كلنا نستحق صحافة إخبارية أفضل. ولكن، كيف يمكن الحصول علي هذه الصحافة، في وقت يرى فيه الكثيرون أن الصحافة تغيرت للأسوأ بالسنوات الـ20 الماضية من دون أن يلاحظ أحدٌ ذلك.
فأشياء مثل الدقة والحياد والسياق والعمق، صارت مثل الفضيلة الغائبة غالباً عن المشهد الصحفي، وصارت مهددة في المستقبل، كما يقول روب أورشارد المؤسس المشارك ومدير التحرير لشركة “الصحافة البطيئة”.
ثورة صحفية “بطيئة”
هناك أولاً مشكلة السرعة، فالصحفيون لم يعودوا مصدر الأخبار الوحيد، فهناك الشبكات الاجتماعية والناشطون والبث المباشر للمتطوعين وغيرها، ما جعل التنافس في السرعة أو السبق الصحفي يزداد صعوبة.
وهناك أشياء مهنية تتطلب بعض الوقت لإنجازها. وقد صارت الصحف تجد صعوبة في هذه المنافسة على السرعة في تقديم الخبر، والمقصود هنا أخذ بعض الوقت للحديث إلى مصادر متعددة؛ لتأكيد المعلومات وتوثيقها قبل نشرها أو بثها، وتناول الموضوعات بصورة أوسع وأكثر شمولاً، وتقصّي الحقائق، والحصول على تعليقات واقتباسات مناسبة.. هذه المهام المهنية لم تعد مطروحة كثيراً في الأخبار التي تتدفق بسرعة كبيرة على الإنترنت، ما يجعل الصحف خارج سباقات السرعة الإخبارية.
ومن المحزن أن انخفاض حظوظ صناعة الأخبار لدى الصحف الورقية والآليات التي تحكم التوزيع الإخباري عبر الإنترنت- يشير إلى أنه من غير المرجح أن تتحسن الأمور في أي وقت قريب، كما يقول أورشارد، ويضيف: “بالطبع، لم يتوقف الناس عن قراءة الأخبار، لكنهم توقفوا عن دفع ثمنها. فالخدمات الإخبارية المجانية على الإنترنت تحظى بشعبية كبيرة، وأصبح الناشرون يركزون أكثر على المواد الإلكترونية”.
صحيح أن هذا يحقق عائداً للمواقع عبر الإعلانات التي يتم بثها على المواقع التي يقبل الناس عليها، لكن الناس يستخدمون جوجل للبحث عن المصادر، وينقرون غالباً على واحدة من أول 3 نتائج فقط. وبالطبع، جوجل لا تهتم بما أنفقته الصحف من وقت ومال وجهد في البحث عن القصة الصحفية وتقصِّي حقائقها وأبعادها، فهو مجرد محرك بحث، وهذا الوضع انعكس بشدة على ميزانية الصحافة.
فعلى سبيل المثال، انخفض عدد الصحفيين في غرف الأخبار الأميركية، بنسبة 31٪ خلال 10 سنوات بين عامي 2002 و2012؛ لأن الصحف تفتقد المال وتضطر أمام تراجع التوزيع إلى تقليص الميزانيات، وفي بريطانيا، مثلاً، فقدت صحيفة “الغارديان” 30.9 مليون جنيه إسترليني في عام 2013، بمتوسط 122.134 جنيهاً لكل يوم عمل واحد، كما يقول أورشارد.
“هرولة ” الأخبار على الشاشات
لا يتم غالباً تغطية الأخبار، بعدالة أو بعمق، على مواقع الأخبار الإلكترونية أو على شاشات التلفاز، ويضرب أورشارد مثالاً بخبر عن حادث وقع في منجم فحم بتركيا في مايو/أيار من عام 2014، وتداولته جميع وسائل الإعلام بسرعة، “ثم انتقلت مباشرة لجدول الأعمال، فتمر أخبار الحملة على داعش.. والأزمة الأوكرانية.. وأزمات الاقتصاد في فنزويلا.. وساعتها، نسينا القصة الأولى، ولم نستقصِ ما حدث مع عمال المنجم المذكور في الخبر السابق. لم يجد أحد الصحفيين الوقت الكافي لتتبُّع القصة والتحقيق فيها”.
وفي عصر يتم إنتاج الأخبار بسرعة فائقة، مع رد فعل فوري، وميزانيات محدودة، يتساءل أورشارد: من الذي سيدعم هذا النوع من التحقيق الاستقصائي في المستقبل؟ وأي صحفي ذلك الذي يملك الوقت والفضاء للعمل على قصة معقدة جداً وصعبة جداً فترة طويلة؟ وإذا لم نحصل على قصص من هذا القبيل بعد الآن، فما هو مستقبل الصحافة الإخبارية؟
هل يكون الروبوت حلاً؟!
