منذ مدة كان البريطاني أداراناند يقف في غرفة الاستراحة، في المكتب الذي يعمل فيه، حين سأله زميلٌ سمع أنه يمارس رياضة الجري، إذا ما كان قد شارك في أحد سباقات الـ”ألترا ماراثون”.
وهو المصطلح المستخدم لأي سباق على الأقدام أطول من المسافة الطبيعية لسباقات الماراثون البالغة 42.16 كيلومتر. خاب أمله حين أخبرهه أنه لم يفعل.
فسأله “ولا سباقات الترايثيلون؟”، هز رأسه بالنفي أيضاً.
فقال: “يا إلهي لم تشارك سوى في سباقات الماراثون؟”
لم تعد سباقات الماراثون إذاً محل إبهار الزملاء والأصدقاء وأفراد الأسرة؛ بحسب ما يقول أداراناند، الذي يعمل كاتباً حراً ومساعد محرر إنتاج في صحيفة The Guradian البريطانية، فقد أصبح الأشخاص في عصر ما بعد الماراثون، الذي تحوي فيه دائرة معارف كل شخص شخصاً شارك في سباق ماراثون.
يقول “الآن لم يعد من المقبول الاحتفاء إلا بشيء أطول وأكثر شدة”.
لا بأس بخوض سباق من 80.47 كيلومتر بحسب قول هذا الكاتب، ولكن سيكون من الأفضل لو زدنا الأرقام إلى المئات، ويفضل على جبل بالغ الانحدار أو في صحراء أو أدغال خطرة.
ومع انتشار المزيد والمزيد من قصص السباقات بالغة الطول، لا يملك المرء إلا أن يرثي حال من يبحث عن جهة ترعى سباق ماراثون بسيط.
ولكن، ماذا وراء هذا التمدد؟ ولماذا يتزايد عدد من يختارون خوض سباقات تستغرق أياماً بدلاً من ساعات؟ وهل في هذه السباقات ثمة ما يفيد؟ يدير ستيف ديتريش موقع Run Ultra الذي يدرج أكبر سباقات الألتراماراثون في العالم.
تبدأ القصة ببضعة كيلومترات
ويقول ديتريش إنه حين أسس الموقع قبل 12 عاماً، وجد 160 سباقاً مدرجاً على مستوى العالم. أما في العام الحالي، فقد وصل العدد إلى أكثر من 1800 سباق على الموقع، بزيادةٍ قدرها 1000%.
ويدرج موقع DUV الألماني للسباقات الطويلة نتائج بعض سباقات الألترا الأقصر مسافة، وتشتمل قاعدة البيانات الموجودة فيها على جميع السباقات، بدءًا من أول سباق على الأقدام في بريغتون عام 1837، الذي بلغت مسافته 89 كم.
ويظهر الموقع على مدار السنوات العشر الماضية زيادة مشابهة، قدرها 1000% في عدد السباقات.
وتجمع مجلة Ultra Running في الولايات المتحدة الأرقام الخاصة بأميركا الشمالية، ومرةً أخرى تروي هذه الأرقام قصة مشابهة عن الرياضة الآخذة في الانتشار، مع تزايد عدد السباقات ومن يتمّونها كل عام منذ عام 1981.
وفي عام 2003، على سبيل المثال، كاد ما يقرب من 18 ألف شخص في أميركا الشمالية إتمام سباق أولتراماراثون. وبلغ العدد العام الماضي 105 آلاف شخص.
وقد شهدت آسيا أيضاً زيادة ضخمة في عدد السباقات. ويقول نيك تينورث، مدير السباقات في هونغ كونغ، إنه قبل 10 سنوات كان هناك ستة سباقات ألترا ماراثون في هونغ كونغ، أما الآن
فقد وصل العدد إلى 60. ويقول تينورث: “في الأعوام السابقة، لم يكن عليك سوى الحضور في اليوم المحدد والدخول، أما الآن فتذاكر السباقات الشهيرة تنفد في دقائق”.
وقد وجد منظمو السباقات التي تشهد إقبالاً كثيفاً -مثل سباق Ultra-Trail de Mont-Blanc في فرنسا وسباق Western States 100 في الولايات المتحدة- أنفسهم مضطرين إلى وضع نظام للقرعة، لمواكبة أعداد الراغبين في المشاركة. ويدير ديتريش بيانات المسجلين في سباق Marathon des Sables، أحد أبرز سباقات الألتراماراثون
الذي يقطع مسافة 251.06 كيلومتر في الصحراء الكبرى. ورغم رسوم الدخول المرتفعة التي تقترب من 6 آلاف دولار أميركي، يقول ديتريش إن تذاكره تنفد في دقائق.
