لماذا أخفت إيران حقيقة تفشِّي كورونا؟ التجارة مع الصين والانتخابات وأشياء أخرى

يبدو أن نفي إيران إخفاء الحقيقة بشأن تفشِّي فيروس كورونا في البلاد ساهم فقط في تأكيد الأمر، فالأرقام المرتفعة لأعداد الوفيات مقارنة بأعداد الإصابات يجعل إيران بؤرة لتفشِّي الفيروس أكثر خطورة من الصين ذاتها، فما دوافع طهران لإخفاء الحقيقة؟ وكيف يمثل ذلك خطورة بالغة على دول المنطقة؟

متى تم الإعلان عن وجود الفيروس؟

حتى قبل يومين فقط من الانتخابات البرلمانية في إيران والتي جرت الجمعة 21 فبراير/شباط، كان الحديث الرسمي مفتضباً وشمل “بعض الإصابات بفيروس كورونا في مدينة قم، جنوبي طهران”، لكن الأمر اختلف تماماً بعد يوم واحد من الانتخابات، حيث أخذت أرقام الإصابات والوفيات في التصاعد بشكل لافت، وفي مناطق عدة من البلاد.

واليوم الثلاثاء 25 فبراير/شباط، وصلت الأرقام الرسمية التي أعلنتها طهران عن الفيروس إلى 17 حالة وفاة و61 حالة إصابة مؤكدة، فيما قال المتحدث باسم وزارة الصحة مزاعم فرحاني إنه يجري حالياً فحص حوالي 900 حالة أخرى يشتبه في إصابتها بالفيروس.

هذه الأرقام الرسمية – التي يشكك فيها الكثيرون داخل إيران وخارجها – تجعل إيران ثاني أكبر بؤرة تفشٍّ للفيروس الذي أصبح على حافة التحول لوباء عالمي بعد الصين منشأ الفيروس الذي حصد أكثر من 2660 حالة وفاة حتى أمس الإثنين وأكثر من 80 ألف مصاب، لكن نسبة الوفيات بالنسبة لعدد المصابين تجعل بؤرة إيران أكثر فتكاً من الصين.

كيف وصل الفيروس إلى إيران؟

بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في إيران، انتشر كورونا في البلاد بسبب أشخاص دخلوها بطريقة غير قانونية، من باكستان وأفغانستان، أو بشكل غير مباشر من الصين، لكن ربما لا تمثل تلك الرواية كل الحقيقة.

رحلات خطوط ماهان للطيران إلى الصين لم تتوقف

ففي ظل العقوبات الأمريكية الخانقة على طهران منذ انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، أصبح الحرس الثوري الإيراني ومؤسساته الاقتصادية رأس حربة النظام في التحايل على تلك العقوبات من خلال تعاملات مع دول، أبرزها وأهمها الصين.

وفي هذا السياق يأتي دور خطوط طيران ماهان التابعة للحرس الثوري التي تخضع للعقوبات الأمريكية وأوقفت الدول الأوروبية أيضاً رحلاتها، إضافة لدول الخليج، لكن رحلات ماهان إلى الصين ظلت ولا تزال مستمرة على الرغم من الحظر بسبب الفيروس والذي بدأ تطبيقه منذ أواخر يناير/كانون الثاني الماضي.

ويعد هذا التفسير هو الأقرب للواقع، حيث إن دوافع إيران والصين من وراء استمرار رحلات خطوط ماهان مرتبطة بشكل أساسي بالالتفاف حول العقوبات الأمريكية، وعلى الأرجح تسبب ذلك في انتقال فيروس كورونا في وقت مبكر، وهو ما يفسر الارتفاع الصاروخي في أعداد الوفيات والإصابات وتحول البلاد لبؤرة تفشٍّ للفيروس في زمن قياسي منذ الإعلان الرسمي الأول قبل أقل من أسبوع.

لماذا أخفت إيران الحقيقة؟

هناك أسباب سياسية تتعلق بالانتخابات البرلمانية، حيث كانت الأجواء السياسية واستبعاد الإصلاحيين من الترشيح استغلالاً لحالة الغضب تجاههم في أعقاب اغتيال قاسم سليماني تشير إلى ضعف إقبال الناخبين على التصويت، وبالتالي يمكن تفسير تكتم السلطات على أخبار الفيروس حتى ما بعد يوم التصويت.

علي خامنئي

اللافت هنا أن النظام على لسان مرشده علي خامنئي كان قد اتهم من وصفهم بأعداء إيران  بالمبالغة في أخبار تفشِّي فيروس كورونا في البلاد، لكن التصريح جاء بعد أن انتهى التصويت، الذي جاءت نسبة الإقبال فيه أقل من 43%، وهي النسبة الأقل منذ الثورة قبل أكثر من 40 عاماً، بينما قال مواطنون ومعارضون إيرانيون إن السلطات أخفت حقيقة ما يجري حتى انتهاء الاقتراع لأهداف سياسية.

لكن الأسباب السياسية على الأرجح ليست الوحيدة وراء موقف السلطات الإيرانية من الفيروس، حيث لا يمكن استبعاد الأسباب الاقتصادية أيضاً، في ظل كون الصين تمثل شرياناً حيوياً لطهران للتخفيف من وطأة العقوبات الأمريكية الخانقة.

النظام الإيراني من جانبه ينفي إخفاء الحقيقة بشأن الفيروس ويتهم أعداءه في الداخل والخارج بنشر تلك الادعاءات كجزء من الحرب التي يشنها أعداؤه المتحالفون مع واشنطن، على حد زعم قيادات النظام.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للشرق الأوسط؟

حتى الآن تسبب تعامل السلطات الإيرانية مع تفشِّي الفيروس على أراضيها في انتقاله منها إلى العراق ولبنان والبحرين والكويت والسعودية وعمان والإمارات العربية المتحدة وأفغانستان، وهو ما يمثل كارثة صحية بكل المقاييس.

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “بؤرة تفشِّ جماعية.. إيران أخطر نقطة لنقل الفيروس بعد الصين”، حذرت فيه من أن الظروف مهيأة لانتقال الفيروس إلى دول المنطقة، وأن عوامل عديدة تجعل فرص السيطرة عليه أضعف من مثيلاتها في أي منطقة أخرى حول العالم.

وأشارت الصحيفة، في تقريرها، إلى أن تدفق الزوار الدينيين والعمال المهاجرين ورجال الأعمال والجنود ورجال الدين بشكل مستمر عبر الحدود الإيرانية يزيد من مخاطر انتقال العدوى إلى بلدان ذات ضوابط حدودية قليلة وحكومات ضعيفة وغير فعالة وأنظمة صحية هشة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top