Unsane: الفيلم الجديد المصوّر بهاتف آيفون 7 عن مريضة عقلية.. هذه الأفلام أيضاً جسّدت حالات مماثلة أثارت اهتمام الجمهور

كان الفيلم الذي أخرجه المخرج ستيفن سودربرغ قبل إعلان الاعتزال عام 2013 Side Effects  فيلم إثارة يخوض في عالم شركات الأدوية، ويتتبع قصة امرأة شابة (أدت دورها الممثلة روني مارا) محتجزة في مشفى للأمراض النفسية رغماً عنها.

تراجع سودربرغ عن قرار اعتزاله العام الماضي 2017 وعاد للعمل على إخراج الأفلام. وفيلمه الجديد Unsane هو فيلم إثارة كذلك يتناول قصة امرأة شابة (تؤدي دورها الممثلة كلير فوي) محتجزة في مشفى للأمراض النفسية رغماً عنها.

من الواضح إذاً أنَّ سودربرغ يرى في الأمراض العقلية والطب النفسي موضوعاتٍ مثيرة للاهتمام. وهو ليس وحده في ذلك بحسب ما ذكرت صحيفة The Guardian البريطانية في تقرير لها

كيف تطورت معالجة المرض النفسي على الشاشة عبر السنين؟

أحد شخصيات الأفلام التي ترتبط في ذاكرتنا بالمرض النفسي هي ماك ماكرفي، التي أداها الممثل جاك نيكلسون في فيلم One Flew Over the Cuckoo’s Nest. وحتى لا ننسى، لم يكن ماك مجنوناً، لكنَّه فقط كان يحاول تجنُّب عقوبة السجن. هذا الفيلم، الذي أخرجه التشيكي ميلوش فورمان واستند إلى رواية المؤلف كين كيسي، أُشيدَ به حين صدر لتناوله حياة نزلاء مستشفيات الأمراض النفسية بتعاطُف، وسردية “المعركة ضد النظام” التي يعتمد عليها، وتصويره الدقيق إلى حدٍ ما لأساليب العلاج في ذلك الحين، التي كانت غير إنسانية في معظم الأحيان (مثل جراحات فصوص المخ، والعلاج بالصدمات الكهربائية دون استخدام مُرخيات عضلات).

تغير نبرة أفلام الأمراض العقلية

حقق فيلم One Flew Over the Cuckoo’s Nest نجاحاً كبيراً في أوساط النقاد والمشاهدين، لكن كان من النادر في ذلك الوقت وجود فيلم يتناول مسألة المرض النفسي بتلك الدقة.

فكِّر في أشهر أبطال أفلام الرعب من المجانين، من القاتل المتلصص الذي ينبش جثة أمه في فيلم Psycho إلى السفاح الذي يسلخ ضحاياه ليصنع بذلةً من لحومهم في فيلم The Silence Of The Lambs. اتبع هذان الفيلمين -رغم كونهما من الأعمال الفنية المميزة- النهج القائل إنَّ البشر المصابين بأمراضٍ عقلية عنيفون بطبيعتهم، ويجب تجنبهم بأي ثمن.

هناك العديد من الأفلام التي تتناول قضايا الأمراض العقلية. ويرغب الجمهور دائماً في مشاهدة أفلام عن الأمور التي لا يفهمها. ولوقتٍ طويل، وربما حتى الآن، لا تحظى مسألة المرض العقلي بالفهم السليم. وهذا يسمح للمخرجين والمنتجين والكتاب والممثلين بتناول المسألة بالطريقة التي يرونها مناسبة. ولكن، مع زيادة وعي الجمهور بمسألة الأمراض النفسية والعقلية، وتحدث المشاهير عن الأمر (منهم كاثرين زيتا جونز ممثلة فيلم Side Effects، التي تحدثت عن اضطرابها ثنائي القطب)، تغيَّرت ببطء نبرة وديناميكية أفلام الأمراض العقلية والغرض منها.

ومثالٌ جيد على ذلك فيلم Silver Linings Playbook، الفيلم الكوميدي الرومانسي الذي صدر عام 2012 وفاز بجائزة الأوسكار، ويشارك فيه كلٌ من برادلي كوبر وجينيفر لورانس، اللذان تقع شخصيتاهما في الحب نتيجة لتجاربهما المشتركة مع مضادات الذهان ذات التأثيرات المتعددة.

من الصعب تخيُّل إعجاب المشاهدين منذ عدة سنوات بمغازلةٍ بين شخصين في فيلم حول دواء كلوزابين المُستخدَم في علاج الفصام، لكنَّ هذا الفيلم الذي أخرجه ديفيد أو راسل جمع أكثر من 200 مليون دولار أميركي. كان الفيلم في أغلبه تصويراً أصيلاً لماهية الإصابة بالاضطرابات ثنائية القطب: السعادة، والحزن، والأدوية، والعلاج، والشك، والزلات الاجتماعية، وغياب جرائم القتل العنيفة التي تتضمن نبش جثث الأمهات وسلخ جثث القتلى.