ثم تصبح القصة أكبر، وتستمر لأيام
“إذاً، ما الذي يمكن أن يدفع الناس إلى الزج بأنفسهم في تحديات لا تكاد تطاق بالنسبة لأغلبنا؟” يتساءل أداراناند، منذ تلك المحادثة في غرفة الاستراحة، أكمل هذا الشاب بالفعل عدداً من سباقات الألتراماراثون. وأول ما جذبه إليه هو رغبته في خوض تجربة غير مألوفة.
لقد خاض ستة سباقات ماراثون حين اقترح عليه شخصٌ أن يخوض ماراثون صحراء عمان، الذي استمرَّ لستة أيام بطول 165 كم.
لم يرق السباق له من منظور الرياضي الذي يمارس رياضة الجري، ولكن على مستوى الخبرة الحياتية وبالنظر إليه باعتباره مغامرة فقد كان مثيراً أن تقطع أفقاً واسعة لأرض بالكاد تتبين معالمها، دونما شيء سوى نفسي، وحقيبة ظهره التي تحتوي أشرطة الطاقة التي تساعده على الاستمرار، لهو أمرٌ مثيرٌ حقاً.
يعرف كارل إيغلوف، أحد ممارسي الرياضات الخطرة، هذا الشعور جيداً؛ فالرجل الإكوادوري قد صعد جبلي كليمنجارو وأكونكاغوا (أعلى جبل في الأنديز)، وهبط منهما في زمن قياسي لم يصل إليه أحدٌ من قبل في التاريخ.
ويقول إن الشعور الذي يعتري المرء وهو يعدو صاعداً الجبل، بدلاً من تسلقه، هو الشعور بالحرية: “حين أصعد جبلاً وأنا مسافرٌ بأحمال خفيفة وأتحرك بسرعة، ينتابني شعورٌ مختلف، يشبه الطيران، كأنني نسر”.
السر وراء انتشار الفكرة
في حين تشغل المغامرة دائماً الروح الإنسانية، يعزو دايجريك هذا إلى تفشي شبكات التواصل الاجتماعي، التي نشرت الفكرة وألهبت خيال الناس، ويقول: “يرى الناس صورة أصدقائهم ثم يقولون: “يا إلهي! أريد أن أفعل هذا”.
يترفَّع بعض من في عالم الألترا ماراثون عن تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، قائلين إنها تعطي سبباً للناس للبحث عن المجد، بتسمية أنفسهم لاعبي ألتراماراثون، ونتيجة لهذا، خسرت رياضة الألتراماراثون ميزتها.
يقول مارك كوكباين مدير السباق: “ظهرت العديد من السباقات للاستفادة من رغبة الناس في أن يكونوا لاعبي ألتراماراثون، وسهل المنظمون للعدائين تحقيق هذه الحالة باستخدام أمور مثل: “كل من دخل السباق رابح”، وإنهاء السباق ممسكين بأيدي البعض. في مرة شعر كل العدائين بالخطر”.
ويتفق بول ألبيان، الذي نظم سباقات Big Bear ultra events في منطقة ميدلاندز في إنكلترا مع الرأي القائل إن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً، لكنه يرى الموضوع ككل بشكل إيجابي. ويقول: “بالتعرض الأكبر لهذا النوع من المناسبات، يرى الناس أن ليس كل من ينهي السباق رجالاً مكسوين بالفرو يتسلقون مثل ماعز الجبال”، وأضاف: “ننهي السباق عندنا بكل شكل، وحجم، ولون”.
عندهم يتوقف الوقت، والزمن
يشعر دايجريك أن هناك تضخماً طبيعياً خلف ارتفاع أعداد الألتراماراثون. إذ يقول: “قام العديد من الناس بأداء الماراثون، لدرجة أنه لو أخبرك أحد أنه يجري في واحد، ستسأله هل يرتدي زي الباندا، أو شيئاً مشابهاً.
فمجرد الجري في ماراثون لا يعني الكثير”، وتتفق كذلك مديرة سباقات أخرى، وهي ميليسا مرتينز، التي تنظم مناسباتها في ولاية كارولينا الشمالية، إذ تقول: “ترغب الروح البشرية دائماً في المزيد، تتوق دوماً لإحساس الخروج عن السيطرة، والاستمرار رغم الألم”.
