات المتحدة، بأكثر من 500 حالة مؤكدة في بضع وعشرين دولة ومقاطعة، بحالتي وفيات فقط خارج الصين.

المناطق التي وصلها كورونا حتى اللحظة/ منظمة الصحة العالمية

وبينما ارتبطت معظم الحالات المصابة خارج الصين حتى الآن بمسافرين من الصين، أو أشخاص كانوا هناك مؤخراً، هناك مجموعة صغيرة ولكن متزايدة، من المصابين انتقلت إليهم العدوى محلياً.

وهذا أمر مقلق، لأنه إذا حدث تفشٍّ يتزايد ذاتياً في دول ذات نظم رعاية صحية ضعيفة، فقد تكون الآثار مدمِّرة. وقال جيرمي كونينديك، وهو زميل أقدم في السياسة لدى مركز التنمية العالمية للأبحاث: “هو مصدر قلق كبير لنا”.

وأضاف: “لا نزال لا نمتلك صورة واضحة عما يبدو عليه الفيروس، ولكن بالنظر إلى سرعة انتشار المرض في الصين وسرعة ظهوره بدول أخرى، تبدو احتمالية انتشاره عالمياً واردة للغاية.

إذا كانت الصين تعاني، فكيف ستتعامل الدول الأخرى مع الفيروس؟!

يأتي تصنيف الصين بالمركز الحادي والخمسين بين 195 دولة عالمياً من حيث مستوى الجاهزية لتفشي الأمراض، وفقاً لمؤشر الأمن الصحي العالمي. وذلك بعيد بعض الشيء عن مستوى الدول الأغنى في العالم، ولكنه أعلى كثيراً من عديد من البلدان منخفضة الدخل.

وعلّقت السلطات الصينية عمل المواصلات العامة وأغلقت مدناً كاملة في بؤرة تفشي المرض، وهو ما جعل 60 مليون شخص قيد الحجر الصحي. وتمكنت الصين من بناء مستشفيَين في أقل من أسبوعين، وأرسلت آلاف العاملين بالقطاع الطبي إلى ووهان.

وعلى الرغم من تلك الجهود غير المسبوقة، تعاني الصين؛ من أجل السيطرة على سرعة تفشي وانتشار الفيروس. تشير الروايات المباشرة من الأطقم الطبية والمرضى في ووهان إلى أن النظام الصحي الصيني المُثقل بالأعباء يعاني بشدة. لا يوجد ما يكفي من الأسرّة والإمدادات الطبية في المستشفيات المُكدّسة بالمرضى. الأطباء والممرضون المنهكون يخاطرون بأرواحهم ويُصابون بعدوى فيروس كورونا بأنفسهم.

مخاوف من تحول فيروس كورونا إلى وباء عالمي/ رويترز

تحدّث أشخاص من أُسر المرضى عن عدم استقبال المستشفيات للمرضى، والتأخير في الفحص، وتكدّس ممرات المستشفيات بالمرضى الذين يعانون من الحمى والاستخدام المحدود لإجراءات الفحص الدقيقة والحجر الصحي.

وقال كونينديك: “إذا كانت الصين تعاني لاحتواء الفيروس، فسوف يكون الأمر أصعب كثيراً على الدول الأضعف (من حيث النظام الصحي). وهذا يعني أن نوع تفشي الوباء الذي رأيناه بالصين قد يتكرر في أي مكان آخر”.

أين تكمن أكبر المخاوف؟

تتحمل الدول القريبة من الصين في جنوب شرقي آسيا العبء الأكبر من احتمالات حدوث العدوى خارج الصين، بظهور إصابات ناجمة عن عدوى محلية في اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام وتايلاند.

