سيناء لم تعُد هنا

مرَّت سيناء وأهلها بظروف مختلفة باختلاف حكام مصر، كان جمال عبد الناصر يرى أنه من الضروري أن تكون سيناء خالية تماماً من العمران والبشر، إن أمكن؛ كي لا تكون يد مصر الضعيفة التي تستطيع إسرائيل أن توجع مصر بضربها بغارة جوية أو برية، وذلك لقربها الجغرافي من إسرائيل؛ مما جعله لا يضعها في أي خطط تنمية مصرية، واكتفى بوجود مخابرات فيها، وكان أهل سيناء وقتها يؤيدون الحكم الناصري بقوة، وعلاقتهم قوية جداً مع القائد عبد الناصر، الذي كان يقابل حبهم بكل وفاء وتقدير لتضحياتهم، وحتى بعد النكسة، واحتلال إسرائيل لكامل أرضها، رفض أهالي سيناء دعاوى التدويل، وكانت تلك خطة إسرائيل التي فشلت فشلاً ذريعاً في مؤتمر الحسنة في أكتوبر/تشرين الأول 1968؛ حيث أبلى أهالي سيناء بلاءً حسناً، وأعلنوا عن مصرية سيناء بلا أي شك.

السادات بعد أكتوبر/تشرين الأول كان من رأيه ضرورة تعمير سيناء ودمجها في الكيان المصري كلية، وكان مشروع النفق من أهم مشاريع ربط سيناء بالكيان الأم، وكان التقسيم الإداري بمحافظتي منفصلتين شمالاً وجنوباً من أهم خطط السادات لتنمية سيناء، وكان أهالي سيناء فرحين بعودتهم إلى مصر البلد الأم والأصل، عادوا لها وما تركتهم أو تركوها يوماً.

ثم كان عهد مبارك واستكمال عودة الأرض السيناوية المصرية الغالية، وبداية نهضة حقيقية وتنمية خاصة في الجزء الجنوبي، تم وضع بنية أساسية وخطة اقتصادية أتت ثمارها بنهضة سياحية غير مسبوقة، في الجنوب السيناوي أيضاً كان هناك بعض المشاريع والتطوير من نصيب شمال سيناء، صاحب ثلثي السكان تقريباً، لكن شابت العلاقة بين نظام مبارك وشعب سيناء منغصات كثيرة، فرغم تغاضي نظام مبارك عن تجارة الأنفاق مع غزة المحاصرة في أواخر عهد مبارك، التي كانت تجارة ذات عوائد فائقة لأهالي الشمال السيناوي، فإن هذا التغاضي لم يغفر لمبارك قمع رجال شرطته للكثير من أهالي سيناء والغضب أيضاً من موقف مبارك التخاذل في القضية الفلسطينية، إلا أنه في كل الأحوال ظل الإناء مكتوماً بما يحويه من غليان مستعر.

ومن المستجدات المهمة في عهد مبارك هو انفراد المخابرات العامة بالملف السيناوي تماماً، وكان هذا الأمر مريحاً بالنسبة لأهالي سيناء، ومقلقاً بالنسبة لأجهزة أخرى.

وبدأت معاناة أهالي سيناء بعد انتهاء عصر مبارك، فالجزء الجنوبي وجد نفسه تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة، نتجت عن انهيار معدلات وفود السياح، بينما الجزء الشمالي كانت داهيته أكبر؛ إذ أصبح ساحة للاقتتال الظاهر والخفي لكل الأطراف الداخلية والخارجية، وكانت المعارك في سيناء انعكاساً للأوضاع في القاهرة، هناك مَن حارب طمعاً في مكسب، وهناك مَن حارب ضغطاً على خصم، وهناك مَن أرسل سلاحاً، وهناك مَن تغاضى عن شحنات الأسلحة، وهناك من أرسل مقاتلين، ومَن موَّل ومَن درب ومَن هيَّأ مناخاً للاقتراب، أسئلة كثيرة وإجابات يصعب تصورها، وتفاقمت الأمور، فالداخلية المصرية لا تستطيع مجرد الوجود؛ حيث يعتبرها أهالي سيناء خصماً حقيقياً، والجيش المصري يصعب عليه المواجهات لطبيعة الأراضي السيناوية والمخابرات العامة مكبَّلة رغماً عنها والمخابرات العسكرية لا تقدر.