غالباً ما يسمع أداراناند عدائي الألتراماراثون يتحدثون عن الألم ومعرفة أقصى حدود أنفسهم. في سباق تجاوز الذات الذي استمر لمدة 24 ساعة، وخاصة أنه في جنوب لندن العام الماضي، وأخبرته مديرة السباق أن مشاهدة اللحظة حين يكتشف شخص القوة للاستمرار بينما كان يظن أنها ضاعت، هو ما يبقيها على تنظيم المسابقات عاماً وراء عام.
ويمكنني أن أقول من منطلق خبرتي إنه حين تُجبَر على البحث في داخلك، حين تواجه الألم والشك، وتتجاوزهما، تكون التجربة من أشد التجارب وطأة في حياتك.
ويقول ليندلي تشامبرز، رئيس رابطة Trail Running، إن التباين المتزايد بين حياتنا الطبيعية المتزنة، والإحساس الذي تشعر به في الألتراماراثون بأنك حي بالكامل، وكسرت حدودك هو مفتاح النمو المتزايد لهذه الرياضة.
بزيادة تعقيد العالم وأتمتته، حتى أصبحت السيارات تقود نفسها، تنمو رغبةٌ في الخروج من منطقتنا الآمنة، لنشعر بالجانب الجامح من أنفسنا. يقول: “كلما أصبحت حياتنا العادية الرتيبة مستقرة أكثر من أي وقت مضى، نمت حاجتنا لشيء أكبر”.
هذه الحاجة هي التي قادته أولاً للصحراء في عمان، وكانت هناك، على خط البداية في اليوم الأخير، حين قابل زوجان ألمانيان في نهاية الستينيات من عمرهما.
بدو مرهقين تماماً بعد خمسة أيام، يدفعون فيها أنفسهم تحت الحرارة الحارقة. حينها سأل غودرون “لماذا نقوم بهذا؟”. “لدينا منزل جميل”. نظر لها زوجها، هانسمارتين، وقال ببساطة: “لأن لدينا منزلاً جميلاً”.
تبلغ 53 عاماً، لكنها تبدو في الثامنة والعشرين تقريباً
في الفيلم الوثائقي الرائع ماراثونات باركلي: السباق الذي يأكل صغاره، قالها أحد المتسابقين في سباق الـ160.93 كيلومتر بوضوح: “معظم الناس يكونون أفضل بوجود المزيد من الألم في حياتهم”.
المرور خلال حاجز الألم، حائط الألم، تجاوز حدودك، كلها كانت جزءاً من أسباب الميل للماراثونات العادية. لكن وفقاً لنيك ميد، عداء الألترا ماراثون، فالشعور الذي تحصل عليه، نشوة العداء الأسطورية، أكبر نسبياً في الألترا ماراثون.
وكتب ميد بعد إنهاء أول ألتراماراثون له: “دفعني السباق إلى الإذعان والرضوخ تقريباً قبل أن اجتازه، وأترك في موجة من النشوة لم أختبرها من قبل.. نشوة روحية”.
في سيرته الذاتية، وصف سكوت جوريك، أسطورة الألتراماراثون، الانصياع لإحساس مشابه إذ قال: “كلما جريت أطول وأبعد، أدركت أنني كنت ألاحق حالة عقلية، مكان تبدو فيه المخاوف الهائلة ذائبة وبعيدة، لحظة يبرز فيها جمال وخلود الكون بقوة”.
أثبت بالفعل أن نشوة الجري تساعد في التخلص من التوتر، وتخفيف الاكتئاب، لكن هل الجري مسافات أبعد يسبب شعوراً أفضل؟
قالت كاترا كوربيت، وهي مدمنة سابقة انضمت للألتراماراثون بعد اعتقالها بسبب تجارة المخدرات، حين قابلها محرر الغارديان في محل ستاربكس في طريق جانبي قريب من منزلها في سان فرانسيسكو: “أنقذ الجري حياتي”.
تبلغ 53 عاماً، لكنها تبدو في الثامنة والعشرين تقريباً، بشعرها الأحمر، والوشوم التي تغطي ذراعيها وقدميها، والثقوب التي تملأ وجهها. جرت 100 كيلومتر في دورة واحدة أكثر من 130 مرة. وتقول: “أحب أن أجري 100 كيلومتر مرة أو اثنين في الشهر”، مع أنها تكون رحلات إلى الشاطئ. وتتابع: “يذهب الناس إلى المصحات أو إلى مكان مشابه، لكن أنا لا، نقاهتي بالخارج على مسار الجري”.
