لم يشهد تاريخ إنجلترا عهد حكم أقصر من عهد الليدي جين غراي، التي سميت بـ”ملكة الأيام التسعة”، لأنها حكمت البلاد فترة وجيزة للغاية تراوحت ما بين 10 و19 يوليو/تموز من عام 1553.
لم تنعم الملكة بفترة حكمها ولا بشبابها حتى، إذ تم قطع رأسها وهي لا تزال في السادسة عشرة من عمرها.. تعالوا نتعرف معاً على قصة الملكة الأقل حظاً في تاريخ إنجلترا:
ليدي جين غراي.. ملكة الأيام التسعة
كانت حياة جين غراي هانئة وهادئة للغاية قبل وفاة الملك إدوارد السادس، فقد كانت حفيدة هنري السابع {%} من ابنته الصغرى ماري، وعاشت حياة مرفهة تليق بنبيلة إنجليزية عالية المقام، كما تلقت تعليماً ممتازاً وبرعت في مجال اللغات، فقد كانت تتقن اللاتينية واليونانية والعبرية إلى جانب الإيطالية، كما كانت تفضل قراءة الكتب على حضور الحفلات، وسرعان ما اكتسبت سمعة على أنها واحدة من أكثر الشابات ثقافة في البلاط الملكي.
تلقت جين المولودة عام 1537 تربية صارمة، وبسبب تأثير والديها ومعلميها نشأت لتكون بروتستانتية ملتزمة.
وكحال جميع الفتيات النبيلات تزوجت جين غراي من ابن شخصية مرموقة في البلاط، وزُفّت في مايو/أيار 1553 إلى اللورد جيلفورد دودلي الابن الأصغر لرئيس الوزراء ودوق نورثمبرلاند جون دادلي. لكن لا نستطيع القول إن هذا الزواج كان فألاً حسناً لليدي الشابة.

انقسامات دينية كان ثمنها رأس الملكة الشابة
آنذاك كان الوضع معقداً في إنجلترا بعض الشيء، لكن سأحاول تبسيط الأمر.
المذهب الديني السائد في البلاد في ذلك الوقت كان المذهب البروتستانتي، هذا المذهب الذي يتبعه بكل تأكيد ملك إنجلترا الشاب إدوارد السادس {%}، ولكن ولأسباب مجهولة بدأ الملك في الاحتضار عام 1553 وهو لا يزال في الـ15 من عمره، يقال إن ذلك كان بسبب دس السم له، فيما قد يكون ذلك بسبب مرض السل.
لم يكن لدى إدوارد بالطبع أولاد ذكور أو حتى إناث، ومن المفترض أن تذهب الخلافة من بعده بشكل طبيعي لأخته غير الشقيقة ماري.
لكن هناك مشكلة أرقت مضاجع مستشاري الملك، وهي أن ماري كانت كاثوليكية متزمتة، وفي حال تسلمت الحكم ستحول مذهب البلاد بالتأكيد من البروتستانتية إلى الكاثوليكية.
كان الحل الوحيد الذي ارتآه مستشارو إدوار السادس هو أن يكتب الملك المحتضر وصية يجعل فيها الخلافة من نصيب ابنة عمه البروتستانتية الملتزمة جين غراي وأبنائها الذكور، وهذا ما كان بالفعل.
فقد أصدر الملك إدوارد وصيته قبل وفاته ووقع عليها 102 من أعيان الدولة منهم أساقفة وقضاة وأعضاء في مجلس الملك.
إلى جانب ذلك أزال الملك الشاب أختيه غير الشقيقتين ماري وإليزابيث من خط الخلافة باعتبارهما غير شرعيتين، فقد كانت ماري ابنة هنري الثامن من زوجته الأولى كاثرين، أما إليزابيث فهي ابنة هنري الثامن من زوجته الثانية آن بولين، وفي عهد هنري الثامن اعتبر زواجه من كاثرين وآن بولين باطلاً بعد أن أتم زيجته الثالثة.
ملكة ثم خائنة من حيث لا تدري
من حيث لا تدري تم إخبار جين غراي بأنها أصبحت ملكة لإنجلترا وإيرلندا، وحسبما قالت لاحقاً بعد انتهاء مدة حكمها القصيرة فهي لم تقبل التاج إلا بعد الكثير من التردد.
في هذه المرحلة الحرجة تولى دوق نورثمبرلاند حماية زوجة ابنه وملكة إنجلترا الحالية، كان الدوق يدرك أن أولى مهامه تتمثل بإلقاء القبض على ماري قبل أن تبدأ بحشد أنصارها، فغادر لندن بهدف القبض عليها.
لكن ماري كانت أسرع بديهة فغادرت مكان إقامتها فور سماعها بخبر وفاة الملك وبدأت بحشد أنصارها وراسلت بعضاً من داعميها داخل مجلس الملك، فاستغل هؤلاء غياب دوق نورثمبرلاند ورتبوا انقلاباً ضد ماري في مجلس الملك، وسرعان ما تخلى أنصار جين غراي عنها وتمت مبايعة ماري لتكون ملكة للبلاد بعد 9 أيام فقط من حكم جين غراي التي اتهمت بالخيانة العظمى.

واجهت مصيرها بشجاعة
وجهت تهم الخيانة العظمى لجين وزوجها ووالده دوق نورثمبرلاند الذي تم إلقاء القبض عليه وإعدامه.
أما الليدي جين البالغة من العمر آنذاك 16 عاماً فقد تم احتجازها أولاً في برج جنتلمان جولر فيما احتجز زوجها في برج آخر.
كان من الممكن ألا ينفذ حكم الإعدام بالليدي جين لولا أن والدها شارك بتمرد ضد الملكة ماري، الأمر الذي جعلها تنظر إلى جين على أنها خطر يهدد التاج أيضاً.
وعلى الرغم من أن الحرق على قيد الحياة كان عقوبة الإعدام التي تنفذ في النساء اللواتي يتهمن بالخيانة العظمى، فإن الملكة ماري اختارت أن يقطع رأسها.
يقال إن الليدي جين غراي قد مضت إلى مصيرها بشجاعة يوم الإعدام وعصبت عينيها بمنديل ثم تلت آيات من الإنجيل، وكانت آخر كلماتها موجهة إلى الجلاد: “أرجوك نفذ الحكم بسرعة”.