واعتمد الجيش المصري على استراتيجية محددة، فليخسر البعض نظير مكسب الكل، وأسفرت المواجهات عن قرى كاملة أبيدت، ومزارع عامرة أحرقت، وأزهقت نفوس، وتبددت ثروات، وتلاشت أحلام، وقبل ذلك وبعده أمن ضاع، فالاستراتيجية تحقق نصفها بأن خسر البعض، ولم يتحقق شطرها الثاني فلم يكسب أحد.

وفي خضم هذا الأتون لا تسأل عن أهالي سيناء، فحسابهم حساب المضطر، كانوا مضطرين في كل ما فعلوا، وما لم يفعلوا، ومن ذا الذي يفعل شيئاً وهو تحت مطرقة الإرهابي وفوق سندان الحاكم ومن حوله نار الأعداء ولا أحد يحميه من الآخر؟ وكانت دموعهم تنسال غير مفرقة بين جندي مات غيلة، وشيخ قبيلة راح لرفضه التآمر على جيش بلده.

وكان هناك خاسر دوماً هو الشعب السيناوي، دفع الثمن باهظاً، دفع ثمن طمع الطامع، وتكبد أثمان الخيانة، وكان ذلك من أعمار الشباب وقوت الرجال؛ بل وصل الأمر إلى أعراض النساء، والأغرب أن شعب سيناء كان يدفع لكل الأطراف، كان يدفع ويسمع اتهامه بالخيانة والعمالة ممن تسببوا في مأساته.

سيناء لم تعُد هناك، فقد ذهبت، ذهبت ولن تعود، ذهبت ولن تعيدها أحلام قائد أو أوهام زعيم، أو أكاذيب عسكري، لن تعود سيناء، لن تعود ولا بتضحية جندي ولا بفداء مواطن، بعد كل ما حدث لم يعد هناك مجال للحديث عن سيناء كما كانت، فالمؤكد أنها الآن تحت وضع لن يمكن استمراره والترتيبات للوضع الجديد لم تعد خافية، فمنها ما تسرب بهفوة، ومنا ما ترك يتسرب تمهيداً.

لا أريد الخروج من نسق الحديث، ولكن ليس ببعيد موقف حسني مبارك عندما وافق على أن يكون الجيش المصري مقدمة التحالف العالمي لتحرير الكويت، وكان الثمن ما يفوق العشرة مليارات دولار.

الحديث الحالي يدور حول منطقة عازلة شرق العريش حتى نهاية الحدود المصرية، هذا الحديث يتوازى مع حديث آخر حول فيلق عربي مشترك تكون قيادته مصرية.

لا أحد يستطيع التكهن بما سيحدث، فشطارة المفاوض وأزمة المأزوم ستحددان الكثير، حتى ترامب بدأ يتحدث عن حل الدولة الواحدة، ولم يقل لنا ماذا عن غزة وأهلها وامتداداتها.

ويبدو أن هناك مَن يعمل في صمت من أجل إيجاد نتيجة للمفاوضات قبل أن تبدأ واسألوا في ذلك صواريخ جراد التي تنطلق من مجهول في سيناء لضرب اللاشيء في إيلات أسبوعياً.

سيناء بحكم سارية العَلم ستظل مصرية، ووجود المنطقة العازلة أو أي حل آخر قد يحقق أمناً كثيراً، لكن في كل الأحوال أي حل لن يكون كما يتمناه صانعوه أبدياً، بل سيكون مؤقتاً فقط لحين التقاط الأنفاس، وتحديد المراكز؛ لنرى بعده أزمة أخرى تنتج حلاً جديداً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top