هل انضم المغرب للمقاطعة السعودية للبضائع التركية أم أن له أهدافه الخاصة؟

“هل انضمَّ المغرب للمقاطعة السعودية للبضائع التركية”، تساؤل أثاره مجموعة من القيود التي فرضها المغرب على السلع التركية.

ففي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2020، فرض المغرب قيوداً على المنتجات المصنعة في تركيا، وسلاسل السوبر ماركت التركية، فضلاً عن زيادة الضرائب على السلع التركية المستوردة بنسبة 90%، وربطت تقارير إعلامية بين هذه القيود وبين الدعوات السعودية غير الرسمية لمقاطعة البضائع التركية.

وجاءت خطوة الرباط قبل يوم من موافقة مجلس الوزراء المغربي على مراجعة اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين المملكة وتركيا في عام 2004، ففي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، صادقت الحكومة المغربية على تعديل اتفاقية التبادل التجاري الحر مع تركيا.

وقال المتحدث باسم الديوان الملكي عبدالحق المريني، إن التعديلات ستُصحح الاختلالات في الميزان التجاري بين البلدين في السنوات الأخيرة”.

وقال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية سعيد أمزازي، خلال لقاء: “إن اتفاق تعديل اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وتركيا يروم فرض الرسوم الجمركية لمدة خمس سنوات على المنتجات الصناعية المستوردة من تركيا، والمدرجة بالملحق الأول لهذا الاتفاق، لتبلغ 90% من قيمة الرسوم الجمركية المطبقة وفق “الدولة الأكثر رعاية” الجاري العمل بها”.

وبحسب جريدة “الصباح” المغربية، فإن حصة المغرب من السوق في التجارة الدولية، التي تعتبر مؤشراً دالاً من مؤشرات التنافسية، سجَّلت تراجعاً، إذ تقلصت من 0.13% خلال التسعينات، إلى 0.11 حالياً. في وقت حسَّنت بلدان منافسة مثل تركيا ومصر خلال الفترة ذاتها حصتها، إذ ارتفعت حصة مصر من 0.08% إلى 0.17، وارتفعت حصة تركيا من 0.4% إلى 0.7%.

القيود التي فرضها المغرب على السلع التركية، هل ترتبط بدعوات المقاطعة السعودية؟

التوتر المعلن في كثير من الأحيان في العلاقات بين السعودية والإمارات من جهة، والمغرب من جهة أخرى، يثير تساؤلات حول حقيقة الكلام عن أن الرباط تحذو حذو الرياض في توجهها لمقاطعة البضائع التركية.

وقال هيزم أميرا فرنانديز، كبير المحللين في معهد Elcano Royal Institute، لموقع Middle East Eye البريطاني: “هناك مدرستان لتفسير المواقف المغربية من التجارة مع تركيا”.

“سينظر المرء إلى القرار على أنه انضمام للمقاطعة السعودية، بينما يعتقد آخرون أن هذا القرار يرجع إلى أن المغرب يرى أن اتفاقية التجارة مع تركيا ضارة باقتصاده، ولهذا السبب تم تعديلها”.

ويضيف: على الأرجح الحقيقة تقع بين المدرستين.

 خلاف قديم على التجارة أم انصياع للضغوط السعودية

يعتقد المحلل المغربي علي المرابط أن السبب الأكثر احتمالاً وراء هذه الخطوة هو الضغط من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين تمثلان شريكين اقتصاديين مهمين للمغرب، ولكن أيضاً قد يكون هناك ضغط من فرنسا التي على خلاف مع أنقرة.

وقال المرابط لموقع Middle East Eye: “إن هناك قوة واحدة قادرة على إجبار سعد الدين العثماني، زعيم حزب العدالة والتنمية، على مهاجمة المصالح التركية القديمة في المغرب: القصر الملكي”.

ولكن الواقع يشير إلى أن إثارة قضية التجارة الخارجية بين المغرب والسعودية أقدم من دعوات المقاطعة السعودية للبضائع التركية، والأهم أن الموضوع أُثير من قَبل في توقيت مقارب لذروة الأزمات بين المغرب من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى، ما يُشير إلى أن أسباب المواقف المغربية داخلية، وقد تتعلق بمصالح متنفذين في البلاد أكثر منها انضماماً للمحور السعودي الإماراتي.

المغرب يواجه أزمة والتعديل تم بالاتفاق مع تركيا

كان المغرب أكبر سوق تصدير لتركيا في شمال إفريقيا، حيث سجل 2.24 مليار دولار في عام 2019، وفقاً للأرقام الصادرة عن جمعية المصدرين الأتراك.

