بفرح كبير سألهم “فهد” الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر، إن كان بإمكانه الخروج مساء دون أن يخاف من الظلام، وأن يشتري ما يحتاج من دكان قريب؟ كان الطريق إليه في المساء بمثابة الكابوس.
“فهد” لم تصدق عيناه الصغيرتان، رؤية شباب وشابات توافدوا إلى حيه في منطقة جرمانا (ريف دمشق)، وهم يحملون وسائل إضاءة تعتمد على الشحن لإنارة هذا الحي الذي غرق في الظلام كبقية أحياء دمشق خلال فترة “تقنين الكهرباء”.
مبادرة ضوء
هؤلاء الشباب هم أعضاء من فريق “كنا وسنبقى” التطوعي، الذي أطلق مؤخراً مبادرة حملت اسم “ضوء”، وهي تهدف -كما يوحي اسمها- إلى نشر النور في الأحياء المظلمة خلال فترات تقنين الكهرباء، عن طريق تزويد بعض البيوت ببطاريات قابلة للشحن وأضواء من “الليد”.
سائد عبد الغني، مؤسس الفريق، قال لـ”عربي بوست”، إن هذه الفكرة راودتهم في الماضي، ولكنهم مؤخراً حصلوا على تمويل من قبل عدد من تجار سوق الكهرباء الذين قدموا كمية كبيرة من البطاريات وأشرطة “الليد”، وهنا بدأ الفريق بدراسة المبادرة الأنسب، وفكروا في البداية بجعلها مخصصة للبيوت.
تبين للفريق المتطوع، بعد قليل من البحث، أن غالبية البيوت مزودة بمثل هذه الأنواع من الإضاءة بعد ست سنوات من استمرار انقطاع التيار الكهربائي، لهذا رأوا أنه من الأفضل العمل على إضاءة الشوارع في الأحياء.
توجَّه أعضاء الفريق إلى أحياء جرمانا وصحنايا الشعبية، حيث يتكدس هناك آلاف النازحين، إضافة إلى سكان المنطقة الأصليين، جميعهم يغرقون في الظلام بمجرد غروب الشمس، ويعتمدون في تنقلاتهم على استخدام ضوء الموبايل أو وسائل الإنارة الأخرى المحمولة، التي لم تجنبهم في كثير من الأحيان التعرض للسقوط أو الارتطام بحائط ما، وأحياناً التعرض للتحرش.
تخوفات
يوضح عبد الغني في حديثه لـ”عربي بوست”، أن يومهم الأول لم يكن سهلاً حيث واجهوا القليل من المشاكل الأمنية والشكوك من قبل بعض سكان الحي، إذ امتنع بعضهم عن فتح أبواب منازلهم، لجهله بطبيعة المبادرة أو الغاية منها.
تغيَّر الوضع مع مضي القليل من الوقت وانتشار الخبر في المنطقة، فبدأ الناس بعد ذلك يتفاعلون مع أعضاء الفريق ويقدمون لهم المساعدة، وفتح الجميع بيوتهم أمام أعضاء الفريق، وشارك الكثير منهم في تمديد الإضاءة أو تبرعوا بتمديدها إلى الخارج على نفقتهم الخاصة.
ولا يُخفي عبد الغني الصعوبات الأخرى التي واجهتهم، والتي تمثلت في مسألة المواصلات والتنقلات، فحمل خمسين بطارية إلى أحياء عشوائية هو أمر صعب، وكذلك الأمر عند المرور على الحواجز الأمنية، ولكن امتلاكهم لتصاريح مهمات رسمية وفواتير شراء نظامية يسَّر الأمر.
تجارب فردية
تجربة الفريق دفعت بعض الأشخاص لتكرار التجربة وإن كان بشكل فردي، وبدأت تظهر في كثير من المناطق أبنية تضع أضواء من “الليد” على جدرانها الخارجية، وهي وإن لم تتمكن من إنارة كامل الشارع ولكنها بالنسبة لأصحابها تمثل مبادرة قد تشجع الباقين على تقليدهم.
وقالت أسماء الزعبي -ربة منزل- إن الشارع القريب من منزلها يغرق في الظلام بمجرد انقطاع التيار الكهربائي، وكثيراً ما تعرض أشخاص مسنون وأطفال للسقوط أرضاً، لهذا قرَّرت أن تُمدد الإنارة الداخلية في المنزل إلى الخارج ووضعت شريطاً من أضواء “الليد”.
وأوضحت السيدة لـ”عربي بوست” أن تجربتها دفعت بعض الجيران في الحي لوضع أنوار في الخارج أيضاً، وإن لم تسهم في إضاءة كامل الحي، لكنها قلَّلت من حدة الظلام.
وتقول سميرة الزين -موظفة- إنها أُعجبت بهذه المبادرات، ولكنها لم تتمكن من تنفيذها لأنها تقيم في طابق مرتفع، لهذا تعاونت مع جارة لها تقيم في طابق سفلي، وقامتا بتمديد الإضاءة للخارج.