بعض تلك الدول التي ظهر فيها فيروس كورونا وجيرانها هي من الدول الأفقر والأكثر عرضةً للكوارث في العالم. يعرب الخبراء عن قلقهم من أن البنية التحتية للرعاية الصحية في تلك الدول قد تنهار تحت وطأة تفشي الفيروس، وهو ما قد يدمّر اقتصاد تلك الدول كلياً، وقد يتسبب في نزوح جماعي، سيؤدي بدوره إلى مزيد من حالات الوفاة، لأسباب غير الإصابة بالفيروس.

تتسبب الكوارث الطبيعية في الفلبين بالفعل في خسائر بملايين الدولارات ونزوح آلاف سنوياً. تعرضت الفلبين في 2019 لإعصار تيفون القوي ومجموعة من الزلازل. وهذا العام، لا تزال احتمالية حدوث انفجار بركاني في جزيرة لوزون الجنوبية تمثّل تهديداً للمقيمين بالمناطق القريبة. وقتل وباء حمّى الضنك، الصيف الماضي، أكثر من ألف شخص وأصاب أكثر من 250 ألف شخص آخرين، وهو ما يُظهر هشاشة النظام الصحي.

وحتى الآن، سجّلت الفلبين حالة وفاة واحدة نتيجة الإصابة بفيروس كورونا، وهي حالة الوفاة الأولى خارج الصين، وأكدت إصابة ثلاثة أشخاص آخرين بالفيروس.

وتعتبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ موطن 60% من سكان العالم، وعديد من تلك الدول منخفضة أو متوسطة الدخل تتحول بسرعة نحو التصنيع. ووفقاً لتقرير مجلس رصد التأهب العالمي لعام 2019 بعنوان “العالم في خطر”، فإن التحوّل السريع نحو التصنيع والتحضّر يزيد من سرعة انتشار المرض في أثناء تفشي وباء.

العوامل التي ستزيد من سرعة انتشار الفيروس

الزيادة السكانية وهجرة الملايين من المناطق الريفية إلى المدن المزدحمة ذات البنية التحتية غير المتطورة ونقص أنظمة الصرف الصحي، عوامل تزيد بشدة من سرعة انتشار الفيروسات.

تُعتبر الهند، التي يبلغ تعداد سكانها 1.3 مليار نسمة، واحدة من أسرع الدول نمواً في العالم. وبحلول عام 2050، يتوقع تقرير الأمم المتحدة أن يزيد عدد سكان المناطق الحضرية في الهند بمقدار 416 مليون نسمة. وهناك ثلاث حالات تأكدت إصابتها بفيروس كورونا في الهند، وثلاثتهم طلبة سافروا إلى الهند من ووهان.

وبالرغم من قدرة ملايين الأشخاص في الهند على انتشال أنفسهم من هاوية الفقر خلال العشرين عاماً الماضية، لا يزال هناك الملايين تحت خط الفقر.

في أحياء المدن الفقيرة عالية الكثافة السكانية يعيش آلاف الأشخاص على مقربة كبيرةٍ بعضهم من بعض، في ظروف معيشية دون المستوى، تجعل من الصعب السيطرة على تفشي عدوى فيروسية قاتلة.

يعتقد ان فيروس كورونا انتشر خارج الصين جراء ما يعرف بالناشرين الفائقين/رويترز

وتظل أيضاً الدول الأصغر، ذات الكثافة السكانية المنخفضة، في منطقة المحيط الهادئ، عرضة إلى حدٍّ كبير لتفشي المرض، رغم عدم تأكيد إصابة أي شخص بفيروس كورونا فيها.

بعض الدول لم تُسجّل حتى الآن أي حالات إصابة، مثل إندونيسيا التي يبلغ تعداد سكانها 264 مليون نسمة، وتستقبل عادةً أعداداً ضخمة من السياح الصينيين. وبالمثل، لم تُسجَّل أي حالات إصابة مؤكدة في ميانمار، التي تتشارك حدودها مع الصين والهند وبنغلاديش وتايلاند ولاوس.

