وصل نشاط الحكومة الصينية على منصتي فيسبوك وتويتر بشأن سياساتها تجاه الأقليات العرقية المسلمة في إقليم شينجيانغ “الإيغور” إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، العام الماضي، إذ سعت بكين إلى تصوير نهجها، وضمن ذلك استخدام معسكرات الاعتقال والمراقبة على نطاقٍ واسع، على أنه مفيدٌ للمنطقة الشمالية الغربية النائية.
وزاد تواتر التغريدات على تويتر حول شينجيانغ من جانب وسائل الإعلام الحكومية الصينية وحسابات تويتر الدبلوماسية إلى ما يقرب من 500 تغريدة شهرياً في عام 2020، وهو ارتفاعٌ من نحو 280 تغريدة بالشهر في عام 2019، وفقاً لبحثٍ جديدٍ من معهد الدراسات الإستراتيجية الأسترالي، بحسب تقرير لصحيفة Wall Street Journal الأمريكية.
ووَجَدَ المعهد أن الصفحات العامة التي تديرها وسائل الإعلام الحكومية الصينية على فيسبوك، كانت من أكثر المصادر شيوعاً للمنشورات عن شينجيانغ.
من إنكار القضية إلى البحث عن حل
على مدار السنوات القليلة الماضية، رفض المسؤولون الصينيون تقارير الصحفيين الدوليين والروايات المباشرة لمُحتجَزين سابقين وأقارب لهم، علاوة على وثائق حكومية تُظهِر اعتقال وقمع المنتمين للأقليات العرقية المسلمة في شينجيانغ، واعتبرت كلَّ ذلك محاولةً لتشويه سمعة الصين.
وفي المقابل، دفعت الحكومة الصينية بقصةٍ بديلة، وهي أن الشبكة الواسعة لمعسكرات الاعتقال في المنطقة هي بالأساس مراكز تدريب مهني، وأن الإيغور وغيرهم من الأقليات المسلمة هناك مواطنون سعداء يمكنهم أن يعيشوا حياتهم بحرية.

وفي الأسبوع الماضي، انتقد المسؤولون الصينيون أيضاً الشركات متعدِّدة الجنسيات، التي أعربت عن قلقها بشأن العمل القسري في شينجيانغ، بعد أن انتقد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الصينية ووسائل الإعلام الحكومية شركة H & M السويدية لبيع الأزياء بالتجزئة؛ لإصدارها بياناً بهذا الأمر، العام الماضي.
وفي يناير/كانون الثاني من العام الماضي، نشرت صحيفة Global Times الصينية المدعومة من الدولة، مقطع فيديو على فيسبوك تلقَّى ما يقرب من 20 ألف إعجاب، عن رجلٍ تخرَّج في مركز تدريبٍ مهني في شينجيانغ وكان يدير عملاً لتدريس اللغة الإنجليزية والصينية، وقال في الفيديو: “أنا سعيدٌ لغاية الآن”.
ويصل هذا السرد بشكلٍ متزايدٍ إلى الجماهير على منصات التواصل الاجتماعي الدولية وتردِّده الأصوات الغربية، وفقاً لتقريرٍ صادر من معهد الدراسات الإستراتيجية الأسترالي، وهو مؤسَّسة فكرية تموِّلها جزئياً الحكومتان الأمريكية والأسترالية.
اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعي
وتوصَّل التقرير إلى أنه منذ العام 2018 كانت وسائل الإعلام الحكومية الصينية من أكثر الحسابات شعبيةً حين يتعلَّق الأمر بالنشر عن شينجيانغ على منصة تويتر. وتضم القناة الإخبارية الدولية الرئيسية في الصين، CGTN، أكثر من 115 مليون متابع بصفحتها على فيسبوك، وهو عددٌ أكبر من الموجود على صفحة نجمة موسيقى البوب ريهانا.
وحصلت صفحة قناة CGTN بـ”فيسبوك” على أكبر عددٍ من الإعجابات على المنشورات التي تذكر شينجيانغ، على مدار ثلاث سنوات متتالية. وبلغ إجمالي الإعجابات نحو 5.8 مليون إعجاب في عام 2020، وفقاً للمعهد الأسترالي، الذي حلَّلَ أكثر من 270 ألف منشور في عام 2020. وفي ذلك العام، كانت الصفحات الست الأولى التي نشرت حول هذا الموضوع تخص وسائل الإعلام الحكومية الصينية.
وقال جاكوب واليس، أحد كاتبي التقرير، إن بكين تحاول في إحدى إستراتيجياتها أن تشكِّل الخطاب بطرقٍ تدعم سياسات الصين. لكنه قال إن إستراتيجيةً أخرى تتمثَّل في “خطابٍ عدائي أكثر بكثير” ضد التحقيقات الحاسمة في شينجيانغ، وضد العقوبات.