“المرض العقلي جزءٌ كبير من الحالة الإنسانية”

هناك زيادةٌ أيضاً في عدد الأفلام التي تتضمن شخصياتٍ مصابة بأمراضٍ عقلية في أدوارٍ مساعدة، لكنَّها لا تتحدث بالأصل عن المرض النفسي. انظر على سبيل المثال إلى شخصية العم فرانك (ستيف كاريل) ذي الميول الانتحارية في فيلم Little Miss Sunshine (يخسر فرانك في الفيلم شريكه وجائزة علمية مرموقة لمصلحة أكاديمي منافس، ما يدفعه إلى التفكير في الانتحار)، أو شخصية جون المصاب بالفُصام (مايكل شانون) في فيلم Revolutionary Road عام 2008، الذي يُفصِح لليوناردو دي كابريو وكيت وينسلت عن الحقائق البغيضة في زواجهما الفظيع.

لم يعد يُنظر بالضرورة إلى الشخصيات المصابة بأمراضٍ عقلية كأشخاصٍ يجب أن يظهروا في أدوارٍ مروعة، لكن كبشر عاديين يمكن أن تتناولهم القصص بطرقٍ مختلفة. ووفقاً لتشارلي كوفيل مؤلفة مسلسل الدراما الكوميدية السوداء في عالم المراهقين The End of the Fucking World، هذا أمرٌ مهم. إذ تقول إنَّ “المرض العقلي هو جزءٌ كبير من الحالة الإنسانية. وعدم تصويره على الشاشة هو تفويتٌ لموضوعٍ هام، يؤثر على الناس يومياً”.

نال مسلسل The End of the Fucking World استحسان النقاد. وهو واحدٌ من بين مجموعةٍ من المسلسلات التي تركز على الصحة العقلية، من بينها 13 Reasons Why Crazy Ex-Girlfriend. وهناك أيضاً شخصية كاري ماثيسون في مسلسل Homeland، وهي شخصية مركبة لها جوانب عديدة -حوائط غرفتها مغطاة بأوراق وخيوط أكثر مما قد تجد في متجر تحف وإكسسوارات- يصدف أنَّها مصابة باضطرابٍ ثنائي القطب. فهي تبكي كثيراً، ويتمدد فمها وينكمش كما لو كان حزاماً مطاطياً خارج عن السيطرة، لكنَّها في الوقت نفسه عميلة استخبارات موهوبة للغاية.

النساء المصابات بأمراضٍ عقلية

منذ عقدين تقريباً، لاقى فيلم Girl,Interrupted الذي صدر عام 1999 صدًى لدى الشباب المصابين بأمراضٍ عقلية. هذا الفيلم، المبني على مذكرات الشابة سوزانا كايسن عن الأشهر 18 التي قضتها في مستشفى أميركي للصحة النفسية في الستينيات، تعامل مع الصحة العقلية للنساء على وجه الخصوص.

على مر التاريخ، كانت النساء المصابات بأمراضٍ عقلية يتعرضن للنبذ والانتقاص من قدرهن لكونهن مصابات “بالهستيريا”. وأصبح هذا هو التشخيص الرسمي المعتاد للسيدات المصابات بأمراضٍ عقلية، حتى أنَّ الأطباء النفسيين حاولوا علاجهن من الهستيريا بإثارتهن جنسياً حتى الوصول إلى هزة الجماع، وهو ما أدى إلى اختراع جهاز الهزَّاز المُستخدم في الألعاب الجنسية.(لم تعد هذه الممارسة موجودة، على الأقل لم تعد متاحة ضمن هيئة خدمات الصحة الوطنية في المملكة المتحدة).

وأنعشت وينونا رايدر بطلة فيلم Girl,Interrupted ذاكرة المشاهدين عن تلك الممارسات بتصوير فترة إفراط سوزانا في التعامل مع نفسها كأداة للجنس كعَرَضٍ لاضطراب الشخصية الحدية لديها، وليس لإثارة المشاهدين.

ربما يكون من المبالغة أن نَصِف فيلم Unsane للمخرج سودربرغ بأنَّه فيلمٌ نسوي، لكنَّه يتضمن رسالةً قوية مفادها أنَّ النساء غالباً ما يتعرضن للإسكات والتكذيب.

وفي هذا السياق، كان فيلم Gaslight الذي صدر في عام 1944 سابقاً عصره بقصته التي تدور حول زوجٍ يتلاعب بزوجته، ليجعلها تُصدِّق أنَّها فقدت عقلها. ومنذ ذلك الحين، دخلت كلمة Gaslighting قاموس الألفاظ الشائعة، ولم تقتصر دلالتها على العلاقات الشخصية، بل شملت عالم الدعاية السياسية والأخبار كذلك. (جديرٌ بالذكر أنَّ المصطلح مستوحى من نهج الزوج في الفيلم، إذ كان يُطفئ المصابيح ويوقدها لإقناع زوجته بأنَّها مريضةٌ نفسياً).

