“أستيقظ كعادتي مبكراً، وأجلس في مكان الكتابة باحثاً عن بدايات مختلفة لا تأتي. فالنظر المدرَّب على تشريح الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الوطن تتراجع دقته بسبب البعد. والرغبة في مراكمة إنتاج أكاديمي متميز وحصاد فكري يُبقي على الاسم بعد الرحيل يحل محلها التساؤل الدائم عن الهدف من كتابات ليس لها القدرة على تغيير الواقع المرير في بر مصر!”.
هذا نَصٌ من تَدوينة الدكتور عمرو حمزاوي الناشط المصري السياسي والحقوقي على موقع صحيفة “القدس العربي”، قرأت التدوينة كاملة بلا انتقاص منها. ما استوقفني هو شيء لم يَدر ببال عمرو حمزاوي على الإطلاق.
إن كان الدكتور عمرو حمزاوي يقرأ هذه التدوينة الآن، فمن الممكن أن يسترجع بالذاكرة تاريخ الخامس والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول لعام 2013، التقيته قدراً في مطار القاهرة الدولي، كان يَجر حقيبة في صالة المغادرة، دار عقلي: أهو عمرو حمزاوي؟!
ربما هو، ربما شبيهه، ربما.. ربما.
لم ولم أهتم؟!
وجلست على واحد من كراسي الانتظار المتراصة بعد إحدى عشرة ساعة من التعذيب قضيتها في قَبو أو حجرة أو شيء ما في جَنبات مطار القاهرة.. “كهرباء-ضرب-تهديد”، كل ما هو مخالف لحقوق الإنسان تَم معي في تِلك الساعات. ربما أتحدث عن هذا الأمر بشكل عام للمرة الأولى في كتابة عامة ليست في حديث جلسات خاصة للمقربين، الله وحده فقط من أنقذني من هذا الجحيم الذي كنت بدأت بنسج تَبعاته وأنا في غرفة التعذيب تلك مع هؤلاء المحققين.
الشاهد من الأمر، أن الدكتور حمزاوي أحسن اختيار عنوان تدوينته وهو “المَنفي”، أنا الآخر لا أعد حياتي الآن غربة، كما يطلق البعض عليها، لكن دوماً ما رَدّدتُ لنفسي ولمن حولي أننا منفيون بلا هوادة وبلا توقيت معلوم.
أعود لما اقتبسته من تدوينة الدكتور عمرو.. أنا الآخر أستيقظ مبكراً؛ لأنني ربما لا أنام إلا 4 ساعات أو 5 إن أردت الصِدق في التعبير.
أستيقظ على آخر صَعقة كهرباء وآخر سُبة لأمي -رَفع الله قدرها- من هؤلاء الذين تناوبوا على تهديدي وتعذيبي.
ليس لدي مكان خاص للكتابة، لكنني أكتب على صفحتي الشخصية بفيسبوك، أكتب وأكتب مُفعِّلاً خاصية النشر لي فقط لا غير. لكنني أكتب بعدم اهتمام للحقائق السياسية والاجتماعية في مصر؛ بل عن كَم الغضب وكَم التجرد مما كان يُطلق عليه انتماء إلى نطاق جغرافي اسمه وطن بين علامتي تنصيص “مصر”.
أنا الآخر طرحت التساؤل نفسه عن الهدف من استكمال أطروحتي للماجستير التي كنت أعمل بها في جدٍّ ضمن مشروعٍ بحثي اخترته حباً وكنت مُنجزاً فيه بشغف!
عنوان الرسالة التي قدمتها لكلية الآداب بقسم الإعلام جامعة المنصورة يوماً ما في 2013؛ “الخطاب الصحفي العربي وتأثيره على الثورة السورية بداية من عام 2011”.
إلى الدكتور عمرو حمزاوي، هذا السطر السابق وكل محتوى وضعته في هذه الرسالة أنت وَضعت إجابته في تدوينتكَ وهي حين قُلت: “ليس لها القدرة على تغيير الواقع المرير”.