وأضاف أن المسؤولين الصينيين سعوا أيضاً إلى خلق تصوُّرٍ عن التكافؤ الأخلاقي بين الصين والولايات المتحدة عند الرد على قضايا حقوقية، مثل قضية شينجيانغ.
وفي الأسبوع الماضي، بعد اندلاع الغضب في الصين بسبب مزاعم العمل القسري في شينجيانغ، غرَّدَت المتحدِّثة باسم وزارة الخارجية الصينية على تويتر، قائلةً: “ميسيسبي 1908 مقابل شينجيانغ 2015″، بينما نشرت صورةً لمواطنين إيغور مبتسمين يمسكون بالقطن، جنباً إلى جنب مع صورةٍ لعمالٍ سود بجوار كلاب الصيد وشخصٍ يبدو أنه صاحب مزرعة يحمل بندقية.
وقامت منصة تويتر بتمويل مشاريع بحثية سابقة من قِبَلِ معهد الدراسات الإستراتيجية الأسترالي حول عمليات المعلومات عبر الإنترنت. وقالت متحدِّثةٌ باسم تويتر، إن الشركة حقَّقَت في عددٍ من الحسابات المنسوبة إلى نشاطٍ غير حقيقي وعلَّقَت هذه الحسابات.
وقال متحدِّثٌ باسم فيسبوك، الذي يرعى حالياً عمل معهد الدراسات الإستراتيجية الأسترالي، إن الشركة تراقب التقارير عن شينجيانغ؛ للمساعدة في مواصلة العناية الواجبة بشأن هذه القضية.
الضغوط على بكين جاءت بنتيجة
واتَّهَمَت الحكومة الصينية سابقاً المعهد الأسترالي بـ”تلفيق وإثارة مواضيع معادية للصين” لخدمة مصالح الجهات الحكومية الراعية، مثل الولايات المتحدة. ورفض باحثو المعهد هذه الانتقادات، وقدَّموا أدلةً -معظمها مستمد من مصادر صينية رسمية- لدعم ادِّعاءاتها.
ويأتي التصعيد في جهود الحكومة الصينية لإعادة تشكيل الروايات عبر الإنترنت حول شينجيانغ، في الوقت الذي تواجه فيه بكين ضغوطاً دولية متزايدة بشأن سياساتها في المنطقة، وضمن ذلك دعوات إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2022 في الصين.
ورداً على ذلك، عاقبت الحكومة الصينية باحثين؛ لنشرهم تقارير انتقادية لسياساتها في شينجيانغ.

وقالت ريهان آسات، المحامية المتدرِّبة في جامعة هارفارد والمدافعة عن حقوق أقلية الإيغور والتي كانت تعمل لزيادة الوعي بشأن شقيقها إيكبار آسات، وهو رجل أعمالٍ اختفى في عام 2016 بعد عودته إلى شينجيانغ: “أعتقد أن الصين تتعرَّض لانتقاداتٍ شديدة”.
وواجهت بكين منافسةً شديدة في سعيها لتحديد سردية ما يحدث في شينجيانغ. ففي العام الماضي، كان أعلى حساب على تويتر ينشر عن شينجيانغ، بناءً على عدد الإعجابات، ينتمي إلى وزير الخارجية الأمريكية آنذاك مايك بومبيو، الذي أعلن في اليوم الأخير له في منصبه أن سياسات الصين ضد الأقليات العرقية في شينجيانغ ترقى إلى الإبادة الجماعية.
من الصعب قياس مدى فاعلية نشاط وسائل التواصل الاجتماعي في الصين، حيث يمكن تضخيم المنشورات بشكلٍ مُصطَنَع، باستخدام شبكات الروبوت على سبيل المثال، حسبما قالت ماريكا أولبيرج، الزميلة البارزة بصندوق مارشال الألماني، وهو مؤسَّسة فكرية في برلين.
وأضافت أنه مع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بوجود بكين المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي في الخارج، وتوفِّر مثل هذه المنشورات نقاط حوارٍ لأولئك الذين يتفقون مع بكين أو يتحرَّكون ضد الولايات المتحدة.
ونشرت مؤسَّسة The Grayzone، وهي مؤسَّسة إعلامية أسَّسها صحفيٌّ أمريكي، تصف نفسها بأنها مُكرَّسة للصحافة الاستقصائية، مقالاً مُطوَّلاً في عام 2019 أثار تساؤلاتٍ حول التقديرات واسعة النطاق للمعتقلين بمراكز الاعتقال في شينجيانغ.
ووفقاً للمعهد الأسترالي، فقد استشهدت منافذ إخبارية صينية تديرها الدولة، 252 مرة بمؤسَّسة The Grayzone بين ديسمبر/كانون الأول وفبراير/شباط 2021.