“واشنطن الجديدة أقل تسامحاً مع القمع”.. ما الذي ينتظر “ديكتاتور ترامب المفضل” بعد فوز بايدن؟

بالرغم من أنَّ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أول زعيم عربي يهنئ الرئيس الأمريكي المُنتخَب جو بايدن على فوزه، يُتوقَّع أن تجلب خسارة دونالد ترامب عهداً جديداً لسياسة أمريكية “أقل تسامحاً” تجاه نظام السيسي كما يقول موقع Middle East Eye البريطاني.

وبعيداً عن المجاملات، قد تسود دوائر صناعة القرار في القاهرة شعورٌ بالقلق، بالرغم من أنَّ احتمال هزيمة ترامب كان متوقعاً. ويقول مراقبون إنَّ وصول بايدن للمكتب البيضاوي قد يعيد طرح مشكلات لا ترغب القاهرة في مناقشتها، بما في ذلك حقوق الإنسان.

وقال الصحفي والمدافع عن الحق في التعبير، خالد البلشي، في تصريح لموقع Middle East Eye البريطاني: “لطالما رفض المسؤولون المصريون المناقشات عن حقوق الإنسان، ويتهمون كل من يثير هذه القضايا بأنه عميل أجنبي”.

سجل متضارب لبايدن في التعامل مع مصر

ومع ذلك لدى بايدن سجل مختلط فيما يخص الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان في مصر. ففي الأيام الأولى لثورة المطالبة بالديمقراطية في مصر في 2011، دافع بايدن، نائب الرئيس أوباما آنذاك، عن حسني مبارك قائلاً إنه يعرفه “جيداً” بما يكفي لئلا “أصفه بالديكتاتور”. وقال إنَّ مبارك يتحلى “بالمسؤولية الكبيرة” تجاه جهود إحلال السلام في الشرق الأوسط، وبالأخص ما يتعلق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. 

ومع ذلك انتقد بايدن خلال حملته الانتخابية في 2020 دعم ترامب للسيسي، في إشارة إلى تغيير محتمل في خطاب الإدارة الجديدة.     

وفي تغريدة في يوليو/تموز، أصدر بايدن تحذيراً شديد اللهجة للسيسي، قائلاً إنه إذا انتُخِب رئيساً فلن يكون هناك “المزيد من الحرية المطلقة لديكتاتور ترامب المفضل”، في إشارة إلى تصريحات ترامب خلال قمة مجموعة السبع العام الماضي، عندما سأل الرئيس ترامب: “أين ديكتاتوري المفضل؟“.

ورحب بايدن بالإفراج عن محمد عماشة، طالب الطب الأمريكي الذي سُجِن في مصر من دون محاكمة لمدة 486 يوماً، وشن هجوماً لاذعاً على علاقة ترامب بالسيسي، قائلاً إنَّ إدارته لن تتجاهل قمع القاهرة لحقوق الإنسان. 

ماذا سيفعل بايدن؟

وتتهم جماعات حقوقية دولية الجنرال العسكري الذي تحول إلى رئيس بالإشراف على أسوأ حملة تشنها البلاد ضد حقوق الإنسان في تاريخ مصر الحديث؛ إذ يقبع عشرات الآلاف من منتقديه في السجون، وأُعدِم عشرات السجناء السياسيين.

وقبل أيام من صدور نتائج الانتخابات الأمريكية، أطلقت مصر سراح مئات السجناء السياسيين؛ آخرهم أقارب المدافع المصري الأمريكي عن حقوق الإنسان محمد سلطان، الذي أعلن يوم الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل ساعات من إعلان فوز بايدن، الإفراج عن خمسة من أقاربه المحتجزين انتقاماً من نشاطه.

وكان بايدن قد سلَّط الضوء على قضية سلطان في انتقاده للسيسي قبل 4 أشهر؛ مما أثار تحليلاً بأنَّ الإفراج كان علامة على “تراجع” السيسي عن المسار المتبع بمجرد أن أصبح فوز بايدن أكثر احتمالاً.

ويتوقع البعض اتخاذ القاهرة المزيد من الإجراءات في الفترة المقبلة لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان وتخفيف التوترات المحتملة مع بايدن. وقال البلشي: “أعتقد أنَّ هذا ما سيحدث خلال الفترة المقبلة؛ لأنَّ الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة ستكون على الأرجح أقل تسامحاً مع القمع”.  

