إما بالتخريب أو الدبلوماسية.. هكذا تحاول “جهات أجنبية” منع إيران من امتلاك السلاح النووي

على مدار عقد من الزمن تستهدف جهات أجنبية المواقع النووية الإيرانية من أجل وقف طهران عن امتلاك السلاح النووي إما عن طريق العمليات التخريبية أو من خلال الدبلوماسية، كما حدث في الاتفاق بين طهران والقوى الكبرى عام 2015.

آخر هذه الهجمات التخريبية منشأة نطنز التي تقع تحت الأرض في إيران وحتى الآن لم تعلن جهة ما مسؤوليتها عن العملية، لكن أصابع الاتهام توجه صوب إسرائيل العدو الأول لإيران.

ويأتي هجوم نطنز الذي وقع يوم الأحد 11 أبريل/نيسان في وقتٍ تحاول فيه القوى العالمية التفاوض على عودة إيران والولايات المتحدة لاتفاق طهران النووي. ويهدد هذا الحادث التخريبي بقلب تلك المفاوضات رأساً على عقب، وبزيادة التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، بحسب تقرير لصحيفة The Washington Post الأمريكية.

المواقع النووية في إيران

تضم مدينة نطنز، التي تقع في محافظة أصفهان بوسط إيران، منشأة تخصيب اليورانيوم الرئيسية في البلاد. وتمتلك إيران محطة طاقة نووية واحدة عاملة في بوشهر، افتتحتها بمساعدة روسيا عام 2011. وسبق أن أعادت إيران تشكيل مفاعل أراك الذي يعمل بالماء الثقيل حتى لا تتمكن من إنتاج البلوتونيوم. وهناك موقع التخصيب فوردو الذي يستقر في أعماق سفح أحد الجبال. ولا يزال مفاعل الأبحاث في طهران نشطاً أيضاً.

دبلوماسية الرفض

أبرمت إيران اتفاقاً نووياً عام 2015 مع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وروسيا والصين. ونص هذا الاتفاق، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، على أن تحدّ إيران بدرجة كبيرة من تخصيب اليورانيوم بإشراف مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

ومنع المخزون الصغير من اليورانيوم الأقل تخصيباً إيران من الحصول على ما يكفي من المواد لصنع قنبلة نووية إذا أرادت ذلك.

إيران تزيد من وتيرة تخصيب اليورانيوم وسط اشتداد خلافاتها مع أمريكا – رويترز

على أن الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترامب انسحب بشكل فردي من الاتفاق عام 2018، ويعود هذا جزئياً لعدم تناول الصفقة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعمها للجماعات المسلحة المتحالفة معها في الشرق الأوسط. وقال مهندسو الاتفاق، الذي يضم بنوداً تنتهي صلاحيتها مع الوقت، إنهم يأملون أن يتمكن المسؤولون الأمريكيون من البناء عليه لإبرام اتفاقات مستقبلية.

وبعد الانسحاب الأمريكي، ردت إيران بالتوقف عن الالتزام بحدود تخصيب اليورانيوم الواردة في الاتفاق. وبدأت في تشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة، وزيادة مخزونها، والتخصيب بمستوى نقاوة يصل إلى 20%، وهي خطوة تقنية بعيدة عن مستوى الـ 90% اللازم لصناعة أسلحة نووية.

“إرهاب نووي”

وصف رئيس البرنامج النووي المدني الإيراني الحادث التخريبي الذي طال منشأة نطنز يوم الأحد، بأنه “إرهاب نووي”. لكنه في الواقع لم يكن أكثر من مجرد هجوم جديد يستهدف البرنامج الإيراني.

إذ اُستهدفت منشأة نطنز للمرة الأولى بهجوم إلكتروني كبير في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وهاجم الفيروس المسمى Stuxnet وحدات التحكم الخاصة بأجهزة الطرد المركزي في نطنز، ما تسبب في خروج هذه الأجهزة الحساسة عن السيطرة وتدميرها ذاتياً. ويقول قطاع كبير من الخبراء إن من يقف وراء هذا الهجوم أمريكا وإسرائيل، وهذا ما تقوله إيران أيضاً.