ستبدأ وكالة “أسوشييتد برس” في استخدام برنامج يسمى “ووردزميث” لإنتاج 4000 تقرير مالي ربع سنوي تلقائياً. وهكذا سيجد الصحفيون وقتاً للتحرر من مهمة الإبلاغ والمراسلة المرهقة، وسيكون لديهم الوقت والظروف المناسبة للذهاب لإيجاد قصص حقيقية وعمل تحقيقات واستقصاءات جادة، هذا ما يسميه روب أورشارد الصحافة البطيئة.
ستهبط جودة بعض المواد، لكن الناس ربما لن تلاحظ ذلك؛ لأن هناك صحافة جديدة ستضع الصحفيين في قلب القصة أكثر وتساعدهم على إنتاج ومتابعة مواد أفضل، بدلاً من الاعتماد على “الركلة المباشرة” وملء الفراغات والبيانات المعتادة.
سيقضي الصحفيون وقتاً أطول مع المجتمع، وسيتعرفون على قصص الناس، يشرح أورشارد. “فعندما يكون الخبر متعلقاً بحادث المناجم المشار إليه سابقاً مثلاً، يمكن للروبوت أن يعدَّ المادة الأولى في وقت قياسي، ويقوم الصحفي بمتابعة القصة عبر زيارة العمال الناجين وأُسرهم، وأخذ وقت لمتابعة الملف من زواياه المختلفة، يمكن للصحفي أن يزور العمال، ويراجع سجلات السلطات الرسمية، ويتابع آراء السياسيين والمعلّقين وآثار الحادث اقتصادياً.. وهكذا، بدلاً من التركيز على سرعة نقل الخبر، وهي المهمة التي يمكن أن يقوم بها الروبوت الصحفي، سيركز الصحفي على العمق والخلفيات التي وراء الخبر”.
يساور أصحابَ الصحف قلقٌ متزايدٌ إزاء تأثير المواقع الإلكترونية -مثل فيسبوك وجوجل وآبل وأمازون- على أعمالهم، ولكنهم يرون مقاومة داخلية للتغيير وعدم القدرة على الابتكار. وكثير منهم يبحث عن فرص في المساعدين صوتياً وبودكاست، وسوف يضطر الناشرون أو أصحاب الصحف إلى استغلال الذكاء الاصطناعي لخلق خدمات أكثر تخصصاً.
ومعظم الناشرين يسعون إلى زيادة تنوع مصادر الدخل، مع التركيز بشكل خاص على الاشتراك والعضوية، وغير ذلك من أشكال دفع القارئ. وقد تم استخلاص هذه النتيجة من دراسة استقصائية جديدة شملت نحو 200 من كبار المديرين التنفيذيين والمحررين بالصحف، كما في المواقع الإلكترونية من 29 بلداً مختلفاً، وهي جزء من تقرير التنبؤات السنوية لمعهد “رويترز“، الذي تم الإعلان عنه في الثاني من فبراير/شباط 2018.
ما جديد استطلاع “رويترز”؟
ما يقرب من نصف المشاركين في استطلاع “رويترز” (44٪)، يقولون إنهم أكثر قلقاً بشأن تنامي قوة وتأثير المنصات الإلكترونية حالياً بصورة أكبر مما كان عليه الوضع بالماضي. يبدو أن الشعور تجاه فيسبوك، على وجه الخصوص، قد ازداد سوءاً؛ ربما بسبب الصورة الذهنية عن دوره في الترويج للأخبار المزيفة، وذلك على الرغم من الانخفاض المفاجئ في الإحالة إلى فيسبوك بالعديد من المواقع الإخبارية منذ الصيف الماضي.
يعرب العديد من الناشرين عن قلقهم من أن فسيبوك يخطط لتقليل المحتوى الإخباري مرة أخرى في عام 2018. بينما كان للناشرين رؤية أكثر إيجابية في تقييمهم لجوجل وتويتر عما كان عليه في سناب شات أو فيسبوك.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الناشرين يلومون أنفسهم أيضاً بسبب الصعوبات المستمرة، حيث يرى كثير منهم أن أكبر العوائق التي تحول دون نجاح الصحف ليست المنصات التكنولوجية؛ بل يرجع الأمر إلى عوامل داخلية، مثل مقاومة التغيير، وعدم القدرة على الابتكار. وإذا أخذت هاتان الفئتان معاً (36٪)، فإنهما يفوقان القلق بشأن المنابر البديلة باعتبارها أكبر تحدٍّ (21٪).
