رجل مهتم بالحيوانات يحتفظ بسرٍّ منذ 18 عاماً سيُنقذ فصيلة وحيد القرن الأبيض من الانقراض!

حالة من الحزن انتابت المهتمين بعالم الحيوان بعد سماع وفاة وحيد القرن الشمالي الأبيض الأخير في العالم، لكن شيئاً ظهر بعد ساعات من الخبر لم يكن في الحسبان، وهو، أن أحد المهتمين بإنقاذ هذا الحيوان النادر أخفى السائل المنوي لوحيد القرن قبل 20 عاماً!

توماس هيلدبراندت الذي كان يهتم كثيراً بإنقاذ الحيوان الذي يعد من أندر الثدييات الكبيرة في العالم- من الانقراض، عمل في صمت من أجل الحفاظ على هذه السلالة النادرة دون أن يخبر أحداً بأن لديه 300 ملليلتر من السائل المنوي لوحيد القرن الشمالي الأبيض، مخزنة في نيتروجين سائل عند درجة حرارة مئوية 196، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وتلقى العلماء أخباراً صاعقة عن وحيد القرن سودان، في مارس/آذار 2018، فقد مات آخر ذكر من هذه الفصيلة النادرة في وطنه بشمالي كينيا، عن عمر يناهز 45 عاماً.

علاقة هيلدبراندت مع سودان

وبحسب الصحيفة البريطانية، يمتلئ مكتب هيلدبراندت بصور له، تصور جلد الحيوان الفريد الذي يشبه اللؤلؤ، وأذنيه غزيرتي الفرو، وأقدامه الضخمة التي تساعده في المستنقعات، وقرونه القادرة على رفع وزن يصل إلى طنين.

يقول هيلدبراندت “كنا حزينين للغاية”. ويضيف “لقد كان طاعناً في السن، ومريضاً جداً، وكنا نعلم أن هذا اليوم آتٍ لا محالة، لكنني عرفته منذ 18 عاماً، وكان من أعرق المخلوقات التي أصبحت سفيراً هاماً لحماية الفصائل”.

ويمتلك هيلدبراندت مقاطع فيديو صغيرة لسودان، خلال أسابيع حياته الأخيرة، التي أرسلها القائمون على رعاية وحيد القرن بمحمية “اول بيجيتا” حتى يتمكن من متابعة تدهور حالته، إذ توقف وحيد القرن عن تناول الطعام والمشي تدريجياً، ومن ثم اتُّخذ قرار الموت الرحيم بشأنه.

لم يتسن لسودان أن يعيش حتى يشهد ولادة وحيد قرن شمالي أبيض آخر، على الرغم من الجهود المبذولة على تزاوجه في كينيا بأنثى وحيد قرن جنوبي أبيض، لإنتاج فصيلة مهجَّنة على أقل تقدير. إلا أن هيلدبراندت قال إنه متفائل للغاية بقدرة آخر عضوين متبقيين من فصيلته، وهما فاتو وناجين، ابنته البالغة من العمر 28 عاماً، وحفيدته البالغة من العمر 18 عاماً، على تحقيق ما لم يستطيع سودان تحقيقه.

ويشغل الأستاذ هيلدبراندت منصب رئيس إدارة التكاثر في معهد ليبنز لأبحاث الحيوانات والحياة البرية في الضاحية الشرقية من برلين. كما أنه يمتلك مفاتيح إنقاذ هذه الفصائل، التي اكتشفها عالم الجيولوجيا البريطاني، ريتشارد ليدكر عام 1908 في الكونغو البلجيكية، عندما كانت هناك مئات الآلاف من هذه الحيوانات، قبل أن يؤدي اصطيادها من أجل قرونها الثمينة إلى انقراضها.

أزاح هيلدبراندت الستار عن المفاجأة الكبيرة هذا الأسبوع في المعهد، إذ كشف عن وجود حاوية مبردة تحتوي عن 300 ملليلتر من السائل المنوي لوحيد القرن الشمالي الأبيض، مخزنة في نيتروجين سائل عند درجة حرارة مئوية 196 تحت الصفر. فقد جمع هيلدبراندت هذه العينات مع زملائه منذ قرابة 15 عاماً. وقال إنه لم يستطع الكشف عن هذه العينات “لأنها حساسة للغاية”. وأضاف “إنها حقاً لا تُقدر بثمن. وتُعد جزءاً من التراث الحضاري للعالم”.

مستودع الحاويات

وبحسب الغارديان، تُحفظ هذه الحاوية إلى جانب حاويات أخرى كثيرة في مجمع شديد الأمان، إلى جانب مجموعة محتملة من الكنوز الأخرى تتضمن عينات من السائل المنوي لفأر الخلد العاري المقاوم للسرطان، وعينات من الأمراض والأورام والميكروبات، التي قد تقدم حلولاً لبعض أمراض العالم.