واستهدف هجوم تخريبي آخر نطنز في يوليو/تموز؛ إذ تسبب انفجار في تدمير مصنع تجميع أجهزة طرد مركزي متقدمة في الموقع. وبعدها، قالت إيران إنها ستعيد بناء الموقع في عمق جبل قريب. وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن العمل عليه مستمر. وانتشرت التكهنات بأن إسرائيل هي من تقف وراء هذا الانفجار أيضاً.

ثم كانت هناك سلسلة الاغتيالات التي استهدفت علماء الطاقة النووية الإيرانيين خلال العقد الماضي. وكانت هذه الاغتيالات تُنفذ بالتفجيرات وإطلاق النار. واستهدف آخرها العالم الذي أسس البرنامج النووي العسكري الإيراني منذ عقود بإطلاق النار عليه في نوفمبر/تشرين الثاني، وقالت السلطات إن هذه العملية نُفذت بمدفع رشاش يجري التحكم فيه عن بعد. وتُحمّل إيران إسرائيل مسؤولية هذه الاغتيالات أيضاً.

الغناء بين أجهزة الطرد المركزي

لا يزال حجم الضرر الذي لحق بمنشأة نطنز مبهماً في الوقت الحالي. ولم تبث إيران حتى الآن أي صور للمنشأة على التلفزيون الحكومي. وليس واضحاً إن كان من الممكن رؤية أي من هذه الأضرار من الجو، لأن قاعات أجهزة الطرد المركزي كلها تحت الأرض. ولم ترصد الأقمار الصناعية للحرائق التابعة لوكالة ناسا أي انفجارات مرئية في المنشأة سواء يوم السبت أو الأحد

إيران الاتفاق النووي
مقترح بايدن يطالب إيران بتخفيض تخصيب اليورانيوم مقابل رفع جزئي للعقوبات – رويترز

كما أن التأثيرات بعيدة المدى على برنامج إيران النووي ككل تظل غير واضحة. ولو أن هذا الهجوم أوقف أجهزة الطرد المركزي في نطنز، فهي لا تزال دائرة في فوردو. وكان علي أكبر صالحي، رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، قد تعهد يوم الأحد بمواصلة تطوير التكنولوجيا النووية الإيرانية.

ويأتي هذا الحادث التخريبي في وقت حساس للرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني، الذي تحاول حكومته استعادة إنجازها الدبلوماسي المميز عن طريق محادثات فيينا؛ إذ إن روحاني، المعتدل نسبياً، لن يتمكن من الترشح مرة أخرى لانتهاء عدد الولايات المحددة له، وبالتالي سيفسح الطريق لمن يفوز بالانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة في يونيو/حزيران، أياً كان.

المتشددون هم المستفيدون

وإذا لم تتمكن إيران من استعادة فوائد هذا الاتفاق، فقد تعزز موقف المتشددين داخل الجمهورية الإسلامية. وقد حدث بالفعل أن طالبت بعض وسائل الإعلام، يوم الإثنين 11 أبريل/نيسان، روحاني بالانسحاب من مفاوضات فيينا.

الملكيون الإيرانيون يريدون الإطاحة بحكم الجمهورية الإسلامية في البلاد/رويترز

كما أن حادث نطنز التخريبي يزيد من ربط البرنامج النووي الإيراني بالدعاية التي يبثها التلفزيون الحكومي والتي تحث الدولة على مقاومة الضغط الخارجي. وقبل هذا الحادث، بث التلفزيون الحكومي مقطعاً لعدد من الرجال يرتدون معاطف المختبر البيضاء ويغنون بين أجهزة الطرد المركزي الفضية في منشأة نطنز، وكان بعضهم يحمل صوراً لعلماء تعرضوا للاغتيال. 

وكان الرجال يتغنون بالقول: “نفتخر بأنفسنا وبانتصارنا في العلم. ونؤمن بأنفسنا ولا نعلق آمالاً على الأجانب”.

على أن من كانوا يغنون ليسوا على الأرجح علماء الطاقة النووية؛ إذ حرصت إيران منذ عملية الاغتيال الأخيرة على حجب صورهم، خوفاً من استهدافهم مرة أخرى.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top