ازداد التوتر في العلاقات المصرية-السودانية في الأسابيع الأخيرة، حيث استدعى السودان سفيره في القاهرة؛ للتشاور، وتصاعدت حدة السجال الإعلامي بين البلدين بخصوص ملفات مياه النيل وسد النهضة ومنطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليها بين البلدين.
وخلال الشهر الماضي، خصَّص السودان جزيرة سواكن، الواقعة في البحر الأحمر، شرق السودان، لتركيا؛ كي تتولى إعادة تأهيلها وإدارتها فترةً زمنيةً لم يحددها. وقام السودان بتعزيز قواته العسكرية على حدوده الشرقية مع إريتريا إثر ما قال إنه “تهديد من قوات مصرية وإريترية هناك”، لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال يوم الإثنين 15 يناير الحالي أن مصر لن تحارب أشقائها
ومنع السودان منتصف عام 2017، استيراد المنتجات الزراعية والحيوانية المصرية، وكانت أنباء تحدثت عن وجود قوات عسكرية مصرية بقاعدة ساوا العسكرية في إريتريا قرب الحدود السودانية، وكان الرئيس السوداني، عمر البشير، قد وجه اتهاماً رسمياً للحكومة المصرية بدعم الحركات المسلحة السودانية المتمردة، حين شدد على أن “قوات الجيش والدعم السريع غنمت مدرعات ومركبات مصرية استخدمها متمردو دارفور في هجومهم على الولايتين”، مؤكداً أن القوات المهاجِمة انطلقت من دولة جنوب السودان ومن ليبيا على متن مدرعات مصرية، وهو ما نفته الحكومة المصرية في بيان رسمي.
بدأت الحروب بين مصر والسودان في عصور قديمة، ففي عهود الدولة الوسطى والحديثة بمصر الفرعونية ضم أحمس جزء من السودان لمصر ووصل بعدها تحتمس الثالث الفرعوني حتى الشلال الرابع شمال الخرطوم الحالية.
وفيما يلي، تاريخ الحروب الحديثة التي دارت بين مصر والسودان:
حملة محمد علي باشا (1820-1824)
قام والي مصر العثماني، محمد علي باشا، بحملة للجنوب لضم السودان إلى مصر، ولقتال خصومه المماليك الذين فرُّوا إلى السودان، ولتوسيع نفوذه الإقليمي، وتعزيز أعداد جيشه بالجنود السودانيين، واعتقد محمد علي أن بالسودان الكثير من الذهب وثروات.
واللافت أن حملة والي مصر كانت مكونة من جنود أتراك وألبان ومغاربة، ولم يشارك فيها جنود مصريون رغم مشاركة قبائل بدوية بجنوب مصر.
ووصلت الحملة إلى النوبة (جنوب مصر) بقيادة إسماعيل باشا ابن محمد علي 1820، وانتصر بعد هزيمة مملكة الشايقية النوبية واستكمل الغزو باتجاه الجنوب، وزحف على مملكة الفونج (سلطنة سنار) السودانية وسيطر على أراضيها.
وبعدها، أرسل محمد علي جيشاً آخر بقيادة محمد الدفتردار للاستيلاء على سلطنة دارفور وغزا كردفان، وسيطر عليها رغم تفوق جنود السلطنة العددي، لكن القوة النارية للقوات الغازية كانت أكبر بوجود المدافع والبنادق النارية.
وأصيب الجنود بالأمراض الُمعدية ومات عدد كبير منهم بها، فأرسل محمد علي باشا ابنه الثاني ابراهيم باشا محمَّلاً بالمؤن والأدوية والأطباء واستطاع الأخوان السيطرة على الأراضي الواقعة عند النيلين الأزرق والأبيض بالسودان.
وأكمل إسماعيل باشا طريقه للسيطرة على بربر وشندي، لكن ملكها “النمر” ثار عليه بعد مبايعته وقُتل إسماعيل باشا هو ونفر من حاشيته 1822. وقام “الدفتردار” بمهاجمة “شندي” مرة أخرى وانتقم لمقتل ابن محمد علي بقتل أعداد من الناس، لكنه لم يقبض على الملك “النمر” أيضاً.
وأوكل حكم السودان إلى “حكمدار عام السودان” في الخرطوم الذي يعينه والي مصر، وجُند لاحقاً بعض الجنود السودانيين في الجيش المصري، واستمرت تبعية حكم السودان لمصر حتى بعد معاهدة لندن 1841 التي تقلَّص فيها نفوذ محمد علي باشا حتى انفصال السودان عن القطر المصري في عام 1954 بعد نيل الاستقلال من بريطانيا.
