فنان ذو طلة خاصة بملامح مصرية، قدم في “فيلم ثقافي “هموم جيل أرهقته السياسة وبددت آماله. وفي “ليلة سقوط بغداد”، أعلن أن ليلة سقوط بغداد كانت ليلةً سقط فيها العرب ككل.. تنبأ بها وها نحن نعيشها.
وفي “حظ سعيد”، تنبأ بمستقبل أفضل لثورة يناير/كانون الثاني، لكن نبوءته لم تتحقق.. لكنه لا يزال عند رأيه في أن ثورة يناير هي الأعظم في تاريخ هذا الشعب .
“عربي بوست” التقى الفنان المصري أحمد عيد، صاحب فيلم “ياباني أصلي” -أحدث أفلامه- الذي استلهم روح الشارع المصري ومشكلاته الاجتماعية ونقل تعبيرات تداولها الجمهور سريعاً.
عيد، قدم للسينما بعد الثوره فيلمه “حظ سعيد” في عام 2012 والذي يحكي قصة شاب وفتاه يحلمان بالحصول علي شقة ولا يحصلان عليها.
لكن، بعد ثورة يناير ومحاكمة مبارك ورغم تحقيق الفيلم إيرادات بلغت أكثر من مليوني جنيه، إلا أن عيد ابتعد بعدها 5 سنوات كاملة عن السينما، ربما لأسباب تتعلق بذلك الانقسام الذي لمح إليه في نهاية فيلمه “حظ سعيد” الذي أنجب فيه بطل الفيلم 3 أبناء؛ أحدهم ليبرالي والآخر إسلامي والثالث إخواني، وانقسام مصر بينهم رغم أنهم أبناء أسرة واحدة.
فهل ابتعد عيد عن السينما بسبب السياسة؟ أم الأزمات الإنتاجية؟ أم السعي لتقديم نوع من الفن لا يُقنع المنتجين بنفس قدر إقناعه المشاهدين؟
أزمة السينما
عيد، قال إن السينما المصرية تواجه أزمة في الأفكار الجديدة، “وعندما تجد سيناريو جيداً فإن هذا يعد كنزاً كبيراً”، مشيراً إلى أن فيلمه الأخير “ياباني أصلي”، على الرغم من بساطته فإنه موضوعه اجتماعي موجَّه للأسرة المصرية ككل، بعيداً عن السياسة التي أدخلت المجتمع المصري في حالة استقطاب، لا يريد عيد أن يكون طرفاً فيها.
وقال إنه دائم التفكير في أفكار جديدة بمواصفات معينة؛ ولذلك يستغرق وقتاً طويلاً في البحث عن سيناريو بمواصفات خاصة، وهذا يسبب القلق للمنتجين الباحثين عن أفكار مضمونة النجاح.
وأضاف في حواره مع “عربي بوست”، أنه يفضل العمل في أي فيلم وأي دور بفيلم من إخراج محمد أمين، دون أن يعني ذلك استثناء بقية المخرجين، ولكنه يخص أمين بهذا؛ لأنه صديق مقرَّب إليه، كما أنه يؤمن مثله بالتغيير وتقديم الأفكار الجديدة.
لكن عيد ذكر أن الحلم بالتغيير وتقديم الجديد يتطلب تكلفة إنتاجية عالية، ولا يتناسب مع وضع صناعة السينما في مصر التي تمر بأزمة كبيرة، والمسألة بالكامل تخضع للصدفة، ولا يوجد أي تخطيط أو دراسة لما يتم عمله.
وأضاف أن “السينما في مصر تعمل بطريقة (رزق يوم بيوم)؛ لذا فالصورة غير واضحة ولا يمكن التكهن بما سيحدث في المستقبل، ولكن ما يمكن قوله إن السينما في مأزق حقيقي”.
ومضة
وتمنّى عيد أن ينجح يوماً في تقديم فيلم سينمائي بعيداً عن الكوميديا التي اشتُهر بها، لكن ذلك يتوقف على وجود سيناريو جيد، ومخرج يؤمن بقدراته، ومنتج يتحمل تكلفة الأفلام الجادة.
ورغم كل النجاح الذي حققه أحمد عيد، فإن ناقداً معروفاً -هو طارق الشناوي- يرى أن عيد “نجم تنقصه الومضة، وهو الأمر الذي لا يفهمه أحمد عيد”، لكنه أشار إلى أن فيلمه الأخير حقق إيرادات بلغت 8 ملايين جنيه.