تفشي فيروس كورونا في ميانمار، على سبيل المثال، قد يدمّر البلد الذي لا يزال يعاني إرث عقود من الحكم العسكري الوحشي، حيث يعيش واحد من كل أربعة أفراد تحت خط الفقر، ولا تزال الأمراض المعدية مثل السل، من أسباب الوفاة الرئيسية في البلاد.

مقدِّمو الرعاية الصحية يخاطرون بأرواحهم

قال كونينديك، من مركز التنمية العالمية للأبحاث، إن أحد أكبر مخاوف الانتشار العالمي للفيروس هو خطر العدوى المُعرَّض له مقدِّمو الرعاية الصحية في الصفوف الأمامية لمواجهة المرض.

أضاف: “إجراءات الوقاية من العدوى ومنعها في العالم النامي ضعيفة الإدارة والموارد”. ووفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية، فخلال تفشي وباء الإيبولا بغربي إفريقيا في 2014 وبجمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2019، كان مقدمو الرعاية الصحية أكثر عرضة للعدوى من السكان العاديين بمقدار 21 إلى 32 ضعفاً.

يقول كونينديك: “تُعتبر عدوى العاملين بالقطاع الطبي ضربة هائلة، لأنها إضافة إلى زيادة عدد الحالات المصابة، تقلل قدرة النظام الصحي على مواجهة تفشي المرض، وتقوّض عمل النظام الصحي على نطاق المخاطر الصحية الأخرى أيضاً”.

قد تكون لانعدام ثقة المجتمع بالعاملين في القطاع الطبي ببعض الأماكن نتائج كارثية، ومن المحتمل أن تؤدي إلى مزيد من الوفيات وسرعة انتشار الفيروس.

عندما ظهر وباء الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية العام الماضي، تسبب الخوف والشائعات وانعدام الثقة بالسلطات الصحية بالبلاد والسياسيين في بقاء الأشخاص بمنازلهم بدلاً من ذهابهم للعلاج. على الرغم من ملايين الدولارات التي أُنفقت ووجود مَصل فعال تجريبياً، انتشر المرض إلى مقاطعات جديدة وعاد للظهور في مناطق كان يُعتقد أنها تخلصت من الفيروس.

قالت كورتني كانسلر، كبيرة محللي البيانات الصحية لدى شركة “WorldAware”: “يستحيل على النظام الصحي إجراء أي فحوص أو علاجات، في حال انتشار فيروس كورونا الجديد إلى مناطق مثل هذه من دون مساعدة دولية”.

وأضافت: “فنزويلا مثال آخر، حيث يعاني البلد نقصاً شبه كامل في الخدمات الطبية الأساسية والبنية التحتية للرعاية الصحية على الصعيد الوطني”. وحتى الآن لا توجد أي دلائل على ظهور إصابات مؤكدة بفيروس كورونا في إفريقيا أو أمريكا الجنوبية.

العالَم ليس مستعداً لوباء واسع الانتشار

ناشدت منظمة الصحة العالمية تنسيق استجابة دولية؛ للمساعدة في منع تفشي المرض وانتشاره، وأن تقدِّم الدول الأغنى دعمها للدول ذات الأنظمة الصحية الأضعف.

ولكن مع إغلاق مزيد من الدول حدودها أمام المسافرين من الصين، هناك مخاوف من أن تعيق تلك القيود مشاركة بيانات الصحة العامة. ولم تعلن منظمة الصحة العالمية حدوث “جائحة” أو وباء عالمي، وهو ما يحدث بشكل أساسي عند انتشار المرض على نحوٍ مستدام إلى عدد أكبر من الدول.

قال كونينديك: “على الرغم من التقدم الكبير في الشفافية ومشاركة البيانات والأدوات البحثية، يظل العالَم غير مستعدٍّ بجدية لحدوث جائحة خطيرة بهذا الحجم”. وأضاف: “سوف تنهار أنظمتنا الطبية والصحية الحالية بسرعة، ولا توجد أي خطط بديلة واضحة أو مطروحة لما يتوجب على البلدان فعله في هذه المواقف”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top