الضربات الأمريكية بالعراق تصب في مصلحة إيران، فهل من مخرج آمن لبلاد الرافدين؟

لا أحد يتصور أن صفحة إقدام واشنطن على اغتيال قاسم سليماني على الأراضي العراقية قد طُويت تماماً، ومع الضربات الأخيرة التي راح ضحيتها عسكريون ومدنيون عراقيون، يصبح السؤال الآن: هل تصب تلك الضربات الأمريكية في مصلحة إيران؟ وأين المفر للعراق؟

مجلة نيوزويك الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “الضربات الأمريكية تُحدث توتراً في العلاقات الأمريكية العراقية، حيث يمكن أن تستهدف أي شخص”، ألقى الضوء على تبعات التصعيد الأمريكي بالعراق وتداعياته على الأوضاع في بلاد الرافدين.

مَن المستهدف؟ ومن الضحية؟

أشارت تقارير إلى أن الغارات الجوية الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على العراق استهدفت مواقع لميليشيا محلية مرتبطة بإيران، ولكن قيل إنها قتلت بدلاً من ذلك جنوداً وأفراد شرطة ومدنياً، وهو ما أثار مخاوف من أن يكون أي شخص هو الضحية التالية لحرب أخرى غير معلنة، في بلدٍ دمرها الصراع المستعر منذ عهد طويل.

نفذ الجيش الأمريكي، الخميس 12 مارس/آذار 2020، ما وصفه بـ”الضربات الدفاعية الدقيقة” ضد خمسة مواقع مزعومة لتخزين الأسلحة تستخدمها كتائب حزب الله المدعومة من إيران، وهي ميليشيا مسؤولة عن الهجوم الصاروخي يوم الأربعاء 11 مارس/آذار 2020، والذي أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين وأحد جنود المملكة المتحدة شمال بغداد. وأشاد قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال كينيث ماكينزي، بالعملية وعدَّها نجاحاً، إذ أظهر صوراً للأضرار التي أحدثتها ما وصفها بـ”الأسلحة الدقيقة التي جرت معايرتها بعناية من قِبل صانعي الأسلحة لدينا؛ لتحقيق أقصى تأثير على الهدف وتقليل الأضرار الجانبية”، وقال ماكينزي للصحفيين: “نعتقد أن الأضرار الجانبية ستكون منخفضة للغاية”.

ضربات عشوائية؟

ولكن ظهرت قصة مختلفة تماماً من العراق. بعد فترة وجيزة من الضربات، شاركت قوات الحشد الشعبي، وهي مجموعة من الميليشيات التي ترعاها الدولة العراقية والتي تشمل كتائب حزب الله، تقارير مع مجلة Newsweek تفيد بأن الضربات لم تستهدف مواقعها فقط، بل استهدفت أيضاً البنية التحتية المدنية. في اليوم التالي، أفصحت قيادة العمليات المشتركة العراقية عن حصيلة القتلى.

قوات أمريكية في معسكر التاجي في العراق

وكان من بين الجرحى عناصر من اللواء 46 من قوات الحشد الشعبي في كتائب حزب الله، ومن بين القتلى ثلاثة جنود من الفرقة الـ19 للقوات الخاصة التابعة للجيش العراقي، واثنان من فوج شرطة الطوارئ الثالث في محافظة بابل، ومدني يُقال إنه من الطباخين، في مطار كربلاء الذي يقع بمنطقة مقدسة في العراق. وأصيب عدد آخر، ولا تزال الجثث تحت الأنقاض.

أثارت هذه الأنباء أمةً ما زالت متأثرة باغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني ونائب قائد قوات الحشد الشعبي العراقية أبومهدي المهندس بمطار بغداد الدولي في يناير/كانون الثاني من هذا العام. قال مسؤول عراقي لمجلة Newsweek إن هجوم الخميس كان بالنسبة لمعظم المواطنين يستهدف وطنهم.

وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، خلال حديثه للمجلة: “في الهجوم الأخير، كان هناك قادة عسكريون سافروا في المنطقة متجهين من عاصمة إلى عاصمة يعملون على ديناميكيات المنطقة ويترأسون محور المقاومة، لذلك من الصعب على العراقي العادي أن يفهم دورهم والتواصل معهم. لكن هذه المرة مختلفة، كان لديك ثلاثة جنود واثنان من رجال الشرطة وطاهٍ قُتلوا للأسف”.

وأضاف المسؤول “إذا كان الناس لم يحسموا أمرهم حول ما إذا كان استهداف سليماني أمراً جيداً أو أمراً سيئاً، فهم الآن مُجمعون على الوقوف ضد تلك الهجمات الصباحية، لأنها لم تستهدف القادة ولم تستهدف مستودعات أسلحة، لكنها استهدفت أشخاصاً عاديين”.

هل هي أخطاء غير مقصودة؟

توظف وزارة الداخلية ووزارة الدفاع مئات الآلاف من العراقيين الذين يعتمدون بشكل عام على القطاع العام. وقال المسؤول العراقي لمجلة Newsweek، إن “كل فرد لديه (قريب) يخدم” في إحدى هاتين الوزارتين، اللتين تدعمهما الولايات المتحدة. وأوضح المسؤول: “تقريباً كل أسرة عراقية مرتبطة بشرطي أو جندي، لذا فإنَّ قتل هؤلاء الأشخاص البسطاء الذين يؤدون عملهم فحسب يختلف عن الضربة الجوية التي استهدفت القادة”، وأضاف: “لقد كان هذا خطأ كبيراً من جانب الأمريكيين”.