وانتقلت تركيا في لائحة المصدرين للمملكة، من الرتبة 11 إلى الدرجة 6 بعد إسبانيا وفرنسا والصين والولايات المتحدة وإيطاليا وفي نفس مرتبة ألمانيا، بينما تقدم المغرب من المصدر رقم 12 إلى المصدر العاشر نحو السوق التركية.

مع ارتفاع معدلات البطالة وعدم المساواة الاجتماعية حاولت الحكومة المغربية تشجيع الاستثمار في مجموعة واسعة من الصناعات، وشرعت في تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر المتجه إلى الخارج على مدى السنوات الخمس الماضية، تركز في الغالب على إفريقيا الفرانكوفونية.

ويعتقد هيثم فرنانديز أن تقليص تحرك المغرب الأخير ضد الخطوة التركية لا يتعلق بالانضمام إلى “محور خليجي مناهض لتركيا “، و”الضغط على الاقتصاد التركي”، بل يتعلق أكثر بحالة الاقتصاد المغربي منذ الوباء، وما يفعله المغرب من أجل تعويض الخسائر، حيث تأثر قطاع السياحة والصادرات بشكل كبير بأزمة فيروس كورونا.

ويضيف: “التعديل أو التغييرات على اتفاقية التجارة الحرة تم بالتنسيق مع تركيا. واتفقت الدولتان على إجراء تغييرات على شروط الاتفاقية”.

وقال: “علينا أن نضع في اعتبارنا أن دولاً أخرى في جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​قد فعلت أشياء مماثلة إلى حد ما، عندما يتعلق الأمر بالسلع التركية، منها الأردن على سبيل المثال”.

يتمتع المغرب بأفضل العلاقات الاقتصادية مع تركيا بين دول المغرب العربي.

ولكن على الرغم من زيادة التجارة من 435 مليون دولار في عام 2004 إلى 2.7 مليار دولار في عام 2018، إضافة إلى وجود أكثر من 150 شركة تركية تعمل في المغرب، إلا أن العجز في التجارة بقيمة 1.9 مليار دولار كان في صالح تركيا، التي هيمنت على الصادرات التي تجاوزت صادرات المغرب من حامض الفسفوريك والأسمدة والرصاص والجلد.

وارتفعت صادرات المغرب من السيارات المصنعة إلى تركيا، فيما تحولت تجارة الصلب بين البلدين إلى الدرجة صفر.

في قلب النزاع الحالي -الذي دفع وزير التجارة التركي روحار بيكان إلى التعهد بمراجعة الاتفاقية ودعوة مواطنيها إلى زيادة الاستثمار في المغرب- تأتي فيه المنسوجات والملابس التركية، التي تم فرض ضريبة على وارداتها بنسبة 36% منذ 27 يوليو/تموز، بموجب قانون المالية المغربي المعدل.

ولكن يبدو أن هناك مصالح خاصة توقف بعض التحركات في هذه المسألة.

فهناك عدد من الشخصيات المغربية يقومون منذ شهور بإثارة الخلافات التجارية مع تركيا، وسط اتهامات لهذه الشخصيات من قِبل أطراف مغربية بأن لهم مصالح خاصة هي الدافع وراء مواقفهم.

مصالح خاصة

فقد طالب وزير التجارة والاستثمار المغربي مولاي حفيظ العلمي، في فبراير/شباط 2020، بضرورة تعديل اتفاقية التجارة الحرة بين المغرب وتركيا، حتى ذهب إلى التهديد بتمزيقها، الأمر الذي أثار تساؤلات في البلاد حول دوافع هذا الموقف الحاد من الوزير تجاه أنقرة. 

الوزير المغربي، وهو رجل أعمال ثري ينتمي لحزب “التجمع الوطني للأحرار”، يترأسه عزيز أخنوش، صديق الملك محمد السادس، تحدّث مراراً عن الخسائر الفادحة التي تكبَّدها الاقتصاد المغربي بسبب الاتفاقية، والتي وصلت إلى 2 مليار دولار سنوياً، على حد تعبيره.

وسائل إعلامية مغربية ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أبدوا استغرابهم آنذاك من اهتمام الوزير بمراجعة أو إلغاء اتفاقية التبادل الحر مع تركيا دون سواها، على الرغم من تعهده بوقف العمل بجميع اتفاقيات التبادل الحر التي تُضر باقتصاد المملكة، وتتسبب في تضرر قطاعات حيوية به.