“الكيمياء” بين السيسي وترامب 

قبل انتخابه قال ترامب إنَّ هناك “كيمياء” بينه والقائد المصري. وقالت نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة بني سويف في مصر: “الكيمياء بين ترامب والسيسي انعكست بإيجابية عالية على العلاقات بين مصر والولايات المتحدة. إذ بشرت بفصل جديد في العلاقات بين البلدين؛ فصل يقوم على المصالح المشتركة”.

وكان ترامب داعماً قوياً للرئيس المصري، وبالأخص في ملفات مهمة مثل نزاع مصر مع إثيوبيا حول السد المثير للجدل الذي بنته هذه الأخيرة على النيل. وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول، قال ترامب لرئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك إنه لا يمكن لأحد لوم مصر إذا فجَّرت السد الإثيوبي.

وتوقف مسؤولو إدارة ترامب عن انتقاد مصر علناً بسبب سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان، على الرغم من تقارير وزارة الخارجية الأمريكية التي تسلط الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في عهد السيسي، حتى إنهم أشادوا بالقاهرة على الدور الذي لعبته في محاربة الإرهاب وتمكين المرأة وإصلاح الاقتصاد وتعزيز الحريات الدينية.

ومع ذلك، قال محللون إنَّ القضايا التي تسببت في توتر العلاقات بين الولايات المتحدة في عهد أوباما ستعود على الأرجح لإفساد العلاقات بين القاهرة وواشنطن في عهد بايدن.

وقال طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لموقع Middle East Eye: “من المرجح أن تتسبب حقوق الإنسان في توترات بين الجانبين، لكن هذا لن يدمر العلاقات بينهما. ففي النهاية، يحرص البلدان على الحفاظ على العلاقات القوية بينهما”.

“حليف قوي”

وبالنظر إلى أنَّ مصر بها أكبر عدد من السكان في الشرق الأوسط العربي، وتسيطر على قناة السويس، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، لا يمكن لأي رئيس أمريكي أن يتجاهل مصر، حسبما قال عضو برلماني مؤيد للسيسي لموقع Middle East Eye.

وقالت داليا يوسف، عضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري، لموقع Middle East Eye: “من الصعب على أي رئيس أمريكي التغاضي عن مصر. والحقيقة أنَّ الولايات المتحدة لا تستطيع حماية مصالحها في المنطقة في ظل غياب حليف قوي مثل مصر”. ويمثل إتاحة عبور سريع للسفن عبر قناة السويس عنصراً مهماً في العلاقات المصرية- الأمريكية.  

وتُسهِل البحرية المصرية عبور الوحدات البحرية الأمريكية عبر القناة، آخرها في مايو/أيار 2019 عندما نشرت الولايات المتحدة حاملة الطائرات إبراهام لينكولن وتشكيلها العملياتي عبر قناة السويس، وسط تصاعد التوترات مع إيران حول مضيق هرمز. وقالت داليا يوسف: “هذه الاعتبارات ستؤدي بالضرورة إلى موازنة المشكلات في العلاقات بين البلدين”.

النفوذ الروسي

قال محللون إنَّ البلدين سيظلان بحاجة إلى إيجاد طريقة لتجنب التوترات في الفترة المقبلة، خاصة عندما يتعلق الأمر برغبة مصر في تنويع مصادر الأسلحة لجيشها.

إذ تحاول مصر تقليل اعتمادها على إمدادات الأسلحة الأمريكية. وأبرمت صفقات أسلحة في السنوات الست الماضية مع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين، والأهم من ذلك روسيا.

وقد تؤدي التقارير التي تفيد بأنَّ مصر تخطط لشراء طائرة مقاتلة سوخوي الروسية من طراز “سو-35” متعددة الأدوار إلى فرض عقوبات أمريكية على مصر بموجب قانون مكافحة النفوذ الروسي في أوروبا وأوراسيا لعام 2017.

ويرى محللون في القاهرة أنَّ هذه ستكون قضية شائكة في العلاقات بين القاهرة والإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، خاصة إذا لم تتفهم واشنطن حاجة مصر إلى تحديث جيشها لمواجهة التحديات التي تواجهها في تأمين حدودها ومصالحها الاستراتيجية بالمنطقة ومحاربة الإرهاب في سيناء.

وفي هذا السياق، قال طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: “تعتقد الولايات المتحدة أنَّ لديها مصالح استراتيجية مشتركة مع مصر؛ لهذا السبب تريد أن تكون المُورِد الوحيد بالأسلحة لها. لكن السيسي نجح في كسر هذه القاعدة متجاهلاً تماماً تهديدات واشنطن”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top