وقال الشناوي: “إذا كان المقصود بالومضة الشهرة والوجود الكبير على مواقع السوشيال ميديا، فإنه لا يجيد ذلك كما يفعل فنانون آخرون، يحرصون على وضع صورهم وهم يتناولون الإفطار مثلاً، على صفحات التواصل الاجتماعي؛ لأنه يشعر بشعور الفقراء، ويرى أن تصوير الأطعمة -على سبيل المثال- في بلد يعاني ظروفاً اقتصادية صعبة أمر مستفز”.
لا للسياسة
وربما لأن السياسة تخيف الفنانين عموماً، خاصة في الوقت الحالي بمصر، فإن الفيلم الأخير لعيد، “ياباني أصلي”، يحكي قصة شاب مصري يُغرم بفتاة يابانية تعمل في سفارة بلادها لدى مصر ويتزوجها ويعيش معها في شقة بإحدى المناطق العشوائية بالقاهرة، ولكنها لا تتحمل هذه الحياة فتغادر مصر ومعها طفلاها التوأم.
ويحاول الشاب المصري السفر إلى اليابان للعودة بابنيه إلى القاهرة، ويرصد الفيلم بعضاً من المشاكل الإنسانية وينتقد الأوضاع الاجتماعية في مصر.
ولا يتطرق النقد إلى الأوضاع السياسية، وهو ما يبرره لـ”عربي بوست” بقوله إن “الرقابة الفنية في مصر تقوم على الدوام بقص المشاهد السياسية من الأفلام؛ لذلك فإني لا أحب تضمينها كثيراً في أعمالي؛ لأنها لا تخرج للنور”.
ويرى أن ربط الواقع الآن بفيلمه القديم “ليلة سقوط بغداد”، وهو فيلم سياسي، ليس دقيقاً؛ فلكل فيلم خصوصية، و”كان فيلم (ليلة سقوط بغداد) تجربة مختلفة وتمت صناعة الفيلم بحرفية سمحت بمرور الرسالة السياسية فيه”.
وقد تنبأ الفيلم بما يحدث الآن في العراق التي وقعت في فخ التقسيم والإرهاب والتطرف، لذا كان الفيلم جريئاً في التعامل مع القضية التي يطرحها. وأكد أنه بعيداً عن الفيلم، فإن سقوط بغداد سقوط لكل العالم العربي.
أحمد عيد الذي يصنف نفسه أحد أبناء ثورة 25 يناير، ويراها -بحسب كلامه- أعظم ما حدث لمصر في تاريخها، يرفض التعليق على ما حدث في 30 يونيو/حزيران، هل هو ثورة أم انقلاب؟
وأكد أنه يبتعد عن السياسة، مكتفياً بعمله الفني فقط، حتى إنه لا يدخل صفحته على تويتر إلا كل سنة مرة؛ لأن “المجتمع في حالة استقطاب رهيبة”، وهو لا يريد أن يكون أحد أطراف هذا الاستقطاب.
وقال إنه بعد الثورة قدم مداخلة هاتفية مع أحد البرامج الفضائية، هاجم فيها فساد الإعلام المصري الذي “كان يسبِّح بحمد مبارك ويسبّ الثوار وتحوَّل إلى النقيض بعد تنحي مبارك!”، حسب تعبيره.
لكن هذه المداخلة لا تؤكد انخراطه في السياسة على حد قوله؛ فقد كانت عفوية قصد بها لفت الانتباه إلى خطورة دور الإعلام.
ورغم ذلك، يمكن قراءة السياسة التي يهرب منها عيد في أفلامه؛ ومنها علي سبيل المثال “فيلم ثقافي”، الذي ناقش فيه عيد قضية شائكة؛ هي انشغال شباب بمشاهدة فيلم جنسي هرباً من واقعهم.
واعتبر عيد انشغال الشباب المصري بقضايا هامشية هو نتيجة طبيعية لضبابية المستقبل وعدم وضوح الرؤية أمامهم، مشيراً إلى أن الأنظمة التي جاءت بعد ثورة يناير لم تغير من طريقة تفكيرها في التعاطي مع الشباب؛ لذا سيبقى الوضع على ما هو عليه، حسب قوله.
ويصر الفنان المصري على الابتعاد عن السياسة، قائلاً: “لو خُيرت بين تقديم فيلم عن حاكم عربي مثلاً أو عن شخص مصاب بالتوحد؟ فإنني سأكون مضطراً إلى تجسيد دور مريض بالتوحد؛ لأنها شخصية غنية درامياً، كما أن الرقابة على المصنفات الفنية ترفض تقديم فيلم عن أي حاكم عربي”.
ورفض عيد، في الختام، التعليق على إمكانية ترشح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للانتخابات المقبلة في 2018، مؤكداً أنه يفضل الابتعاد عن السياسة، ووقتها سيدلي بصوته في سرية بصندوق الانتخابات.