وبالمقارنة مع العجز التجاري الذي تسببت به الاتفاقية لصالح تركيا، والذي بلغ 1.6 مليار دولار، فإن العجز المسجل مع الولايات المتحدة الأمريكية بلغ 2.7 مليار دولار مقابل 7 مليارات يورو، قيمة العجز المسجل في الميزان التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

اللافت أن الوزير المغربي قد سبق أن هدد شركة “بيم” التركية بالإغلاق، (متخصصة في محلات السوبرماركت)، وقال إنه “من المستحيل أن يستمر المغرب في نفس العلاقة مع محلات “بيم”، متابعاً بالقول “في حال لم تكن نسبة 50% من المنتجات التي تباع في الشركة منتجات مغربية فسيتم توقيفكم”.

موقف الوزير من اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، ثم مع الشركة التركية، أثار تساؤلات حول دوافعه، هل يعبر عن توجه للحكومة المغربية أم موقف شخصي.

تحقيق صحفي لصحيفة “لوديسك” المغربية، قال إن الوزير مولاي حفيظ العلمي وضع شركة “بيم” نصب عينيه منذ عام 2014، كاشفاً عن كون الوزير يملك أسهماً في أسواق “كارفور” الفرنسية، تفوق 10%.

وتعد محلات بيم التركية من أشهر منافسي كارفور.

لكن مصدراً مقرباً من وزارة التجارة والصناعة والاستثمار، فضّل عدم الكشف عن هويته، سبق أن قال لـ”عربي بوست“، إن المعطيات المقدمة من التحقيق الصحفي غير دقيقة، لافتاً إلى أن مولاي حفيظ العلمي استقال من جميع مهامه التنفيذية على مستوى مشاريعه وشركاته، فور تسميته على رأس وزارة التجارة والصناعة والاستثمار (من المعروف في العالم كله أن أغلب المسؤولين يتخلون عن مناصبهم في الشركات الخاصة، ولكن هذا لا يغير واقعياً ارتباطهم بها)

وزير التجارة والاستثمار المغربي مولاي حفيظ العلمي

وسبق أن انتقد مصطفى إبراهيمي، رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بالبرلمان المغربي، ما سمّاها “مزاجية وزير الصناعة والتجارة مولاي حفيظ العلمي إزاء ملف تعديل اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا”.

وقال إبراهيمي لـ”عربي بوست”، إن “تركيز الوزير المغربي على تعديل الاتفاقية مع تركيا دون غيرها، وتهديده بتمزيقها، يدعو للارتياب، علماً أن العجز مع الصين والولايات المتحدة أكبر بكثير مما تم تسجيله مع تركيا”، وفق كلامه.

فتِّش عن أمريكا وإسبانيا وفرنسا

ويُتهم الوزير المغربي بأنه محسوب على اللوبي الأمريكي الذي يحارب النفوذ التركي في إفريقيا.

ويقول المعنيون بالتجارة المغربية مع السوقين الأمريكي والفرنسي، إن إعادة النظر في الاتفاقات مع تركيا علامة على مراجعة الاتفاقيات الأخرى ذات الصلة مع الدول والكتل الأخرى، حيث سجل المغرب عجزاً مع باقي دول “اتفاق أغادير” (تونس، مصر، الأردن)، كما تضاعف العجز مع أمريكا بـ300% في 12 سنة، ووصل مع تركيا إلى 16 مليار درهم في سنة 2018.

رئيس الجمعية المغربية للمصدّرين (أسميكس)، قال إنه “على المغرب أن يعيد التفاوض على جميع الاتفاقيات الخاصة بالتبادل الحر إن أردنا التصنيع في المغرب”، وتتضمن هذه الاتفاقيات بنوداً تسمح بالمراجعة.

وتعرضت اتفاقيات الشراكة والتبادل التجاري مع أوروبا للتقييم، وبقيت الولايات المتحدة “البقرة المقدسة” بعيدة عن سياسات إعادة التفاوض بشأن اتفاقها التجاري مع المغرب، بسبب خشية المملكة من أي موقف مختلف في قضية الصحراء، ولكن هذا لا يمنع حديث عن ضغوط فرنسية على المغرب في ملف العلاقات التجارية مع تركيا في ظل التنافس بين أنقرة وباريس في ملفات عدة.

وتشهد أجهزة الرقابة المغربية بالجودة العالية للسلع التركية بأسعار معقولة، لذلك فالمنافسة التركية ليست مع المغرب، بل بين الأتراك والأوروبيين، حسبما ورد في تقرير لموقع الأسبوع المغربي.