تدقيق ونقد أكبر

بيد أنَّ العديد من الأفلام تمسَّكت بالفكرة المتحيزة جنسياً المتمثلة في المرأة المجنونة الجامحة. وسيكون من الرائع على سبيل المثال أن نشاهد عملاً سينمائياً أو تلفزيونياً يحاول تحديث رواية Jane Eyre، ليصور شخصية بيرثا ميسون -المرأة المجنونة الأصلية في الرواية- بتعاطفٍ أكبر.

في زمننا المعاصر، بعد انحسار الغفلة، تخضع الأفلام القديمة التي تتناول موضوعاتٍ حساسة لتدقيقٍ أكبر. إذ انتُقِدَ فيلم One Flew Over the Cuckoo’s Nest بسبب الطريقة التي صور بها شخصية برومدين، المريض الذي يأتي من قبائل السكان الأصليين في أميركا. وأُشِيرَ إلى أنَّ فيلم Girl, Interupted يتضمن فكرة “الزنجي السحري” الشهيرة في هوليوود، حيثُ تؤدي شخصية سوداء (في هذه الحالة كانت الممرضة التي أدت دورها ووبي غولدبرغ) دور المُنقذ لأمرأة بيضاء. وأُعيدَ تقييم أفلام الرعب من الدرجة الثانية التي يظهر فيها مرضى نفسيين يضربون نساءً حتى الموت، وقيل في بعض الحالات إنَّها تمثل كراهيةً غير مبررة تجاه النساء.

يجب أن يحرص صناع الأفلام على الطريقة التي يصورون بها المرض العقلي في الثقافة، لانَّه وفقاً لكوفيل “مشاهدة تجربتك على التلفاز أو في فيلمٍ ما تجعلك تشعر بوحدةٍ أقل”، وتشجعك على طلب المساعدة.

بالمثل فإنَّ الأفلام والمسلسلات (إن لم يكن الأفلام الوثائقية كذلك) تعد نوعاً من التسلية، والمبالغة يجب أن تُمنَع (كما في فيلم Shutter Island).

لكن من المشجع أنَّ الأفلام بدأت تتناول المرض العقلي بشكلٍ أعمق مما بدا في شخصية باتريك باتيمان، بطل رواية American Psycho، أو عنف قتال فيلم Fight Club.

ماجي فون إيجك مؤلفة كتاب Remember This When You’re Sad، الذي يتناول تجربتها مع المرض العقلي، تُوصي بمشاهدة فيلم Manic، وهو فيلمٌ أميركي مستقل صدر عام 2001 وشارك فيه الممثلون جوزيف غوردون-ليفيت، وزوي ديشانيل، ودون شيدل.

وتدور أحداث الفيلم في وحدةٍ نفسية لصغار السن، وتصويره للمرض النفسي بعيد كل البعد عن صورة باتريك باتيمان.

ماذا عن الأطباء إذاً، هل هم راضون عن الطريقة التي تصورهم بها الأفلام والمسلسلات؟

يقول سيمون ويسلي الطبيب النفسي وأستاذ الطب النفسي في كلية كينغز كولدج بلندن إنَّه سُرَّ بشكلٍ خاص بشخصية الطبيب في فيلم Spellbound لهيتشكوك، إذ رآه “حكيماً، وجاداً، وجديراً بالاحترام”. لكنَّه أشار كذلك إلى الغريبين منهم. وأوضح مثال على ذلك هو الطبيب هانيبال ليكتر في سلسلة أفلام Hannibal، أو “دور بيلي كريستال في فيلم Analyse Me، إذ كان لا يمكن الوصول إليه بشكلٍ يبعث على اليأس، وكذلك جين وايلدر في فيلم High Anxiety”.

لن تفقد الأفلام والمسلسلات اهتمامها سريعاً بما يعتمل داخل العقل البشري، وبالأخص ستيفن سودربرغ. وربما يكون فيلم Unsane -الذي صوره بهاتف آيفون 7 بلس مستخدماً إضاءةٍ ضعيفة ولقطاتٍ قريبة للغاية ومونتاج مفكك- فيلمه الأخير، لكنَّه لن يكون الأخير عن هذا الموضوع.

جديرٌ بالذكر أنَّ معهد الفيلم البريطاني أنهى لتوه عرض فيلم الدراما النفسية Persona للمخرج إنغمار برغمان الصادر عام 1966، وهناك موسم آخر من برنامج Mundhunter الناجح حول نفسية القاتلين المتسلسلين قيد الإنتاج. وصناعة التأليف والنشر تفيض بالأعمال حالياً عن الصحة العقلية، ما يوفر مادةً خصبة لصنع الأفلام والمسلسلات. 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top