مثل الوضع في غالبية البلدان، استقبل مسلمو روسيا شهر رمضان هذا العام في ظروف غير اعتيادية، بسبب تفشي وباء كورونا.
قرارات العزل والإغلاق والاحتياطات الكثيرة المتخذة في إطار التباعد الاجتماعي انعكست على تحضيرات استقبال شهر رمضان المبارك، كما انسحبت على الطقوس والعادات الرمضانية التي اعتاد عليها مسلمو البلاد.
أبوياسين، مواطن روسي من أصول عربية، تحدث لـ”عربي بوست” عن انطباعاته. كان رمضان بالنسبة له ولعائلته المناسبة الكبرى التي تجمع كل أفراد العائلة يومياً تقريباً على موائد الإفطار أو السحور، أو من خلال السهرات الرمضانية العائلية التي تعقب صلاة التراويح، هذه التقاليد يفتقدها حالياً أبوياسين، وهو أب لشاب وفتاة كلاهما متزوج ولديه أسرته الصغيرة، وحالت إجراءات العزل دون لمّ شمل العائلة الكبيرة.
دار الإفتاء الروسية
اتخذت الإدارة الدينية لمسلمي روسيا قراراً بمنع صلاة التراويح، في إطار الإغلاق المؤقت للمساجد منعاً للتجمعات.
وقال الشيخإلدار علييف، مسؤول العلاقات الخارجية في مجلس شورى المفتين الروس، لـ “عربي بوست”، إنه “في ظل هذه الظروف الراهنة، من غير المقبول انتهاك الإجراءات التي اتخذتها السلطات لمنع انتشار الفيروس التاجي بين السكان، وعليه فقد قرر أعضاء مجلس العلماء إلغاء صلاة التراويح في المساجد”.
ولكن، حتى لا يفقد المسلمون شعورهم بجمالية العبادات في الشهر الكريم، يقوم ممثلو الإدارة الدينية لمسلمي روسيا بنقل شعائر الصلاة والخطب والحلقات المشتركة من خلال بث مباشر من المسجد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار الشيخ “علييف” إلى أن أي مسلم سيتاح له فرصة طوال شهر رمضان المشاركة في الصلاة عن بُعد، وقراءة القرآن إذا قام بتشغيل البث المباشر من المسجد الكبير في موسكو.
كما أشار إلى أن أحد العناصر المهمة في شهر رمضان المبارك هو زكاة الفطر، فيقول “لكي لا يواجه العديد من المسلمين مشكلة في كيفية دفع الزكاة نحن قمنا بحل هذه المشكلة باللجوء إلى خدمات المصارف عبر الإنترنت، وهذا سوف يجنب الاتصالات الجسدية ومنع انتشار الوباء حتى يتمكن المصلون من الرجوع إلى المساجد فى القريب العاجل إن شاء الله”.
غابت الخيمة الرمضانية وأغلق المسجد
أما على صعيد الشعائر الدينية الأساسية، فإن المسجد الكبير في موسكو مغلق تماماً حتى إشعار آخر، وفرغت ساحاته الخارجية، وأقيمت أول خطبة جمعة في رمضان من دون إمام أو مصلين، والأكثر من ذلك أنها بثت صوتاً فقط على موقع المسجد الكبير في موسكو.
العنصر الثاني الغائب هو الخيمة الرمضانية ذات الطابع التاريخي التي اعتاد عليها مسلمو البلاد، والتي كان يتردد عليها في السنوات السابقة حوالي مليون مسلم يأتون من معظم أنحاء روسيا ومن دول الاتحاد السوفييتي السابق. وكان يتم فيها عرض الطقوس التي تعكس التنوع القومي، من خلال تخصيص كل يوم من أيام الشهر لعرض واحدة من القوميات تعرض خلاله تراثها الثقافي وتقدم على مائدة الإفطار الجماعية أصنافاً من مطبخها.
وكانت الخيام الرمضانية في روسيا تقام في الأساس لمساعدة الفقراء من خلال موائد الرحمن، لكنها باتت تشكل في السنوات الأخيرة ظاهرة ثقافية كاملة تتخللها مسابقات حفظ القرآن الكريم ودعوة العائلات المتخاصمة إلى التصالح وتسوية النزاعات بينها.

مبادرات الخير والأمل
في نفس السياق أطلقت الجالية العربية في موسكو مبادرة “الخير والأمل” للتأكيد على الدور الحقيقي للتكافل الاجتماعي بمساعدة الأسر المحتاجة بصرف سلال غذائية للأسر التي تضررت من آثار إجراءات الحجر الصحي بل وتوصيلها، نظراً لعدم إمكانية هذه الأسر الخروج من البيوت، ولاقت هذه المبادرة استحساناً كبيراً في الوسط الدبلوماسي العربي والذي أعلن عن نيته دعم هذه المبادرة معنوياً ومادياً.
شريف رزق، رئيس الجالية المصرية في موسكو، قال لـ «عربي بوست» إن رمضان هذا العام مختلف، فالأسر التي كانت تجتمع على موائد الإفطار في المطاعم العربية القليلة في مدينة كبيرة مثل موسكو لم تعد قادرة على ذلك، وإن معظم العرب المسلمين الذين يمتلكون القدرة المادية خرجوا إلى ضواحي موسكو نظراً لأن مدينة موسكو باتت البؤرة الأساسية لانتشار الفيروس بأكثر من نصف الإصابات الإجمالية في روسيا.
وأضاف: «هذا جعلنا نقوم بحصر أعداد العائلات المسلمة التي فقدت مصادر دخلها وإعداد لوائح بأماكن إقامتها والتواصل معهم للوقوف على المشاكل التي تواجههم ومحاولة إيجاد حلول لها ولو بشكل مؤقت».
ولا تزال الكثير من الجاليات المسلمة حول العالم تبدأ في مبادرات للتكافل الاجتماعي، لتدارك الأضرار التي أصابت الآلاف نتيجة تفشي فيروس كورونا، وتأثُّر الكثير في أعمالهم ومصادر دخلهم.