بالفعل، لا شيء من رسالتي التي عبَّأتها بالمراجع والدراسات السابقة وكُنت أسافر لقاهرة المعز مع رفيقة دربي الصديقة الوَفية لإنجازها، له القدرة على تغيير شيء من الواقع!
كل هذا مَحض هُراء.
رسالتي، ومن قبلِ أن أختار اسمها، قادتني أبحاثي وعملي صحفياً ساذجاً، أو نِصف صحفي حسب توصيف خاص بي، إلى الكثير من “البلطجية، الأحزاب السياسية، تشي غيفارا، الشيخ البغدادي، الحدود، المخيمات، المهربون، القتلة ولم يقدني أي من هاتيك السابقات إلى خاصة في (المنفى)”.
رسالتي إن كانت قد اكتملت، كانت فقط ستضيف كُتلة من ورق يحمل اسمي، ومن ثم تقدماً أكاديمياً وفقط..
لكنها لن توقف دماء ملايين السوريين ولن تُعيد لي عقلي الذي ما زال مشوشاً بقصف الطائرات هناك، ولا بقايا أجساد أطفال المخيمات التي كُنت أمُرُّ عليها سريعاً؛ خَشية النَظر في أعينهم.
اللعنة على رسالتي للماجستير.. ماذا ستقول لهم بضع مئات من الأوراق؟!
مَرة أخرى، كل هذا الذي كنت أفعله في تِلك الرسالة مَحض هُراء..
أما عَن واقع مصر المرير كما تَفضلت بالذكر، فأنا لست بحاجة لمصريتي من بعد الخامس والعشرين من ديسمبر وقت التقيتك مصادفةً.
كل ما في عقلي من قراءات وكُتب وأبحاث ولقاءات وترحال لا شيء..
أنا غير مهتم بمصر المريرة، مصر التي جعلت منا منافي مَيتة.. ربما منفاك في أوروبا أو أميركا لا أعلم وليس لدي فضول أو اهتمام للمعرفة، لكن قد يكون أقل في شِدته.. تَفضل بزيارة لنا في تركيا أو في السودان؛ أي مناطق السواد الأعظم من المَنفيين… تَحدث معنا ربما يُقنعك أحدهم أو ربما أنا المستعد للتنازل عن مصريته أبداً، أتتنازل؟!
سأتنازل أنا، ليس لأنني مؤمن بمقطع من نشيد الأممية الشيوعي ويقول مقطع منه “غَد الأمم يوحد البشر”، لا؛ لأنني تماماً لا أشعر بشيء فيَّ يعود لهذا النطاق الجغرافي.. “مصر”.
أنا هنا واحد وسط العشرات وأقلهم مأساة، لم أترك ديني بعدُ بسبب حالة العَدم المحيطة بي لكن هنا من تركوا، لم أحمل سلاحاً للقتال بعدُ في منطقة صراع، لكن العشرات هنا فعلوا واستُشهدوا وبكينا عليهم، لم أنَم في الطرقات يوماً، يومين أو عشرة كما حال الفُرادى والمجموعات من المَنفيين فتيات وشباب حدث معهم، أبي مات من سنوات بعيدة، لكنني لم أُجرب معنى فقْد أبي وأنا في المَنفي، لكن صديقي جَرب وأبكي عليه، وآخرون سُحقت مشاعرهم من المنفي، لكل حكاية، لكل منهم مِصره الخاصة التي تَرك ومنفاه الخاص الذي يعيش.
حَي حَي إلينا يا دكتور عمرو حمزاوي ومَن معك في منافٍ أخرى تحدثوا معنا، عَلكم تروا مِصر أخرى سحقتنا في هاوية عَدمية..
كلنا هنا مصريون، سوريون، فلسطينيون، تركستانيون، شيشانيون لسنا لاجئين، لكننا فاقدو وَطن وفي مَنفي أبدي..
“كل كتاب هو انتحار مؤجل”، هكذا قال إميل سيوران الفيلسوف الروماني، وأنا أقتبس منه أن كل نَفس في المنفي هو انتحار مؤجل سيد عمرو..
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.