ما يقرب من نصف المستطلعة آراؤهم (46٪)، يقولون إنهم غير مرتاحين لمستوى التنوع في غرف الأخبار الخاصة بهم، مما يكرر المخاوف الأخيرة لدى المحررين في “الغارديان” و”نيويورك تايمز” على سبيل المثال .
من الإعلانات المدفوعة إلى الاشتراكات.. تغيُّر في نموذج “البزنس” للصحافة
ويُظهر مسح القادة الرقميين رؤية واضحة، ولكن ليست عالمية، بأن الإعلان سيصبح أقل أهمية في التمويل مع مرور الوقت (62٪)، بينما يقول واحد من كل عشرة (10٪) إنهم يخططون لنشاط في المستقبل مع إعلانات عرضية قليلة أو معدومة. ويقول المدير التنفيذي لشركة نيويورك تايمز، مارك تومبسون، أحد المساهمين في مسح معهد “رويترز“، إن الانخفاض السريع المستمر في إيرادات الإعلانات المطبوعة والإعلانات الرقمية سيؤدي إلى “ضائقة اقتصادية متزايدة هذا العام”.
التقرير الذي أعده نيك نيومان، وهو صحفي وخبير استراتيجي رقمي، يُلقي الضوء أيضاً على تحولات مهمة في خطط المؤسسات الإخبارية لكسب المال في عالم رقمي. وتسعى غالبية الناشرين الذين يعملون بالنشر المطبوع والرقمي إلى تحقيق مصادر دخل متعددة، حيث يُنظر إلى 6 خيارات مختلفة في المتوسط على أنها مهمة جداً أو بالغة الأهمية. وفي عام 2018، يرى ما يقرب من نصف الناشرين التجاريين (44٪) اشتراكات الإنترنت كمصدر مهم جداً للإيرادات الرقمية في 2018، أكثر من الإعلان على الشبكة الإعلانية الرقمية (38٪) والمحتوى المرموق والرعاية (39٪).
واعتبرت العضوية، التي يتم تعريفها برسوم منتظمة يدفعها المستخدمون المخلصون للحفاظ على الموقع مجاناً للجميع، مهمةً جداً بنسبة 16٪، والتبرعات لمرة واحدة بنسبة 7٪ من المشاركين.
مخاطر نظام المعلومات ذي المستويَين (العامة مجاني، والخاصة مدفوع)
ويشير التقرير إلى أن أي تحرك جوهري نحو دفع القارئ يمكن أن يزيد ما يسمى فجوة المعلومات. إذا اختفى محتوى أكثر جودة من وراء جدار الحماية، فهناك خطر يتمثل في اتساع الفجوة الحالية بين النخب وبقية السكان؛ مما قد يؤدي إلى وضعٍ، يكون فيه أولئك الذين لا يستطيعون الدفع (للخدمات المدفوعة) خاضعين لصحافة أقل جودة، ولأكبر قدر من المعلومات المضللة.
تزايد أهمية البيانات
وقد يكون هذا العام هو الذي ستعترف فيه الشركات الإعلامية بكيفية توافر البيانات المهمة لنجاحها في المستقبل. ففي استطلاع “رويترز“، قال ما يقرب من ثلثي الناشرين (62٪)، إن تحسين قدرة البيانات كان أهم مبادرة للعام المقبل. وكان أكثر من نصف الناشرين (58٪) يعتبرون تسجيل المستخدمين أمراً بالغ الأهمية، بينما قال ربع آخر (26٪) إن هذا الأمر مهم جداً.
ويعد نقل الجماهير من “المجهول إلى المعروف” أمراً بالغ الأهمية للناشرين، الذين يتطلعون إلى إنشاء علاقة أعمق مع الجماهير وتقديم خدمات أكثر تخصصاً وملاءمة.
ويخطط ما يقرب من ثلاثة أرباع الناشرين (72٪) للتجربة بالعمل مع الذكاء الاصطناعي؛ (أي) لدعم أفضل محتوى بالآلة لزيادة كفاءة الإنتاج.
لكن تقرير العام الماضي (2017) من “رويترز”، أشار إلى أن صحافة الروبوت ستواجه صعوبات في العمل من دون العنصر البشري، وهذا خبر مُفرح للصحفيين ومُطمئن لوظائفهم!
پبر
فصعوبة الصياغة بالطريقة القصصية الصحفية المناسبة للجمهور، والحاجة للتحقق من دقة وصحة المواد ووضعها في سياقها الصحيح، ومستويات الجودة والتحقيق والاستقصاء وغيرها- هي أمور تجعل وظيفة الصحفي الإنسان لا غنى عنها، كما تقول “رويترز”.