في مكان شبه منعزل في القطب الشمالي، تتجه شاحنة متخصصة بين الفينة والأخرى لتوصيل شحنة غالية جداً، تكاد لا تقدر بثمن. هذه الشحنة صغيرة جداً وغير مخصصة لشخص من عصرنا هذا، ولا حتى من هذه الألفية، بل للأجيال المقبلة.
إرث الحضارة الإنسانية ينتقل بالصوت والصورة قطعة قطعة إلى منجم للفحم في أقصى شمال النرويج، ولكن لماذا؟
الفكرة من ابتكار الشركة التكنولوجية Piql، التي قررت إنشاء أرشيف القطب الشمالي في العام 2017. والهدف منه هو إنشاء مستودع آمن للذاكرة العالمية “مصمم ليدوم أكثر من ألف عام “، وفقاً لموقع المشروع الرسمي على الإنترنت.
يعرض الكنز الرقمي مجمل مجموعات متحف النرويج الوطني، بالإضافة إلى مقتنيات من متاحف أخرى حول العالم.
بدورها قالت مديرة المتحف كارين هيندسبو في بيان رسمي “لدينا في المتحف الوطني أعمال من العصور القديمة حتى اليوم، ونعمل بنفس المنظور على المستقبل كما الماضي. المجموعة ليست ملكنا فقط، ولكنها ملك للأجيال التي تلينا. من خلال تخزين نسخة من المجموعة بأكملها في أرشيف القطب الشمالي، نتأكد من أن الفن سيكون آمناً لعدة قرون”.
وفقًا لصحيفة Art Newspaper’s Christian House، يلتقط الموظفون صوراً للوحات المتحف وأعمال الهندسة المعمارية والتحف الأخرى، ثم ينقلون هذه الصور إلى فيلم متخصص.
تم تصميم هذا الوسيط الإلكتروني خصيصاً لإبقاء الأعمال قابلة للقراءة حتى مع تغير التقنيات وتطورها.
أما مدير إدارة المجموعات بالمتحف رولف ينجفي أوجين فقال لصحيفة Art Newspaper: “الشيء الوحيد الذي تحتاجه لقراءة الفيلم هو الضوء”.
وإلى جانب لوحة الصرخة العالمية The Scream، تشمل الأعمال الأخرى المحفوظة في الأرشيف The Baldishol، وهو نسيج نرويجي من العصور الوسطى يمثل جزءاً من التقويم، ولوحة Harald Sohlberg لعام 1914 Winter Night in the Mountains.
كما ظهر في الصور فستان للملكة مود، التي اعتلت العرش مع زوجها هاكون السابع عام 1905 في النرويج.
لماذا القطب الشمالي؟
يساعد الهواء الجاف والبارد ومنخفض الأكسجين في الحفاظ على لفات الأفلام البلاستيكية التي يتم تخزين الصور الرقمية عليها.
ويؤدي تخزين الصور في وضع عدم الاتصال، في مكان بعيد، إلى حمايتها أيضاً من الهجمات الإلكترونية.
وقال يوجين “الأمر يشبه التواجد على كوكب آخر، وكأنها مخزنة في الجبهة الأخيرة”.
موقع أرشيف القطب الشمالي
يقع الأرشيف في جزيرة سبيتسبيرجين في أرخبيل سفالبارد، شرق جرينلاند، ويحتوي الآن على نسخ رقمية طبق الأصل من كنوز أكثر من 15 دولة.
من بين المنظمات التي تخزن نسخاً من القطع الأثرية في أرشيف القطب الشمالي، المحفوظات الوطنية للمكسيك ومكتبة الفاتيكان ووكالة الفضاء الأوروبية، وأرشيف الوسائط المتعددة البرازيلي، ومتحف “الشخص” أو The Person.
كما خزنت عدة شركات سجلاتها في هذا المستودع الرقمي البارد، إلى جانب اختراقات علمية بارزة و”كنوز ثقافية معاصرة” بحسب الموقع الرسمي للأرشيف AWA.
ووضع مصممو الأرشيف في الاعتبار التهديدات المحتملة من الحروب والكوارث الطبيعية، فضلاً عن التغيرات التكنولوجية والمجتمعية.
ووفقاً لموقع الإرشيف، تم تصميم تقنية الأرشفة “المستقبلية والمستقلة عن التكنولوجيا” كي تتحمل الطاقة الكهرومغناطيسية القوية.
أرشفة مشابهة للغذاء
بفكرة مشابهة، يوجد أرشيف زراعي بالقرب من أرشيف القطب الشمالي الرقمي، وهو مخزن البذور العالمي سفالبارد، الذي افتتح في عام 2008 لتخزين عينات من المحاصيل المتنوعة في العالم.
يحتوي القبو حالياً على أكثر من مليون عينة وتبلغ سعته القصوى 4.5 مليون نوع من المحاصيل، وهو يشبه إلى حد كبير قصة النبي نوح واحتفاظه بالحيوانات على متن سفينته خوفاً من الطوفان ومن زوالها.
ولكن بعد أن غمر مدخله بسبب الطقس القاسي في عام 2017، سارعت الحكومة النرويجية إلى تعزيز المنشأة بجدران جديدة مقاومة للماء ومبنى خدمات لوحدات الطاقة والتبريد في حالات الطوارئ، كما ذكرت هيلين بريجز لشبكة BBC في 2018.
يقع كلا الأرشيفين في مواقع التعدين السابقة في أعماق الأرض، تحت طبقات التربة الصقيعية ولكن فوق مستوى سطح البحر.
من الجدير ذكره أنه من الصعب الوصول إلى أرخبيل سفالبارد حيث لا يتجاوز عدد سكانه حوالي 3000 نسمة، يتجمع معظمهم في مدينة لونجييربين، علماً أنه منطقة منزوعة السلاح باتفاق 42 دولة.