“نفسي أفشّ غِلِّي”، عبارة يرددها المصريون باستمرار، حينما يصل الشخص لقمة غضبه ولا يجد متنفَّساً لتصريف هذا الغضب.
من أجل تنفيس الغضب، أسس الأخوان أحمد ومازن نصرت مكاناً أطلقا عليه Unleashed في منطقة التجمع الخامس بضاحية القاهرة الجديدة، وهي كلمة إنكليزية تعني “التحرر” أو “إطلاق العنان للنفس”.
وصُمِّم المكان خصيصاً؛ ليُخرج الناس ضيقهم وكبتهم عن طريق تحطيم بعض الأجهزة والأشياء.
وحول فكرة المشروع، قال أحمد نصرت لـ”عربي بوست” إنهم فكروا في استثمار تقبُّل المصريين الأفكار الترفيهية في الفترة الأخيرة، وتقديم أسلوب جديد يساعد المواطنين على التنفيس عن غضبهم بدلاً من الاصطدام بالآخرين.
ليس التكسير وسيلةً لتخفيف الضغط النفسي وحسب، ولكنه أيضاً متعة للإنسان، كما يعتقد نصرت.
قائمة الأسعار
وتتوافر أمام زائر Unleashed أربعة عروض، يبدأ الأول بـ150 جنيهاً وفيه يحطم 6 أجهزة، و200 جنيه لو أراد تحطيم 8. أما الـ14 منتجاً، فـهو بـ300 جنيه، والحد الأقصى هو 400 جنيه لتحطيم 16 جهازاً ما بين أجهزة فخارية وكراسيّ خشبية وأجهزة كومبيوتر وتلفاز وزجاجات.
ويحظى الزبون بفيديو مصور يوثق ما قام به، وقال المتحدث إن الزبائن يطلبون الفيديو بشكل كبير.
وقبل التوجه لغرفة تحطيم الأدوات، يرتدي الزبون إجبارياً بدلة مخصصة لحمايته من أي أذى وجوارب تمتص الصدمات، وخوذة؛ حرصاً على سلامة العين من قِطع الزجاج، ويكون مراقَباً بالكاميرات، ليبدأ بالتحطيم بالأداة التي يحلو له استخدامها، مثل مطرقة عملاقة ومضرب بيسبول أو حديد وأشياء أخرى.
ويرى نصرت أن الشباب ملّوا من الجلوس بالمقاهي كوسيلة للترفيه، فأصبحوا في حاجة لأماكن يمارسون فيها أنشطتهم، وخوض تجارب جديدة، لذلك فكَّر في تجربة “أن ليشيد” وسيحاول البحث عن أفكار ترفيهية أخرى.
نتيجة مفاجئة
شهر فقط مرَّ على افتتاح Unleashed ومع ذلك شهد إقبالاً كبيراً، حسب مؤسس المشروع، مشيراً إلى أن ما يحصل عليه من انطباعات من رواد المكان عقب التجربة فاق توقعاته، فمن خاض التجربة شعر براحة نفسية كبيرة، على حد قوله.
الدعوة التي وجهها أحمد نصرت، عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أثناء انطلاق المشروع، كان يظن أنه سيجد صداها بالأساس بين الشباب من الفئة العمرية من 17 إلى 25 عاماً، ولكن كانت توقعاته مخطئة؛ فأغلب زواره -كما يقول- أكبر من 25 حتى سن 35 عاماً؛ بل إن آباء اصطحبوا أبناءهم من فئة الشباب وشاركوا في التجربة.
الفتيات أيضاً كانت لهن مشاركة ملحوظة، وأشار نصرت إلى أن آباء الأطفال الذين يُحضرون أبناءهم إلى حضانة بجواره يأتون بشكل مستمر لتحطيم الأشياء والتنفيس عن غضبهم.
ويؤكد صاحب المشروع أن وسائل الأمان لديه جيدة، فالبدلة تؤمّن الصدر والظهر وحتى المرفق، والقفازات اختارها عبر خبراء ومتخصصين وكذلك الخوذات، وأنه كان حريصاً؛ على ذلك لأن كثيراً من الزبناء يتخوفون من أن يطولهم أذىً من التجربة.
هل يحث على العنف؟
السؤال الذي يلاحق نصرت وأخاه هو: “هل يحثّ المشروع على العنف؟”، ويردّ عليه مؤسس المكان بالنفي.
ويؤكد أنه أجرى دراسة على الأمر قبل بداية المشروع ولم يجده يشجع على العنف، ضارباً المثل بالفنون القتالية التي تهدف إلى الدفاع عن النفس من خلال ضرب شخص آخر، الأمر نفسه يراه في Unleashed، ولكن بصورة مختلفة بتحطيم الأجهزة في مقابل الراحة النفسية وفي الوقت ذاته هو نوع من الترفيه.
واتفق معه الدكتور جمال فيروز، استشاري الطب النفسي، الذي أكد أن تحطيم الأشياء نوع من الترويح عن النفس مثل “الزار” (طقوس حضرة شعبية مصرية) الذي يحاول الناس من خلاله إخراج الكبت والطاقة السلبية وإحلال الإيجابية مكانها بـ”اللطم” والصراخ.
نوع من العلاج
الصراخ والتكسير كلها عوامل للتنفيس عن النفس، يقول فيروز لـ”عربي بوست”، موضحاً أن فكرة تحطيم الأشياء انتشرت في إنكلترا وفرنسا وأميركا وهي نوع من العلاج.
وأوضح أنه خلال زيارته لإنجلترا وجد مكاناً يعالج الأطفال المصابين بـ”فرط الحركة” بالتحطيم؛ إذ يحضرهم آباؤهم يومياً إلى المكان؛ ليحطموا أجهزة تلفاز وثلاجات كل يوم ويتكفلون بهذه الخسائر، وبعد قرابة الستة أشهر يزهد الطفل في هذه الأشياء ويملّ بعدما يراها معتادة ومتكررة، فيتوقف عن التحطيم في حياته.
أما الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ الطب النفسي، فرأى أن “المصريين لديهم مشكلة في كيفية إدارة الغضب، فلا يعلمون كيف يخرجونه، لذلك حينما تتاح أمامهم فرصة، كالتحطيم، سيقبلون عليها كنوع من التنفيس”.
وقال لـ”عربي بوست” إن التحطيم هو تنفيس مؤقت لا يحل الضغوط التي تكون نتيجة تراكمات، وحينما تعود الضغوط يلجأ الشخص مرة أخرى إلى التحطيم وهكذا، طالما لم تُعالج أسباب ذلك.
واستبعد أستاذ الطب النفسي أن يكون هذا السلوك مدعاةً للعنف أو يشجع عليه، فهو نوع من التنفيس، أما العنف له أسباب أخرى كثيرة مختلفة.
سر إقبال الشباب
وعن سر إقبال الشباب من سن 25 إلى 35 عاماً أكثر من غيرهم على هذا النشاط، يقول عبد الله: “لأنهم من يقدرون على دفع نفقاته، أما الأصغر من ذلك فمن الصعب أن يقنع والديه بأن يعطياه أموالاً من أجل تحطيم الأشياء”، مفسرا إقبال الآباء على هذا النشاط بأنهم الأكثر تعرضاً للضغوط.