أحالت القيادة المركزية الأمريكية طلب المجلة Newsweek للتعليق إلى عملية العزم الصلب، وهو مسمى آخر لقوة المهام المشتركة ضد تنظيم الدولة، التي لم ترد فوراً بعد أن تواصلت معها المجلة.

وقال هشام الهاشمي، عضو المجلس الاستشاري العراقي، الذي يتخذ من بغداد مقراً له، في حديثه لمجلة Newsweek، إن الخسائر البشرية، وإن كانت غير مقصودة، من المحتمل أن تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين، لا سيما الكتل السياسية المرتبطة بالأغلبية الشيعية في العراق. ينتمي عدد من هذه الفصائل إلى قوات الحشد الشعبي وبعضها له علاقات وثيقة بإيران أيضاً.

وأوضح الهاشمي: “أعتقد أن هذه الأخطاء غير المقصودة أفرغت المكاسب الشعبية والمعنوية للضربات، خاصة في استهداف مطار كربلاء وقتل الموظف المدني داخل المطار”. وحذَّر من أن هذه النتيجة “أضعفت التيارات التي لا تريد من الفصائل الموالية لإيران أن تهاجم شرعية الغارة، وتدعمها”.

وأضاف: “ستتدهور العلاقات السياسية، فيما يتعلق بالفصيل الشيعي، إلى مستوى كبير، لكن العلاقات مع السُّنة والأكراد والأقليات لن تتدهور، ويمكن تعزيزها لملء الفراغ الذي تركه السياسيون الشيعة”.

إدانة عراقية للضربات الأمريكية

وقد أدانت كل شخصية بارزة تقريباً في العراق الضربات، بدءاً من الرئيس ووصولاً إلى قادة الميليشيات والسياسيين البارزين، الذين صوتوا بالفعل لطرد القوات الأمريكية في أعقاب الضربة التي قتلت سليماني والمهندس. وفي بيان أُرسل إلى المجلة، قالت وزارة الخارجية العراقية إنها ستثير القضية مع الأمم المتحدة، وهو ما قد يوسّع الخلاف بين واشنطن وبغداد، حيث تعرضت الأخيرة للاضطرابات على جبهات متعددة.

الأصعب ربما يكون قادماً

ويعاني العراق بالفعل من الاضطرابات الداخلية، حيث قاومت الاحتجاجات المناهضة للحكومة قمع قوات الأمن والميليشيات في الشوارع. وفشلت الفصائل السياسية المعارضة بالبلاد في التوصل إلى توافق في الآراء لتشكيل حكومة دائمة، وفقد عديد من المواطنين ثقتهم بقدرتها على معالجة الفساد المتفشي، وتعطل البنية التحتية، وتزايد المشاكل الاقتصادية.

حتى مع تزايد الاحتجاجات في الشارع، فإن الخوف من التهديدات الخارجية قد يلوح في الأفق لعديد من العراقيين، الذين لم تعرف شريحة كبيرة منهم السلام على الإطلاق.

على مدار قرابة ثلاثة عقود، تصرفت واشنطن من جانب واحد إلى حد كبير في العراق، ونادراً ما تحسب الخسائر المدنية لسياساتها العسكرية والاقتصادية. واجهت الولايات المتحدة أولاً حكومة صدام حسين، ثم تعاونت مع الإدارة الجديدة لمحاربة القاعدة ولاحقاً تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). والآن، يبدو أن الولايات المتحدة تعمل مرة أخرى بناءً على اتفاقها ضد إيران. عززت الجمهورية الإسلامية بثباتٍ نفوذها في جميع أنحاء البلاد، حيث تسعى أيضاً إلى العثور على حليف استراتيجي في بلد يعد عدواً قديماً لها.

دعمت واشنطن وطهران معركة بغداد ضد داعش، لكن تجدد التوترات الجيوسياسية جعلهما على خلاف مرة أخرى. وازداد الخلاف عنفاً على نحو متزايد في العام الماضي، حيث حوصر العراق وسط أحداثٍ مثل الانتقام الصاروخي للحرس الثوري بعد أيام من وفاة سليماني والمهندس. ومع ذلك، قال الهاشمي للمجلة: “لا أحد يريد الحرب”.

وبدلاً من الصراع “المباشر”، تنبأ باستمرار “المعارك الصغيرة الخاضعة للسيطرة مع عملاء إيران في المنطقة”. ومع ذلك، بحسب ما تكشَّف الجمعة 13 مارس/آذار 2020، يمكن أن تتصاعد الاشتباكات المحدودة بسرعة وقد تطال المدنيين.

على الرغم من الدمار الذي أعقب ذلك، يرى بعض العراقيين جانباً إيجابياً في العاصفة التي استقرت على المنطقة، وقال المسؤول العراقي للمجلة، معرباً عن قلقه من الضربات الانتقامية التي تشنها الميليشيات: “كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير، وأنا أعلم ذلك وأدرك أن الأمر كان يمكن أن يكون أكثر فتكاً. كان هذا رداً مروضاً نسبياً من جانب الأمريكيين”، وأضاف المسؤول: “إنها حقيقة الوضع”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top