خصمان مع وقف التنفيذ!.. لماذا تجنح أمريكا وروسيا للهدوء رغم الخلافات؟

شهدت فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب توترات كبيرة بين الولايات المتحدة وروسيا بسبب التداخل في العديد من الملفات على الساحة العالمية، لكن مع وصول الرئيس الجديد جو بايدن هدأت الأمور بعض الشيء بسبب انشغال سيد البيت الأبيض بالخلاف مع الصين.

ورغم عدم حصول جو بايدن حتى على فرصة لقاء نظيره الروسي وجهاً لوجه من أجل تسوية الأمور خلال اجتماع قادة العالم في قمة مجموعة العشرين بروما الأسبوع الجاري، إثر حضور فلاديمير بوتين للقمة عن بُعد بحجة المخاوف من إصابته بفيروس كورونا، بحسب تقرير لصحيفة New York Times الأمريكية، لكن بعيداً عن سياسة حافة الهاوية هذه، بدأ الخصمان العالميان الآن فعل شيءٍ آخر: الحديث.

لقاءات على أرض محايدة

حيث تمخّضت قمة بايدن وبوتين في يونيو/حزيران بجنيف عن سلسلةٍ من الاتصالات بين البلدين، تضمنت ثلاث رحلات من مسؤولين بارزين في إدارة بايدن إلى موسكو منذ يوليو/تموز، فضلاً عن المزيد من اللقاءات مع المسؤولين الروس في أراضٍ محايدة بفنلندا وسويسرا.

فهناك حالياً محادثاتٌ جارية حول الحد من التسلّح، وهي الأعمق من نوعها منذ سنوات. كما عقدت كبيرة مستشاري البيت الأبيض للتقنيات الناشئة والسيبرانية آن نيوبيرغر عدة اجتماعات افتراضية مع نظيرها في الكرملين، في صمت. وقبل بضعة أسابيع، سلّمت الولايات المتحدة أسماء وتفاصيل بعض المخترقين الذين يقومون بشن هجمات ضد أمريكا.

بايدن فقد الكثير من شعبيته بعد فوضى الانسحاب من أفغانستان/ رويترز

وقال مسؤولون في البلدين إنّ سلسلة المحادثات لم تتمخّض عن نتائج جوهرية حتى الآن، لكنها ستُفيد في الحيلولة دون خروج التوترات الروسية-الأمريكية عن السيطرة.

إذ حظي نهج بايدن المحسوب بترحيب من جانب مؤسسة السياسة الخارجية الروسية، التي تنظر إلى مشاركة البيت الأبيض المتزايدة باعتبارها مؤشراً على استعداد أمريكا للتوصل إلى اتفاقات من جديد.

حيث قال محلل السياسة الخارجية البارز في موسكو ومستشار الكرملين فيودور لوكيانوف: “يُدرك بايدن أهمية النهج الرصين. وأهم ما يُدركه بايدن أنّه لن يُغيّر روسيا. إذ ستبقى روسيا على حالها”.

البحث عن تجنب الصراعات

وبالنسبة للبيت الأبيض، تُعتبر المحادثات وسيلةً لتجنب المفاجآت الجيوسياسية التي من شأنها أن تُعطّل أولويات بايدن. أما بالنسبة لبوتين، فإنّ إجراء المحادثات مع أغنى وأقوى دولة في العالم هو أحد طرق إظهار النفوذ الروسي العالمي.

إذ قالت فيونا هيل، التي كانت كبيرة خبراء الشأن الروسي في مجلس الأمن القومي خلال فترة دونالد ترامب: “أكثر ما يكرهه الروس هو أن يتعرضوا للتجاهل. لأنّهم يريدون أن يكونوا طرفاً فاعلاً كبيراً على الساحة العالمية، وإذا لم نُفرِد لهم قدراً كافياً من الاهتمام، فسوف يعثرون على طرق لجذب اهتمامنا”.

لكن هذا التواصل يُعتبر محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للولايات المتحدة، ويُعرِّض إدارة بايدن للانتقادات لكونها مستعدةً للتعامل مع روسيا التي يقودها بوتين- وهي دولةٌ تُواصل تقويض المصالح الأمريكية وقمع المعارضة.