بعد وفاة سودان، أصبحت حيوانات وحيد القرن تحتل الأولوية القصوى عند هيلدبراندت. إذ يخطط فيما يعده سباقاً مع الزمن، إلى تطبيق تقنيات التخصيب الاصطناعي، والذهاب إلى كينيا لجمع البويضات من الإناث البالغات، فاتو وناجين، في مايو/أيار، أو يونيو/حزيران المقبل، باستخدام طريقة تُسمى ovum pick-up “سحب البويضات”. إذ تُنقل البويضات المسحوبة من محمية “اول بيجيتا” عبر نيروبي إلى زيوريخ، ثم إلى مدينة كريمونا في إيطاليا، حيث يعمل سيزار غالي، المتخصص في استنساخ الحيوانات الكبيرة، الذي سيتولى إنضاجها، وتخصيبها، وتطوير الأجنة الملائمة للنقل. ومن ثم تُزرع في رحم أنثى وحيد قرن جنوبية بيضاء حاضنة -إذ لا يمكن لأي من فاتو أو ناجين حمل الجنين الذكر- على أمل أن يكمل الحمل، بحسب الغارديان.

وقال هيلدبراندت “من المتوقع أن يكون لدينا في المستقبل القريب نسل جديد”.

ولكن حتى إن استطاع هيلدبراندت وفريق عمله إنتاج نسل جديد غزير، من بويضات الأنثيين بتخصيبهما صناعياً باستخدام السائل المنوي المجمد الذي لديهم، فلن يستطيعوا الحصول على التنوع البيولوجي الضروري لخلق سلالة مستدامة طويلة البقاء، وذلك حسب قوله.

وتُعد دراسات الخلايا الجذعية أمراً ضرورياً في هذا الصدد. فخلال فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات قادمة، لا بد أن يكون المعهد قادراً على استخدام عينات خلايا الجلد المأخوذة عام 2014 من سودان، وغيره من حيوانات وحيد القرن الشمالي الأبيض، وإضافة جينات لها من أجل تحويلها إلى خلايا جذعية، وتحفيزها لتصبح بويضات. ومن ثم تُخصب هذه البويضات باستخدام عينات السائل المنوي المخزنة لدى هيلدبراندت، لتخليق أجنة بديلة من وحيد القرن الشمالي الأبيض، يؤمل على المدى البعيد أن تُنتج نسلاً متنوعاً وراثياً، بحسب الغارديان.

العقول التي تقف وراء تطوير تكنولوجيا الخلايا الجذعية هي فريق بحث الدكتور كاتسوهيكو هاياشي الذي أشعل عناوين الصحف الرئيسية عام 2016، بعد نجاحه في استخدام الخلايا الجذعية للفئران في إنتاج بويضات أنجبت نسلاً معافى.

وقال هيلدبراندت “سوف توفر لنا هذه التكنولوجيا الحلقة المفقودة”.

وعند سؤاله عن أهمية الأمر، وأنه ليس هناك خلاف في أن الانقراض يُعد جزءاً من التطور، استشاط هيلدبراندت غضباً.

مهندس النظام البيئي

قال هيلدبراندت “من التكبر جداً أن نسأل عن أهمية الأمر”، وأضاف “نحن البشر من نقتل هذه الفصائل التي تعيش في بيئة متداعية، ومن ثم نسأل، ما أهمية إنقاذهم؟ تُعد هذه الحيوانات في نهاية المطاف جزءاً من نظام بيولوجي معقد. توفر فضلاته الغذاء لآلاف الحشرات، ويُعتبر جلده مساحة تعيش عليها طيور الأوكسبيكر، وفروع الأشجار التي تتحطم أثناء عبوره الغابة توفر الطعام للظباء، وتُعبد مسارات للهروب من الفهود. إنه بمثابة مهندس نظام بيئي تعتمد كثير من الفصائل عليه في حياتها”، بحسب الصحيفة البريطانية.

وأضاف “لقد تعلمنا بعض الأمور بشأن النظام البيئي المضطرب من خلال كوارث الإيبولا والإيدز. لا نعرف ما قد يحمله ذلك من تأثير على النظام البيئي على المدى الطويل، لكننا بكل تأكيد نسهم في اضطراب هذا النظام بالقضاء على مثل هذه الحيوانات”.

ونظراً لاحتمالات نجاحها، والطريقة التي استحوذت بها على خيال الجمهور بعد موت سودان، من المفاجئ اكتشاف أن مشروع الحفاظ على حيوان وحيد القرن، يشارك فيه معظم العلماء في أوقات فراغهم.

قال هيلدبراندت “كان من المتوقع أن يسير كل شيء بوتيرة أسرع بعض الشيء، إذا كان لدينا التمويل اللازم”. وأضاف “لم ينفد منا المال، في الحقيقة، نحن لم نحصل على أي تمويل في هذا الصدد”.

ويحاول المعهد استغلال الزخم الناشئ عن وفاة سودان لحشد الدعم “لقد وصلَنَا تبرع من فتاة تبلغ من العمر 10 أعوام بمقدار 100 يورو من حصالتها الخاصة هذا الأسبوع. فمن الواضح أن الأطفال يدركون مدى أهمية ذلك، حتى ولو لم يفعل السياسيون”، حسبما قال هيلدبراندت، بحسب الصحيفة البريطانية.

ويضيف “في نهاية المطاف، يمكن لهذا الجهد أن يكون له تأثير كبير كنموذج يُحتذى به في العمل على فصائل منقرضة أخرى، أو أوشكت على الانقراض”. سوف يسافر هيلدبراندت، في نهاية شهر أبريل/نيسان، إلى جزيرة بورنيو من أجل تطبيق نفس الاستراتيجية لإنقاذ وحيد القرن السومطري، الذي لم يتبق منه إلا عدد قليل جداً، قد لا يتعدى 30 حيواناً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top