ويخشى الأوروبيون، لاسيما الإسبان، منافسة الأتراك في السوق المغربية، بعد أن أصبحت السلعة الإسبانية القادمة من سبتة ومليلية غير مطلوبة أمام السلعة التركية.

فلقد كسرت أنقرة الصورة النمطية لجودة المنتج الإسباني، ونافست على موقع ألمانيا. من جهة ساعد المغرب إسبانيا على تبوء المرتبة الأولى في لائحة الأسواق المصدرة للمغرب، ليكون له المبرر في حصار سبتة ومليلية (منع التهريب منهما) دون رد فعل من مدريد.

أما الصين فهي تعمل على تهريب سلعها للمغرب عبر الجنوب، بعدما فشلت في تحقيق ذلك عبر شمال البلاد.

ونتيجة للسياسات الحالية يخسر المغرب أمام كل شريك قوي كأمريكا والصين والاتحاد الأوروبي، ما بين 8.10 و9.15% من الناتج الداخلي الخام، حسب تقرير لموقع الأسبوع المغربي.

المغرب يتقارب مع قطر ويبتعد عن الرياض.. فما موقفه من تركيا؟

وتقليدياً تعد المملكة المغربية حليفاً تقليدياً للممالك الخليجية، لاسيما السعودية والإمارات، ولكن علاقات الرباط مع الرياض وأبوظبي تدهورت خلال الأعوام الماضية لأسباب عدة، في مقدمتها الموقف المغربي الرافض لحصار قطر عام 2017، والذي وصل إلى زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الدوحة في ذروة الحصار.

وانسحب المغرب من التحالف الذي يحارب في اليمن بقيادة السعودية، كما أن المغرب استدعى سفيره في الرياض، في فبراير/شباط 2019، وجاء هذا الاستدعاء رداً على العديد من الإشكالات بين البلدين، منها بث قناة “العربية” السعودية تقريراً مصوراً عن الصحراء الغربية، اعتبرته الرباط “ضد الوحدة الترابية للمملكة المغربية”.

ملك المغرب مع رئيس الوزراء سعد الدين عثماني/رويترز

وبدا التوتر جلياً حين صوتت السعودية ضد استضافة المغرب مونديال 2026، إلا أن العلاقات المضطربة اشتدت وطأتها بعد ما أشيع عن رفض الملك محمد السادس استقبال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال جولته بدول إفريقية، أعقبت مقتل الصحفي جمال خاشقجي، كما أن علاقة المغرب مع الإمارات حليف الرياض المفضل أكثر توتراً.

في المقابل، فإن العلاقات المغربية القطرية تعززت بشكل كبير، وقطر حليف قوي لأنقرة، أما العلاقات بين المغرب وتركيا فيمكن القول إن هناك تقارباً في موقف الجانبين، ولكنه تقارب حذر من الجانب المغربي، حتى لا يزيد التوتر بين علاقة الرباط وأبوظبي والرياض.

ولكن اللافت أن موقف المغرب من الأزمة الليبية مختلف عن موقف مصر والسعودية والإمارات، ويبدو أكثر حيادية، الأمر الذي يغضب الدول الثلاث.

 ويشير المحلل المغربي علي المرابط إلى أن الرباط أغلقت المدارس المرتبطة بفتح الله غولن، رجل الدين الذي تتهمه تركيا بتدبير محاولة الانقلاب عام 2016، لذلك “حدث شيء مفاجئ” جعل المغرب ينضم إلى المقاطعة.

ولكن يبدو أنه بسبب خليط من العوامل السياسة والاقتصادية اختار المغرب البدء بإعادة التفاوض مع تركيا على اتفاقية للتجارة الحرة، في محاولة منه لفتح الباب لإعادة التفاوض مع كتل ودول أخرى أملاً في تقليل العجز في الميزان التجاري المغربي، الذي يشهد نزيفاً واضحاً.

ويمكن القول إن المغرب الذي علاقته بالمحور السعودي الإماراتي المصري متوترة فعلياً، يحاول أن يحقق مكاسب في مواجهة شركائه التجاريين عبر إظهار موقف قوي خلال التفاوض مع تركيا، مع تقليل التوتر مع المحور الإماراتي السعودي عبر اتخاذه موقفاً قوياً في التجارة مع تركيا، وفي الوقت ذاته الحصول على أفضل شروط من أنقرة وتقديم إنذار لشركائه التجاريين الآخرين بأنه لن يقبل استمرار الوضع الحالي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top