وداخل الولايات المتحدة، ستجد أن الطبيعة المدمرة للحملة السيبرانية الروسية هي التي تقلق المسؤولين تحديداً. لكن تلك الحملة تبدو أشبه بتغييرٍ دائم في التكتيكات الروسية بحسب دميتري ألبيروفيتش، رئيس مؤسسة أبحاث Silverado Policy Accelerator. حيث أوضح أن خطوة تقويض البنية التحتية للفضاء السيبراني الأمريكي، بدلاً من اختراق شركات أو أهداف فيدرالية منفردة، هي “تحوّل تكتيكي في الاتجاه، وليست مجرد عملية لن تتكرر”.

باندورا بوتين روسيا تسريبات
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/رويترز

وقد عثرت روسيا بالفعل على وسائل لاستغلال رغبة بايدن في علاقةٍ أكثر “استقراراً وقابلية للتنبؤ”، على حد تعبير البيت الأبيض، من أجل الحصول على تنازلات من جانب واشنطن.

وربما لن يلتقي بايدن بوتين وجهاً لوجه خلال قمة العشرين في روما أو قمة المناخ في غلاسكو، لكن المتحدث باسم بوتين ديمتري بيسكوف قال في أكتوبر/تشرين الأول إنّ عقد اجتماعٍ آخر بين الرئيسين العام الجاري “بصورةٍ أو بأخرى هو أمرٌ واقعي إلى حدٍ كبير”.

في حين قال وزير الخارجية سيرغي لافروف يوم الأحد 31 أكتوبر/تشرين الأول إنّه تحدث بإيجاز مع بايدن في روما، وإنّ الرئيس “أكّد التزامه بإجراء مزيد من الاتصالات”.

إشارات بايدن الناجحة لبوتين

ويرى قدري ليك، المختص في الشأن الروسي بمؤسسة أبحاث European Council on Foreign Relations الألمانية، أنّ “بايدن كان ناجحاً للغاية في الإشارات التي بعث بها إلى روسيا. إذ تُريد روسيا امتياز القوة العظمى في كسر القواعد. لكنك بحاجة إلى وجود القواعد أولاً لتكسرها. وشئت أم أبيت، فإنّ الولايات المتحدة ما تزال طرفاً فاعلاً مهماً وسط المسؤولين عن وضع قواعد العالم”.

وقد دارت أهم المحادثات بين المسؤولين الأمريكيين والروس حول ما يصفه كلاهما بـ”الاستقرار الاستراتيجي”. ويشمل هذا المصطلح الحد من التسلّح والمخاوف من أنّ التقنيات الجديدة، مثل استغلال الذكاء الاصطناعي للتحكم في أنظمة الأسلحة. قد تؤدي إلى اندلاع حربٍ عرضية أو تقليل وقت اتخاذ القرار المتاح أمام زعماء العالم لتجنّب الصراع.

حيث تشكّلت مجموعات عمل لنقاش مواضيع تشمل “الأسلحة الجديدة” مثل بوسيدون الروسي، الطوربيد النووي المُسيّر.

الكاظمي العراق أمريكا بايدن
الرئيس الأمريكي جو بايدنن أثناء لقائه مع رئيس الوزراء العراقي الكاظمي/رويترز

وفي اتصالات أخرى، قضى مبعوث بايدن للمناخ جون كيري أربعة أيام في موسكو خلال شهر يوليو/تموز. بينما عقد المبعوث الخاص لإيران روبرت مالي محادثات في موسكو خلال شهر سبتمبر/أيلول.

كما اجتمع نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفرشوك مع نائبة وزير الخارجية الأمريكية ويندي شيرمان ومستشار الأمن القومي لباين جاك سوليفان. وقد وصف أوفرشوك تلك المحادثات بأنّها كانت “جيدةً وصادقةً للغاية” خلال تصريحاته لوسائل الإعلام الروسية.

وقد رحّب بوتين بمبادرات الاحترام تلك، فهو متمرسٌ في التفاصيل الدقيقة للمراسلات الدبلوماسية بعد أكثر من 20 عاماً قضاها في السلطة. وأوضح المحللون أنّه بعث بإشارته الخاصة مؤخراً أيضاً: فحين سأله ضيف إيراني عن رأيه في ما إذا كان انسحاب بايدن من أفغانستان يُنذر بتراجع النفوذ الأمريكي؛ نفى بوتين ذلك وأثنى على قرار بايدن، رافضاً فكرة أنّ الانسحاب الفوضوي ستكون له تأثيرات بعيدة المدى على صورة أمريكا.

وأردف بوتين: “إنّ مكانة البلاد لا تعتمد على أمورٍ كهذه، بل تعتمد على قوتها الاقتصادية والعسكرية”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top