ثورة المهدي وحرب الجنود المصريين والسودانيين والإنكليز (1881-1898)
بسبب الضرائب الباهظة على التجار والمزارعين والأزمات الاقتصادية منذ عهد الحكم العثماني-المصري وحتى الإنكليزي-المصري، استجاب كثير من السودانيين لثورة بزعامة محمد أحمد المهدي عام 1881.
حاول الحكمدار رؤوف باشا القبض على “المهدي” في جزيرة أبا، وأرسل باخرة عسكرية انقضَّ على جنودها أتباعُ “المهدي”، الذي انتقل بها لجبال النوبة في جنوب كردفان.
وأرسلت الإدارة المصرية حملة للتنكيل بأعوان “المهدي” الذين ثاروا معه وألقت القبض على بعضهم، وحاول محمد سعيد باشا، مدير كردفان، مطاردة “المهدي” لكنه لم ينجح، وحاول من بعده راشد بك وغيره من رجال الخديوي المصري والإدارة المصرية في السودان، لكنهم لم ينجحوا أيضاً.
بعدها، وقعت مصر تحت الاحتلال الإنكليزي 1882، وأرسلت الحكومة المصرية وهي تحت الاحتلال حملة “هكس” من بقايا جيش عرابي الذي هُزم في التل الكبير أمام القوات الإنكليزية، وهُزمت الحملة بسبب جهلها بالطرق وشكوك جنودها في نوايا الحكومة المصرية والاحتلال الإنكليزي.
وانتصر “المهدي” أخيراً، ونجح في دخول الخرطوم وقتل الجنرال البريطاني تشارل غوردون الحاكم العام للسودان، ونقل العاصمة السودانية إلى أم درمان، لتنتهي بذلك السيطرة المصرية على السودان مؤقتاً، قبل أن تعود قوات عسكرية مصرية-إنكليزية مشتركة لاحتلال السودان وتهزم التعايشي خليفة “المهدي” في أم درمان، وتسقط بيدهم الخرطوم وتنتهي الدولة المهدية في السودان ببداية القرن العشرين.
وقد اعتمدت الإدارة الاستعمارية البريطانية رسمياً اسم السودان المصري الإنكليزي في اتفاقية الحكم الثنائي في عام 1899 والتي وقَّعها اللورد كرومر ممثِّلاً لبريطانيا العظمى وبطرس غالي وزير خارجية مصر آنذاك. وكان الملك فاروق، ملك مصر السابق، يلقب بملك مصر والسودان.
مصر والسودان في الجبهة نفسها!
خلال الحرب الأهلية السودانية الأولى بين الجزء الشمالي من السودان والجنوبي منه بين أعوام 1955 و1972، كانت القوت المصرية والسودانية تحارب في الجبهة نفسها ضد حركة تحرير جنوب السودان، وكانت الإدارة المصرية-البريطانية المشتركة حتى الاستقلال السوداني تتكون من قوات سودانية ومصرية..
وشاركت قوات سودانية إلى جانب الجيش المصري في عدة حروب، بدءاً من حروب جيش محمد علي في عامي 1854 و1856، بجزيرة القرم إلى جانب الدولة العثمانية.
وفي 7 يونيو/حزيران 1967، أرسلت القوات المسلحة السودانية كتيبة مشاة بالقطار لدعم القوات المصرية في منطق قناة السويس ضد القوات الإسرائيلية التي قامت بغزو سيناء، وشاركت القوات السودانية في معارك جزئية بمنطقة لقناة في عامي 67 و68.
وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973م، شارك لواء مشاة سوداني رسمياً إلى جانب القوات المصرية كقوة مشتركة ضمن غرفة العمليات المصرية-السورية المشتركة، وتواجدت القوة السودانية قبل اندلاع الحرب وشاركت في حرب الاستنزاف، حسب موقع وزارة الدفاع السودانية.
وعقب التدخل العسكري باليمن ونشأة “التحالف العربي”، شاركت في عملية “عاصفة الحزم” طائرات مقاتلة مصرية وسودانية معاً، وأرسل السودان دفعتين من الجنود السودانيين إلى عدن (جنوب اليمن)، بينما استهدفت سفن حربية -يرجح كونها مصرية- مواقع للحوثيين عند محاولتهم التقدم نحو مدينة عدن.