إلا أنه رغم الشعور بالصحة الذي يجلبه، هل يمكن للجري لمسافة 160.93 كيلومتر أو أكثر، خلال الليل، والتضاريس الصعبة أن يكون أمراً جيداً لجسدك؟ في عام 2012، سبب كارل لافي، طبيب القلب المتخصص في علاج العدائين، وجايمس أوكيفي، جدلاً واسعاً، حين نشرا ورقة بحث كشفت أن الجري المعتدل رغم كونه صحياً بالكامل، تبدأ هذه الفوائد الصحية بالتضاؤل وربما الانتكاس لو جريت “بسرعة”.
تلف القلب كان السبب
بدايةً، حددوا المدة بأكثر من ساعتين ونصف الساعة في الأسبوع، وبعد أبحاث أكثر، رفع لافي المدة إلى خمس ساعات في الأسبوع. وبالطبع يمارس عدائو الألتراماراثون أكثر من هذا، وغالباً في اليوم الواحد.
كان اهتمام لافي وأوكيفي الأساسي هو تلف القلب، وتصلب الأنسجة المحيطة به نتيجة الجهد المبالغ فيه. في حديث على منصة تيد متعلق بالموضوع نفسه، قال أوكيفي إن رغم كون التمارين واحدة من أفضل العلاجات للصحة الكلية، “لكنها مثل أي مخدر، لها نطاق للجرعة المثالية، لو لم تأخذ كفاية، لا تحصل على الفوائد. ولو أخذت زيادة عن اللازم، قد يكون الأمر ضاراً، وربما قاتلاً”.
مارك هاينز هو مغامر محترف، وكاتب، وطبيب فسيولوجي متخصص في التمارين الرياضية. ويشارك مخاوفه الصحية المتعلقة بالألتراماراثون، إذ يقول: “أكبر مشكلة هي التشوه الدائم لأنسجة القلب”. ويتابع: “أي شخص في منتصف العمر يجري ماراثون أو أكثر معرض لتطوير بعض المراحل من التشوه/ الندوب، ولا علاج لها”.
اتُّهم لافي، وأوكيفي بإقناع الناس على التوقف عن الجري، والآن هما مهتمان بإثبات أن التمارين القليلة خير من عدمها.
ويؤكد أندرو موراي، استشاري طبي في الرياضة والتمارين في جامعة إيدنبرج، والذي جرى في مرة 4 ألاف و300 كيلو متر خلال أكثر من 78 يوم من قرية جون أو جروتس، إلى الصحراء الكبرى على النقطة نفسها، إذ يقول: “يوجد حد أقصى للجرى تبدأ بعده في الدخول إلى دائرة الإضرار بالصحة”.
مشكلة دراسة أوكيفي المرتبطة بالألترا ماراثون هي أنه يخلط بين كثافة ومدة التمرين وتعريف كلمة “متطرف”. قد يبدو الألترا ماراثون من السطح متطرفاً، لكن في الممارسة عادة يجرى بكثافة منخفضة، ويشكل الجري جزءاً كبيراً من معظم سباقات الألترا بالنسبة للمنافسين.
والواقع أن هاينز بدأ سباقات جري أطول منذ علم بخطر إصابة القلب بالندوب، لأنها حسب قوله أكثر أماناً بسبب انخفاض كثافة المجهود.
عام 2014، أجرى مارتين هوفر، أستاذ العلاج الطبيعي، وإعادة التأهيل دراسة أكثر تخصصاً عن المشكلات الصحي المرتبطة بأكثر من 1200 عداء في الألترا ماراثون.
واستنتج أنهم كانوا أكثر صحة من الذي لا يمارسون الألترا ماراثون، مع انخفاض معدلات الإصابة بكل المشكلات الصحية الخطيرة، وأنهم يحصلون على إجازة مرضية أقل في العمل.
يقول: “في الوقت الحالي، لا يوجد دليل قوي يثبت وجود عواقب سلبية صحية طويلة المدى من ممارسة الجري في ألترا ماراثون”.
لكن هل يقوم عدائين الألترا ماراثون بهذه الرياضة ليكونوا أصحاء؟ لم يضع أي شخص حاورته هذا كسبب. وختم هوفمان بحثه بسؤال طرحه على ألف و394 عداء ألترا ماراثون آخرين هو: “لو أيقنت بأن الألترا ماراثون ضارة لصحتك، هل تقلع عنها؟”، وأجاب 74 بالمئة من العدائين بـ لا”.